نتائج البحث عن (-سنة تسعين) 11 نتيجة

-سَنَةَ تِسْعِينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا: خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَأَبُو الْخَيْرِ مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيُّ الْمِصْرِيُّ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بن المسور الزهري، وأبو ظبيان الجنبي، ويزيد بْنُ رَبَاحٍ، وَعُرْوَةُ بْنُ أَبِي قَيْسٍ الْمِصْرِيَّانِ.
وَقَالَ أَبُو خَلَدَةَ: تُوُفِّيَ فِيهَا - فِي شَوَّالٍ - أَبُو الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيُّ: تُوُفِّيَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ سَنَةَ تِسْعِينَ.
وَقَالَ شُعَيْبُ بْنُ الْحَبْحَابِ: تُوُفِّيَ فِيهَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ.
وَقَالَ خَلِيفَةُ: تُوُفِّيَ فِيهَا مَسْعُودُ بْنُ الْحَكَمِ الزرقي.
وفيها غزا قتيبة بن مسلم وردان خداه الْغَزْوَةَ الثَّانِيَةَ، فَاسْتَصْرَخَ عَلَى قُتَيْبَةَ بِالتُّرْكِ، فَالْتَقَاهُمْ قُتَيْبَةُ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ وَفَضَّ جَمْعَهُمْ. -[922]-
وَفِيهَا غَزَا الْعَبَّاسُ ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَبَلَغَ الأرزق ثُمَّ رَجَعَ.
وَفِيهَا أَوْقَعَ قُتَيْبَةُ بِأَهْلِ الطَّالِقَانِ بِخُرَاسَانَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَصَلَبَ مِنْهُمْ سماطين طُولَ أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ فِي نِظَامٍ وَاحِدٍ، وَسَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ مَلِكَهَا غَدَرَ وَنَكَثَ، وَأَعَانَ نَيْزَكَ طَرْخَانَ عَلَى خَلْعِ قُتَيْبَةَ. قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ.
وَفِيهَا سَارَ قُرَّةُ بْنُ شَرِيكٍ أَمِيرًا عَلَى مِصْرَ عَلَى الْبَرِيدِ فِي شَهْرِ رَبِيعِ الأَوَّلِ، عِوَضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَقِيلَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أعلم.
-سَنَةَ تِسْعِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا توفي: أَسَدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَجَلِيُّ الْفَقِيهُ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسْطَنْطِينَ مُقْرِئُ مَكَّةَ فِي قَوْلٍ، وَالْحَكَمُ بْنُ سِنَانٍ الْبَاهِلِيُّ الْقُرَبِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ شُعَيْبٍ الْحِمَّانِيُّ، وَشُجَاعُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ الْبَلْخِيُّ الْمُقْرِئُ، وَعَائِذُ بْنُ حَبِيبٍ بَيَّاعُ الْهَرَوِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ غَانِمٍ قَاضِي إِفْرِيقْيَةَ، وَأَبُو عَلْقَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرَوِيُّ الْمَدَنِيُّ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بن كعب بْنِ عَلْقَمَةَ الْمَصْرِيُّ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ اللاحِقِيُّ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ الْكُوفِيُّ الْحَذَّاءُ، وَعَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ الْحَلَبِيُّ الْخَفَّافُ، وَعُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ المقدمي، ومحمد بن بشر الْمَعَافِرِيُّ بِحَلَبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِيُّ، وَمَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ فِي رِوَايَةٍ، وَمَسْلَمَهُ بْنُ عُلَيٍّ -[793]- الْجُهَنِيُّ، وَمَيْمُونُ بْنُ يَحْيَى مِصْرِيٌّ، وَوَهْبُ بْنُ وَاضِحٍ أَبُو الأَخْرِيطَ مُقْرِئُ مَكَّةَ، وَيَحْيَى بْنُ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ مَحْبُوسًا، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا الْغَسَّانِيُّ بِوَاسِطٍ، وَيَحْيَى بْنُ مَيْمُونَ الْبَغْدَادِيُّ التَّمَّارُ، وَأَبُو بَحْرٍ الْبَكْرَاوِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ وَاصِلٍ.
وفيها خلع الطاعة رَافِعُ بْنُ اللَّيْثِ بْنِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ بِسَمَرْقَنْدَ، فَوَجَّهَ ابْنُ مَاهَانَ لِحَرْبِهِ ابْنَهُ عِيسَى، فَالْتَقَوْا فَانْهَزَمَ عِيسَى.
وَفِيهَا أَسْلَمَ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الْمَجُوسِيُّ عَلَى يَدِ الْمَأْمُونِ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ.
وَفِيهَا افْتَتَحَ الرَّشِيدُ مَدِينَةَ هِرَقْلَةَ، وَبَثَّ جُيُوشَهُ بِأَرْضِ الرُّومِ، وَكَانَ فِي مِائَةِ أَلْفِ فَارِسٍ، وخمسة وثلاثين ألفا سِوَى الْمُطَّوَّعَةِ، وَجَالَ فِي أَرْضِ الْكُفْرِ الأَمِيرُ دَاوُدُ بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى فِي سَبْعِينَ أَلْفًا.
وَافْتَتَحَ شَرَاحِيلُ بْنُ مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ حِصْنَ الصَّقَالِبَةِ.
وَافْتَتَحَ يَزِيدُ بْنُ مَخْلَدٍ الصَّفْصَافَ، وفلقونية.
وَكَانَ فَتْحُ هِرَقْلَةَ فِي شَوَّالٍ، فَأَخْرَبَهَا وَسَبَى أَهْلَهَا، وَكَانَ الْحِصَارُ ثَلاثِينَ يَوْمًا.
وَوُلِّيَ إِمْرَةَ سَوَاحِلِ الشَّامِ إِلَى مِصْرَ حُمَيْدُ بْنُ مَعْيُوفٍ، فَسَارَ فِي الْبَحْرِ إِلَى قُبْرُسَ فَهَدَمَ وَحَرَّقَ، وَسَبَى مِنْ أَهْلِهَا سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَأُبِيعُوا بالرقة، وَبَلَغَ ثَمَنُ أُسْقُفِ قُبْرُسَ أَلْفَيْ دِينَارٍ.
وَاتَّخَذَ الرَّشِيدُ قَلَنْسُوَةً كَانَ يَلْبَسُهَا مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا بِالرُّقَمِ " غَازٍ حَاجٌّ "، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ أَبُو الْمُعَلَّى الْكِلابِيُّ، وَكَانَ شُخُوصُ الرَّشِيدِ إِلَى الرُّومِ فِي رَجَبٍ:
فَمَنْ يَطْلُبْ لِقَاءَكَ أَوْ يُرِدْهُ ... فَبِالْحَرَمَيْنِ أَوْ أَقْصَى الثُّغُورِ
فَفِي أَرْضِ الْعَدُوِّ عَلَى طمر ... وفي أرض البرية فَوْقَ كُورِ
وَفِيهَا بَعَثَ نِقْفُورُ إِلَى الرَّشِيدِ بالحمل، وبالجزية عن رأسه أربعة دنانير.
وَكَتَبَ: لِعَبْدِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، مِنْ نِقْفُورَ مَلِكِ الرُّومِ، سَلامٌ عَلَيْكَ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً لا تَضُرُّكَ فِي دِينِكَ وَلا دُنياك، أَنْ تَهَبَ لابْنِي جَارِيَةً مِنْ بَنَاتِ مَدِينَةِ هِرَقْلَةَ قَدْ كُنْتُ خَطَبْتُهَا عَلَى ابْنِي، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُسْعِفَنِي بِهَا فَعَلْتَ، وَالسَّلامُ.
وَاسْتَهْدَاهُ أَيْضًا سُرَادِقًا وَطِيبًا، فَأَمَرَ الرَّشِيدُ فأحضرت الجارية فحليت -[794]- وزينت، وبعث معها مَا سَأَلَ مِنَ الْعِطْرِ، وَالطُّرَفِ، والسُّرَادَقِ، فَوَهَبَ نقفور للرسول خمسين ألفا وثلاث مائة ثوب، واثني عشر بازا، وأربعة أكلب، وثلاثة بَرَاذِينَ، وَطَلَبَ مِنَ الرَّشِيدِ أَنْ لا يُخَرِّبَ حِصْنَ ذِي الْكَلاعِ، وَلا صَمْلَهْ، وَلا حِصْنَ سِنَانٍ، فَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ الرَّشِيدُ أَنْ لا يُعَمِّرَ هرقلة، وأن يحمل إليه ثلاث مائة ألف دينار.
وفيها نقض أهل قبرص، فَغَزَاهُمْ مَعْيُوفُ بْنُ يَحْيَى، فَقَتَلَ وَسَبَى.
-سنة تسعين ومائتين
فيها تُوُفِّي: أَحْمَد بن عَليّ الأبار، وَالحَسَن بن سهل المجوز، وَالحُسَيْن بن إِسْحَاق التُّسْتَريّ، وعبد الله بن أَحْمَد بن حَنْبَلٍ، وَمحمد بن زكريا الغلابي الإخباري، وَمحمد بن العَبَّاس المُؤَدِّب، وَمحمد بن يَحْيَى بن المنذر القزاز، شيوخ الطبراني.
وفي أولها قصد يَحْيَى بن زَكْرَوَيْه الرّقّةِ، في جمعٌ، فخرج إليه عسكرها فهزمهم وقتل منهم، فبعث طغج لحربه بشيرًا غلامه، فالتقوا، فقتل بشير، وانهزم جُنده. فندب المُكْتَفِي أبا الأغر في عشرة آلاف، وجهزه لحربهم. ثُمَّ سار القَرْمَطيّ فحاصر دمشق، وبها طُغْج بن جف، فضعف عن مقاومة القرامطة. -[666]-
وفيها خرج المُكْتَفِي من بغداد يريد سامراء ليسكن بها، فصرفه الوزير عن ذَلِكَ وَقَالَ: نحتاج إلى غرامات كثيرة. فعاد إلى بغداد.
وفيها قتل الكلبُ يَحْيَى بن زَكْرَوَيْه على حصار دمشق فأقاموا مقامه أخاه الحسين.
وفيها عسكر المُكْتَفِي وسار إلى المَوْصِل في رمضان لحرب القرامطة، وتقدم أمامه إلى أرض حلب أبو الأغرّ، فنزل بوادي بُطْنان فكبسهم على غِرة صاحبُ الشامة القَرْمَطيّ، فقتل منهم خلقًا، وهرب أبو الأغرّ في ألف رجلٍ إلى حلب. وقُتل تسعة آلاف. وتبعهم صاحب الشامة، فحاربه أبو الأغر على باب حلب، ثُمَّ تحاجزوا؛ ووصل المُكْتَفِي إلى الرّقّة، وسرح الجيوش إلى القرمطي.
وفي رمضان وصل القَرْمَطيّ أَيْضًا إلى دمشق، فخرج لقتاله بدر الحمامي صاحب ابن طولون فهزم القَرْمَطيّ، ووضع في أصحابه السيف وهرب الباقون في البادية. وبعث المُكْتَفِي في أثر صاحب الشامة الحُسَيْن بن حَمْدَان والقوّاد.
وَقِيلَ: إنما كانت الوقعة بين بدر والقرمطي بأرض مصر، وأن القَرْمَطيّ انهزم إلى الشام في نفرٍ يسير. فسار على الرَّحْبة وهيت، فنهب وسبى، ومضى إلى الأهواز.
وفيها قُتل أبو الْقَاسِم يَحْيَى بن زَكْرَوَيْه بن مهرويه القَرْمَطيّ المعروف بالشيخ، وبالمُبَرْقَع. وكان يسمي نفسه كذِبًا وبُهْتانًا: عَليّ بن أَحْمَد بن محمد بن عبد الله الحسيني وكان من دعاة القرامطة.
قيل: إن بدرا الحمامي لقيه بحوران فِي هذه السنة، فاقتتلوا قتالاً عظيماً، فقتل، وقام أخوه موضعه. وكان سبب قتله أن بربريًا رماه بمِزْراقٍ، واتبعه نفّاط فأحرقه بالنار في وسط القتال، فنصب أصحابه أخاه الحُسَيْن بن زكرويه، ويسمى بصاحب الشامة، وزعم بكذبه أَنَّهُ: أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن محمد بْن إسْمَاعِيل بن الصادق جعفر، وأظهر شامة في وجهه زعم أنها آيته. وجاءه ابن عمّه عيسى بن مهرويه وزعم أَنَّهُ عبد الله بْن أَحْمَد بْن محمد بْن إسْمَاعِيل بْن جعفر، ولقبّه المدثر، وعهد إليه. وزعم أنه المعني في السُّورة. ولقب غلامًا له المطوّق بالنُّور، وظهر على دمشق وحمص والشام، وعاث وأفسد، حَتَّى قتل الأطفال وسبى الحريم، وتسمى أمير المؤمنين المهدي، ودُعي له على المنابر.
وكان ليحيى بن زَكْرَوَيْه شعرٌ جيد في الحماسة والحرب.

-سنة تسعين وثلاثمائة.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة تسعين وثلاثمائة.
فيها ظهر بسجستان معدن للذهب، فكانوا يصفون من التراب الذَّهَبَ الْأحمر.
وفيها قُلِّد القاضي أَبُو عبد اللَّه الحسين بن هارون الضَّبِّي مدينة المنصور، مضافًا إلى قضاء الكوفة وغيرها، وولي القاضي أبو محمد عبد اللَّه بن محمد الْأكفاني الرَّصافَةَ وأعمالها.
وفيها وُلِّي نيابة دمشق فحل بن تميم من جهة الحاكم، فمرض ومات بعد أشهر، وولي بعده علي بن جعفر بن فلاح.

-سنة تسعين وأربعمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة تسعين وأربعمائة
فيها قُتِل الملك أرسلان أَرْغُون ابن السّلطان ألْب أرسلان السَّلْجُوقيّ بمَرْو، وكان قد حكمَ على خراسان. وسبب قتله أنّه كان مؤذياً لغلمانه، جبّارًا عليهم، فوثب عليه غلامٌ بسِكّين فقتله. وكان قد ملك مَرْو، وبَلْخ، ونَيْسابور، وتِرْمِذ، وأساء السّيرة، وخرّب أسوار مُدُن خُراسان، وصادر وزيره عماد الملك ابن نظام الملك، وأخذ منه ثلاثمائة ألف دينار، ثمّ قتله.
وفيها عصى متولي مدينة صور على المصريّين، فسار لحربه جيش، وحاصروه، ثمّ افتتحوها عَنْوَةً وقتلوا بها خلْقًا ونهبوها، وحمل واليها إلى مصر، فقتل بها.
وكان بَركيَارُوق قد جهَّز العساكر مع أخيه الملك سَنْجَر لقتال عمّه أرسلان أرغون المتغلِّب على خُراسان، فلمْا بلغوا الدّامَغان أتاهم قتْلُه، ثمّ لحِقهم السّلطان بَركيارُوق، وسار إلى نَيْسابور، فتسلَّمها ثمّ تسلّم سائر خُراسان بلا قتال، ثمّ نازل بلْخ وتسلّمها، وبقي بها سبعة أشهر، وخطبوا له بسَمَرْقَنْد، وغيرها. ودانت له البلاد، وخضعت له العباد. واستعمل أخاه سنجر على خُراسان، ورتَّب في خدمته من يسوس الممالك، لأنه كان حدثاً.
وفيها أمر بركياروق الأمير محمد بنَ أَنُوشتِكِين على خُوارَزْم. وكان أبوه مملوك الأمير بلكابَك السَّلْجُوقيّ، فطلع نجيباً، كامل الأوصاف، فولد له محمد هذا، فعلِّمه وأدَّبه، وترقِّت به الحال إلى أن ولي خُوارَزْم، ولُقِّب خُوارَزْم شاه. وكان كريمًا، عادلًا، محسِنًا، مُحِبًّا للعلماء، فلمّا تملك السّلطان سنجر أقرَّ محمدًا على خُوارَزْم، ولمّا تُوُفّي ولي بعده ولده أتسز بن خُوارَزْم شاه فمدَّ ظُلَل الأمن، ونَشَر العدل، وكان عزيزًا على السّلطان سنجر، واصلًا عنده لشهامته وكفايته وشجاعته، وهو والد السّلطان خُوارَزْم شاه محمد الذي خرج عليه جنكزخان.
وفيها نازل رضوان صاحب حلب مدينة دمشق ليأخذها من أخيه دُقَاق، فرأى حصانتها، فسَار ليأخذ القدس فلم يُمكنه، وانقطعت عنه العساكر. وكان معه ياغي سِيان ملك أنطاكيّة، فانفصل عنه، وأتى دمشق، وحسّن لدُقَاق محاصرةَ حلب، فسَار معه، واستنجد رضوان بسُقْمان بن أرتق، فنجده بجيش التُّركمان، -[486]- وخاض الفُرات إليه. والتقى دُقَاق ورضوان بقِنَّسْرين، فانهزم دُقَاق وجَمْعه، ونُهِبوا، ورجعوا بأسوأ حال. ثمّ قُدّم رضوان في الخطبة على أخيه بدمشق، واصطلحا.
وفيها خُطب للمستعلي بالله المصريّ في ولاية رضوان بن تُتُش، لأنّ جناح الدّولة زوج أمّ رضوان رأى من رضوان تغيُّرًا، فسَار إلى حمص، وهي يومئذٍ له، فجاء حينئذٍ ياغي سيان إلى حلب، وصالح رضوان، وكان لرضوان منجمٌ باطنيٌ اسمه أسعد، فحسّن له مذهب المصريّين، وأتته رُسُل المستعلي تدعوه إلى طاعته، على أن يمدّه بالجيوش، ويبعث له الأموال ليتملّك دمشق، فخطب للمستعلي بحلب، وأنطاكيّة، والمَعَرّة، وشَيْزَر شهرًا. فجاءه سُقْمان، وياغي سِيان، فأنكرا عليه وخوّفاه، فأعاد الخُطْبة العباسية.
ورد ياغي سيان إلى أنطاكية، فما استقرّ بها حتّى نازَلَتْها الفرنج يحاصرونها.
وكانوا قد خرجوا في هذه السّنة في جَمْعٍ كثير، وافتتحوا نيقية، وهو أوّل بلدٍ افتتحوه، ووصلوا إلى فامية، وكَفِرْطَاب، واستباحوا تلك النّواحي. فكان هذا أوّل مظهر الفرنْج بالشّام. قدِموا في بحر القُسطنطينيّة في جَمْعٍ عظيمٍ، وانزعجت الملوك والرّعيّة، وعظُم الخَطْب، ولا سيما سلطان بلاد الرّوم سليمان، فجمع وحشد، واستخدم خلقاً من التركمان، وزحف إلى معابرهم، فأوقع بخلقٍ من الفرنْج، ثمّ إنّهم التقوه، ففلّوا جَمْعَه، وأسروا عسكره، واشتدّ القلق وزاد الفَرَق، وكان المصافّ في رجب.

-سنة تسعين وخمسمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة تسعين وخمسمائة
في ربيع الأول ولي مجاهد الدّين ياقوت الرومي شِحْنكيَّة بغداد، فأقام سياسة البلد وأخلاه من المفسدين.
وفيها كان الحرب بَيْنَ السّلطان شهاب الدّين الغوري ملك غَزْنَة وَبَيْنَ بنارس سلطان الهند. وذلك أن أَيْبك مملوك شهاب الدّين لما دخل عام أول الهندَ فأغار عَلَى الأطراف تنمَّر بنارس وغضب، وَهُوَ أكبر ملوك الهند.
قَالَ ابن الأثير: وولايته من حد الصين إلى بلاد ملاو طولًا، ومنَ البحر إلى مسيرة عشرة أيام من لهاوور عَرْضًا، فحشد وجمع وقصد الْإِسْلَام، فطلبه شهاب الدّين بجيوشه، فالتقى الجمعان عَلَى نهر ماجون. قَالَ: وكان مع الهندي سبعمائة فيل - كذا قَالَ ابن الأثير - قَالَ: ومنَ العسكر عَلَى ما قِيلَ ألف ألف نفس، ومن جملة عسكره عدة أمراء مسلمين كانوا فِي تِلْكَ البلاد. فصبر الفريقان، واشتد الحرب، وكان النصر لشهاب الدّين، وكثُر القتل فِي الهنود حَتَّى جافت منهم الأرض، وأخذ شهاب الدّين تسعين فيلًا. وَقُتِلَ بنارس ملك الهند، ولم يعرفه أحد، إلا أَنَّهُ كَانَ قَدْ شد أسنانه بالذَّهَب، فبذلك عُرِف.
ودخل شهاب الدّين بلاد بنارس وحمل من خزائنها ألفًا وأربعمائة حمل، وعاد إلى غَزْنَة. ومن جملة الفِيَلَة التي أخذها فِيل أبيض. حَدَّثَنِي بِذَلِك من رآه، فَلَمَّا عُرِضت الفِيَلَة عَلَى شهاب الدّين خدمت جميعها إلا الفيل الأبيض فَإنَّهُ لَمْ يخدم.
وفيها، فِي جُمادى الأولى، وصل رسول من خُوارزم شاه وصُحبته ابن -[719]- عَبْد الرشيد الَّذِي سار فِي رسالة الخليفة إلى خوارزم شاه يأمره بمحاربة المارق طُغرل السَّلْجُوقيّ. فمرض عَبْد الرشيد وأحس بالموت، فأمر ولده بالمسير إلى خوارزم شاه لأداء الرسالة، فقابل الرسالة بالسَّمْع والطاعة، وسار بجيوشه فحارب طُغرل وانتصر عليه، وهزم عساكره ونهب أمواله، وقتله، وحمل رأسه إلى بغداد صحبة رسوله، فأبرز للقيَّة الموكب، وأُتي بالرأس عَلَى رُمح، ودخل قاتله وَهُوَ شابٌّ تركيّ من أمراء خُوارزم شاه. وأوَّل كتابه: " الحمد للَّه الَّذِي جعل الملوك من أخلص المماليك عقيدة ونية، وأصحَّهم ولاء وعُبُودية، وأصفاهم سريرة وطَوِية.
وفيه: ولما وردت المراسيم بردع ذَلِكَ المارق المنافق، أرسل المملوك داعيًا لَهُ إلى الطريق اللّاحب، ومشيرًا عليه باعتماد الواجب، ليعود إلى طاعة الْإِمَام، وعارضًا عليه تجديد الْإِسْلَام، أَوِ الاستعداد للمصاف، والرجوع إلى حكم الاستئناف. وكان بالري، فزلف المملوك إِلَيْهِ في كتيبةٍ شهباء من جنود الإمام، مقنّعة بالزَّرَد المحبوك، مُحتفة بالملائكة، محفوفة بالملوك، يتألق حديدها، وتتذمر أُسودها، وهي كالجبل العظيم، والليل البهيم، خلفها السباع والذئبان وفوقها النسور والعقبان، وبين أيديها شخص المنون عريان، إلى أن وافت ذَلِكَ المخذول، وهو في جيش يُعجز عن الإحصاء، ويضيق عنهم الفضاء، فصب اللَّه عليهم الخذلان، لما تراءى الجمعان، وبرز الكفر إلى الْإِيمَان، فتلا المملوك: {{قاتلوهم يُعذبهم اللَّه بأيديكُم}}.
إلى أن قَالَ: "
وأنفذ اللَّه حكمه فِي الطاغية، وعجَّل بروحه إلى الهاوية، وملك المملوك بلادهم ".
قَالَ ابن الأثير: وكان الخليفة قَدْ سيَّر نجدة لخُوارزم شاه، وسيَّر لَهُ مَعَ وزيره ابن القصاب خِلَع السَّلطنة، فنزل عَلَى فرسخٍ من هَمَذَان، فأرسل إليه خوارزم شاه بعد الوقعة يطلبه إِلَيْهِ، فَقَالَ مؤيَّد الدّين ابن القصاب: ينبغي أن تحضر أَنْت وتلبس خِلْعة أمير المؤمنين من خيمتي. وترددت الرُّسل بينهما، فَقِيل لخُوارزم شاه: إنها حيلة عَلَى القبض عليك. فرحل خُوارزم شاه ليأخذه، فاندفع بَيْنَ يديه، والتجأ إلى بعض الجبال. فامتنع بِهِ. -[720]-
وفيها عُزِل أَبُو المظفّر عُبَيْد اللَّه بْن يُونُس منَ الأستاذ داريَّة، وحُبِس إلى أن مات، وولي مكانه تاج الدّين أَبُو الفتح بن رزين.
وفيها قُبض عَلَى ألب غازي متولّي الحِلَّة وأُخذت أمواله، وَقُتِلَ جزاءً بما كذب عَلَى الأمير طاشتكين.
وفي رمضان أحضر مؤيد الدّين ابن القصاب وشافهه الخليفة بالوزارة، وقال له: يا مُحَمَّد قَدْ قلّدتك ما وراء بابي، وجعلته في ذمتك، فاعمل فيما تراه برأيك. وخلع عليه، وضُربت النّوبة عَلَى بابه عَلَى قاعدة الوزراء، ثُمَّ توجَّه إلى تُسْتَر، فافتتح بلاد خوزستان.
وَفِي شوال وقع الرضا عَنْ أولاد الشَّيْخ عَبْد القادر وأُخذ ابن الجوزيّ إلى واسط، فحُبس بها مدة خمس سنين.
وكان سلطان مصر فِي هَذِهِ السنة: الملك العزيز عماد الدّين عثمان ابن صلاح الدّين، وسلطان دمشق: الملك الأفضل نور الدّين علي ابن صلاح الدّين، وسلطان حلب: الملك الظاهر غياث الدّين غازي ابن صلاح الدّين، والكَرَك وناحيتها، حرَّان، والرُّها، وتلك الناحية بيد الملك العادل سيف الدّين أَبِي بَكْر، وحماه، والمَعَرَّة، وسَلَمية، ومَنْبِج بيد الملك المنصور محمد ابن تقي الدّين عُمَر بْن شاهنشاه، وبِعْلَبَكّ بيد الأمجد بِهْرام شاه بْن فَرُّخْشاه، وحمص بيد المجاهد أسد الدّين شيركوه.
وكان الملك العادل بالكَرَك عِنْد موت أَخِيهِ وهي مُسْتَقَرَّهُ وحصْنه، فتوجه نحو دمشق لما بلغه مجيء الملك الْعَزِيز يحاصر أخاه الأفضل، ووافقه الظاهر غازي، فأصلح بينهم عمُّهم، ورجع الْعَزِيز إلى مصر فِي رمضان منَ السنة الماضية. ثُمَّ إن الْعَزِيز قصد دمشق فِي هَذِهِ السنة في شعبان.
وقَالَ الْإِمَام أَبُو شامة: وفيها استعادت الفِرَنج حصن جبيل بمعاملة من شخص كرديّ.
قُلْتُ: ثُمَّ افتتحها الملك الأشرف بعد مائة سنة.
قَالَ: وفيها قدِم العادل منَ الشرق وطلع إلى قلعة حلب وبات بها -[721]- واستخلص دلدمر وبني عمه كبراء الباروقية منَ اعتقال ابن أَخِيهِ الملك الظاهر، ثُمَّ قدِم دمشق فأصلح بَيْنَ الأخوين الأفضل والعزيز، عَلَى أن للعزيز من بَيْسان إلى أسوان. وقدِم الظاهر من حلب إلى دمشق، ثُمَّ عاد كلّ إلى بلاده. وتزوج العزيز بابنة عمه العادل.
قُلْتُ: وَذَلِكَ من دهاء الملك العادل، فَإنَّهُ بقي يلعب بأولاد أَخِيهِ لعبًا، فَإنَّهُ قدِم من حلب بصاحبها، وبصاحب حماه ناصر الدّين مُحَمَّد بْن عُمَر، وبصاحب حمص، وَغَيْرُهُمْ، واتفقوا عَلَى حفْظ دمشق. وأوضح لهم العادل بإن الملك الْعَزِيز إنْ مَلَكَ دمشق أَخَذَ منكم بلادكم. فلما رأى العزيز اجتماعهم فتر وراسل فِي الصُّلح، فاستقرَّت القاعدة عَلَى أن يكون له مملكة فلسطين، وهي البيت المقدس وبلادها مَعَ مصر، عَلَى أن للعادل إقطاعه الأول بمصر، وأن يكون نائبًا للسلطنة بمصر. وأن للملك الأفضل دمشق والأردنّ، وأنّ للظاهر مملكة حلب مَعَ جَبَلَة واللّاذقيَّة. وتفرّقوا عَلَى ذَلِكَ. وخرج الأفضل فودَّع أخاه الملك الْعَزِيز.
قَالَ العماد الكاتب: قَالَ لي الأفضل: كُنْت قَدْ فارقت أَخِي منذ تسع سنين، وما التقينا إلا فِي هَذِهِ السنة. قَالَ: وأنشدني لنفسه فِي المعنى:
نظرتُكَ نظرةً من بَعْد تِسعٍ ... تقضَّت بالتفرُّق من سِنين
وغضّ الطَّرف عَنْهَا طرفٌ غدرٍ ... مسافة قرب طرفٍ من جبين
فَويح الدَّهْر لَمْ يسمحْ بقربٍ ... يعيدُ بِهِ الهجوعَ إلى الجُفُون
فراقٌا ثُمَّ يُعقبه بّينٌ ... يعيدُ إلى الحشا عَدَم السُّكون
ولا يُبدي جيوشَ القُربِ حَتَّى ... يرتبَ جيشَ بُعدٍ في الكمين
ولا يُدني محلّي منك إلا ... إذا دارتْ رَحى الحربِ الزَّبُون
فليتَ الدهرُ يسمحُ لي بأُخرى ... ولو أمضى بها حُكمَ المنون
فقلت: للَّه درُّك ما أبدع هَذَا المعنى، فكاتِبْ أخاك بما فيه استعطاف واستلطاف.
قَالَ العماد: فلو تُرِك الأفضلُ وفِطْنته الذكية، لجرت الأمور عَلَى -[722]- السّداد، ولكنّ أصحابه وجلساءه أفسدوا أحواله، ورموا أكابر أمرائه بالمكاتبة والخيانة، فوقعت الوحشة، وقالوا لَهُ: أَنْت أحق بالسلطنة، وأنت أكبر الإخوة، وأنت ولي عهد أبيك. فتفرَّق عَنْهُ كبراء دولته، وتوجهوا إلى الْعَزِيز. فكان إذا قدِم منهم أميرٌ بالَغَ فِي إكرامه، فأخذوا يحرضون الْعَزِيز عَلَى قصد دمشق. وأقبل الأفضل مَعَ هَذَا عَلَى الشُّرب والأغاني ليله ونهاره، وأشاع نُدَماؤه أن عمّه العادل حضر عنده ليلةً، وحسَّن لَهُ ذَلِكَ واستحسن المجلس، وقال: أَيِّ حاجةٍ لك إلى التكتُّم، ولا خير فِي اللذات دونها سِتْر. فقبل وصيَّة عمّه وتظاهر. ودبر وزيره الأمور برأيه الفاسد. ثُمَّ إن الأفضل أصبح يومًا تائبًا من غير سبب، وأراق الخمُور، وأقبل عَلَى الزُّهد، ولبس الخشِن وأكثر التّعبُّد. وواظب عَلَى صيام أكثر الأوقات، وشرع فِي نسْخ مُصحَف، وضرب أواني الشرب دراهم ودنانير، واتخذ لنفسه مجلسا مسجدًا وجالسَ الفقراء.
قَالَ ابن واصل، وغيره: ولكنه كان قليل السعادة، ضعيف الآراء.
-سنة تسعين وستمائة
دخلت وسلطان الإِسْلَام الملك الأشرف، وقد فوَّض الوزارة إلى الصّاحب شمس الدّين ابن السَّلْعُوس، وهو فِي الحجّ، ثم وَصَلَتْه الأخبار فأسرع المجيء عَلَى الهُجُن ونائب المملكة بدر الدّين بيدرا.
فتح عكّا
ولمّا استقرّ السّلطان فِي المُلك اهتمّ بإتمام ما شرع فِيهِ والدُه من قصْد عكّا. فسار بالجيوش من مصر فِي ثالث ربيع الأوّل ونزل عليها فِي رابع ربيع -[433]-
الآخر، وهو خامس نَيْسان وجاءت إلَيْهِ جيوش الشّام بأسرها وأُمم لا يحصيهم إلّا اللَّه تعالى، من المطوِّعة والمتفرّجة والسُّوقية، فكانوا فِي قدر الْجُنْد مرّات.
ونصب عليها خمسة عشر منجنيقًا إفرنجيًا، منها ما يرمي بقنطار بالدّمشقي ومن المجانيق القرابغا وغيرها عدد كثير. وشرعوا فِي النُّقوب واجتهدوا فِي الحصار، ووقع الْجِدّ من الفريقين، وأنجد أهلها صاحبُ قبرس بوكه بْن سيروك بنفسه. وليلة قدومه عليهم أشعلوا نيرانًا وشمعًا عظيمًا فَرَحًا بِهِ، فأقام عندهم ثلاثة أيام ثم ركب في البحر وأقلع لما شاهد من هول ما أحيط بهم، ولما رَأَى من ضَعْفهم وانحلال أمرهم. وشرع أهلها فِي الهرب فِي البحر، ولم يزل الأمر فِي جدٍّ حتّى هدّمت المجانيق شُرُفات الأبراج، وكملت النقوب عليها، وعلّقت الأسوار، وأضرمت في أسافلها النار، واستشهد عليه خلقٌ من المسلمين، وثبت الفرنج ثباتًا كُلّيًا.
وعند مُنازلتها نودي فِي دمشق: من أراد أن يسمع " الْبُخَارِيّ " فلْيحضر إلى الجامع. فاجتمع خلقٌ وقرأ فِيهِ الشّيْخ شرف الدّين الفزاريّ، وحضر قاضي القضاة ونائبه ونجم الدين بْن مكي وعز الدّين الفارُوثي، وكان السّماع عَلَى جماعة.
وفي ثامن جمادى الأولى حصل تشويش عَلَى عكّا، وهو أن الأمير عَلَم الدّين الحَمَويّ أَبُو خرص أتى إلى نائب دمشق لاجين فقال: السّلطان يريد أن يمسكك. فخاف وجمع ثِقْله وطُلُبَه فِي الليل وشرع فِي الهروب، فشعر بِهِ عَلَم الدّين الدّواداريّ، فجاء وردّه وقال: بالله لا تكن سبب هلاك المسلمين، فإنّ الفرنج إنْ علموا بهروبك قووا عَلَى المسلمين. فرجع. ثمّ طلبه السّلطان من الغد وخلع عَلَيْهِ وطمّنه، ثمّ أمسكه بعد يومين وقيدة وبعث بِهِ إلى مصر وأمسك معه ركن الدّين تقصوه، وهو حَمْوهُ وأمسك قبلهما بيومين ثلاثة أَبَا خرص وقيّده، واستناب عَلَى دمشق علم الدين الشجاعي.
ثمّ هيأ السّلطان أسباب الزحف ورتّب كوسات عظيمة، فكانت ثلاثمائة حِمْل، وزحف عليها سَحَر يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأولى بسائر الجيش.
، وكان للكوسات أصوات مَهُولة، وانقلبت لها الدنيا، فحين لاصق الجيش الأسوار هرب الفرنج ونصبت الأعلام الأشرفية عَلَى الأسوار مَعَ طلوع الشمس وبُذل السّيف، ولم يمض ثلاث ساعات من النّهار ألا وقد استولى المسلمون عليها ودخلوها من أقطارها، وطلب الفرنج جهة البحر، فقُتل من -[434]-
أُدرك منهم، وأسهل القتْل والأسر والسَّبْي عَلَى سائر أهلها. وعصت الدِّيوية والإسبتار والأمن فِي أربعة أبرجة شواهق فِي وسط البلد، فحُصروا فيها، ثم طلبوا الأمان من الغد، فأمّنهم السّلطان وسيَّر لهم سنجقًا، فنصبوه عَلَى برُجهم وفتحوا الباب، فطلع إليهم الأجناد وبعض الأمراء وتعرّضوا لهم بالنَّهب وأخْذ النّساء، فغلّق الفرنج الأبواب ورموا السَّنْجق، وقتلوا طائفة من الْجُنْد، وقتلوا الأمير آقْبُغا المنصوري. وعاودهم الحصار، ونزل إسبتار الأمن بالأمان عَلَى يد زين الدّين كتبُغا الَّذِي تسلطن.
وفي يوم الثالث من الفتح طلب الدّيويّة الأمان وكذا الإسبتار، فأمّنهم السّلطان وخرجوا، ثم نكث وقتل منهم فوق الألفين وأسر مثلهم وساق إلى باب الدِّهليز فوق الألف من نسائهم وصبيانهم. فلمّا رَأَى من تبقّى فِي أحد الأبرجة ما جرى تحالفوا عَلَى الموت، وامتنعوا من قبول الأمان، وقاتلوا أشد قتال، وتخطّفوا خمسة من المسلمين ورموهم من أعلى بالبرج، فسلم واحدٌ ومات أربعة. وأُخِذ هذا البرج يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من جمادى الأولى بالأمان، وكان قد نُقب وعلِّق من نواحيه، فلمّا نزل منه وحوّل أكثر ما فِيهِ سقط عَلَى جماعة من المتفرّجين، والذين ينهبون فهلكوا.
ثمّ عزل السّلطان الحريم والولدان، وضرب رقاب الرّجال ولم يف لهم وهذا مكافأةً لفعلهم حين أخذوا عكّا من السّلطان صلاح الدّين فإنّهم - أعني الفرنج - أمّنوا من بها من المسلمين، ثم غدروا بهم وقتلوا أكثرهم وأسروا الأمراء وباعوهم فسلط اللَّه عَلَى ذرّياتهم من انتقم منهم وغدر بهم جزاءً وفاقًا، فيا لله العجب، وأعجب من ذَلِكَ أن الفرنج أخذوا عكا فِي يوم الجمعة سابع عشر شهر فِي الثّالثة من النهار من شهر جمادى الآخره، كما ذكرناه فِي سنة سبعٍ وثمانين وخمسمائة، ثمّ افتتحها المسلمون بعد مائة سنة وثلاث سنين إلا شهراً واحداً.
وفي سنة سبع وستين وأربعمائة افتتح أمير التُّركمان عكا، ثم عادت الفرنج فمَلَكَتْها، ثمّ فِي سنة اثنتين وثمانين جهزّ أمير الجيوش بدر الجمالي نصير الدولة الجيوش فِي جيشٍ من مصر فافتتح صور وعكّا وصيدا، ونزل عَلَى بَعْلَبَكّ، ثمّ فِي سنة ستِّ وتسعين وأربعمائة نزل عَلَى عكّا بغدوين ملك القدس، لعنه اللَّه، فحاصرها، وأخذها بالسّيف، فدامت فِي يد الفرنج إلى أنْ أخذها السّلطان صلاح الدّين في سنة ثلاثٍ وثمانين وخمسمائة، ثم أُخِذت منه -[435]-
سنة سبعٍ وثمانين، وأخذت الفرنج صور بعد حصارٍ طويل بالأمان في سنة ثمان عشرة وخمسمائة.
فتح صور
لما نزل الملك الأشرف عكا جهّز الأمير عَلَمَ الدّين الصّوابيّ والي بَرّ صَفّد، إلى جهة صور، لحفظ الطُّرُق وتعرُّف الأخبار. فلّما أُخِذت عكّا وأُحرقت وأُضرمت النّيران فِي جَنَباتها وعلا الدُّخان، وهرب أهلها فِي البحر، علم أهل صور ذَلِكَ، فهربوا وأخْلُوا البلد، وكانت حصينةً منيعة لا تُرام، فدخلها الصّوابيُّ وكتب بالبشارة إلى السّلطان فجهّز لَهُ رجالًا وآلةً ليخرّبوها ويخرّبوا حيفا، وبقي بصور من تأخر بها من أهلها، فاستغاثوا، وسلّموها بالأمان للصّوابيّ وآمنهم. ولم يكن السّلطان يطمع بها، فيسَّر اللَّه بما لم يكن فِي الحساب، وكان لها فِي يد الفرنج نحوٌ من مائتي سنة، بل من مائة واثنتين وسبعين سنة. وقد أُخذ منها رُخام كثير وجعلت دكاً.
وأمسك السّلطان عَلَى عكّا نائب صفد علاء الدّين أيدغديّ الألْدكْزيّ، وولّى مكانه علاء الدّين أيدكين الصالحي، وطلب نائب الكَرَك رُكن الدّين بيبرس الخطَّابيّ الدويدار، وولى مكانه جمال الدّين آقوش الأشرفيّ. ثمّ بعد عشرين سنة ولي هذا نيابة دمشق، وذاك نيابة مصر، فلم تطل أيامهما.
وفي خامس شهر جمادى الآخرة رحل السّلطان عن عكّا وقد تركها دكًّا، وشرع الصّاحب تقيّ الدّين وشمس الدّين الأعسر المُشَدّ بدمشق فِي عمل القباب والزّينة وحصل لذلك من الاحتفال ما لا مزيد عَلَيْهِ. ودخل دمشق دخولًا ما شُهد مثله من الأعمار، وأمامه الأسرى عَلَى الخيل يحملون أعلامهم منكَّسة، ورماحًا فيها شُعف رؤوس القتلى، وذلك فِي ثالث عشر جمادى الآخرة، فأقام بدمشق خمسةً وثلاثين يومًا.
فتح صيدا
سار عسكر دمشق فنازلوا صيدا، وأما ملك الأمراء الشُجاعي فأتى فِي خدمة السّلطان، ثم رجع إلى صيدا، ثمّ افتتحها، فاستولى من بها من المقاتلة عَلَى برج وتحصّنوا بِهِ، وكان لا يصل إلَيْهِ حجر منجنيق، فضايقه الشّجاعي فِي ثامن رجب وفتحه يوم السبت خامس عشر رجب، بحكم الذين فيه نزحوا -[436]-
منه، وانتقلوا إلى الجزيرة المجاورة لصيدا، ثمّ إنّهم أحرقوا الجزيرة بما فيها فِي ثامن عشر رجب، وساروا فِي البحر إلى قبرس. ثمّ علّق المسلمون أبراج القلعة وأحرقوها ودكّوها.
وكانت الشّواني الإسلامية قد حضرت من اللاذقية، فلما وصلت إلى ميناء البثرون مرّ بها الّذين هربوا من صيدا فِي المراكب وظنّوها للفرنج، فعرّجوا إليهم، ثم تبيّن لهم أنّهم مسلمون، فهربوا، فتبعهم الأمير بلبان التَّقوي بالشّواني، فاستولى عليهم قتْلًا وأسْرًا ونهبًا واستنقذ من الذين معهم من الأسرى، وكان ذَلِكَ من غرائب ما اتّفق.
فتح بيروت
كَانَ أهل بيروت متمسّكين بالهدنة، لكنْ بدا منهم شيء يسير، وهو أنهم آووا المنهزمين من الفرنج، وأمرهم عَلَمُ الدّين الشّجاعيّ بضمّ مراكبهم إلى مراكب المسلمين، فخافوا وامتنعوا، فأمر الشّجاعيّ الأميرَ التَّقَويّ بحفظ الميناء، وضبْط مائه من المراكب، وجاء الشُّجاعيّ بالجيش من جانب البرّ، فدخل المدينة، وأخرجهم منها واستولى عَلَى القلعة وما فيها. وذلك فِي الثالث والعشرين من رجب.
وكانت القلعة امتنعت عَلَيْهِ قليلًا، فوقع الحديث مَعَ كليام النّائب بها، فأجاب وسلّم وأسر كلّ من كَانَ بالبلد والقلعة من الخيالة والمقاتلة. وكانت من القلاع المنيعة، فهدمها الشُّجاعيّ.
فتح جبيل
وكان صاحبها قد حضر عند الملك المنصور نَوْبةَ طرابُلُس وبقي بجُبَيل، فلمّا أُخِذت عكّا رسم لَهُ بأن يخرب قلعة جُبَيل، ثم ندب الأمير عَلَمَ الدّين الدّواداريّ فسار إليها وأخرب أسوارها، وأذهب حصانتها وهدمها.
فتح عثليث
وهو حصن مشهور يُضرب بحصانته المثل، والبحر يكتنفه من جميع جهاته، ولم يحدّث الملوك أنفسهم بقصده، وكان السّلطان قد جرد من عكّا -[437]-
بدرَ الدّين رمتاش التُّركمانيّ بجماعةٍ من التركمان للنزول حوله عَلَى بعدٍ ليحصل الأمن من جهته من أحدٍ يخرج منه. ونودي الجلابة والمسافرون. فأُخِذت عكّا وغيرها والتُّركمان مكانهم، فلمّا بلغ أهل عثليث أخذُ عكّا وصور وصيدا وبيروت، أحرقوا أموالهم ومتاعهم وما لم يقدروا عَلَى حمْله، وعرقبوا دوابّهم وهربوا فِي البحر، وأخْلوا الحصن ليلة أول شعبان.
وأما أهل أنطرسوس لما بلغهم ذَلِكَ عزموا عَلَى الهرب فُجِّرد الأمير سيف الدّين الطَّباخي إليها، فلمّا أحاط بها ليلة خامس شعبان ركبوا فِي البحر وهربوا إلى جزيرة أرواد، وهي بالقرب منها.
وفي غضون ذَلِكَ استحضر الشّجاعيّ مقدّمي جبل الْجِرْد والكُسْرُوان، فلمّا حضروا بين يديه أخذ سلاحهم ودَرّكهم خَفْرَ بلادهم وتوثّق منهم، ثمّ خلع عليهم، وأخذ منهم رهائن.
ثمّ قدم الشّجاعيّ بَعْلَبَكّ فِي أواخر شعبان، وطلع إلى قلعتها، وأمر بكسر صنمين من الرخام كانا قد وُجدا فِي بعض الحفائر فِي نهاية التّحرير والإتقان وبراعة الصَّنعة، فكان إذا حضر أحدٌ من الأكابر أحضروا الصَّنمين للفُرْجة عَلَى تِلْكَ الصّنعة. فلمّا زار الشّجاعيّ مقام إِبْرَاهِيم أحضر الوالي تِلْكَ الصّنمين، فرآهما وأمر بتكسيرهما، فكُسِّرا فِي الحال. وهذه تدلُ عَلَى حُسْن دين الشّجاعيّ وإنْ كَانَ ظالمًا. ثمّ دخل دمشق في السابع والعشرين من شعبان.
وفي نصف رمضان قُبض عَلَى عَلَم الدّين الدّواداريّ وبُعِث بِهِ إلى مصر.
وجاءت الأخبار بالإفراج والرِّضى عَنِ الأمراء الكبار: تقصو، وحسام الدين لاجين النائب، وشمس الدين سنقر الأشقر، وبدر الدّين بَيْسريّ، وشمس الدّين سُنْقُر الطّويل المنصوري، وبدر الدين خضر بن جودي القيمُري.
وفي شوّال شرع الشّجاعيّ بعمارة الطارمة والقُبّة الزّرقاء ودُور الحريم بقلعة دمشق، فحشد الصُّناع وحشر الرّجال وعمل عمارة الجبابرة، وقلع لذلك عدّة أعمدة من سوق الفِراء الَّذِي بَطَرَف الفُسْقار، وحفر الأرض وراء -[438]-
الأعمدة، وإذا العمود منها نازل فِي الأرض بقدر ظهوره مرّةً أخرى ونصف، وهو عَلَى قاعدة متينة، وتعجّب النّاس من ذَلِكَ، ولم يعلموا ما السبب فِي نزولها فِي الأرض. ثم إنها جُرّت بدواليت وآلات، وعبروا بها من باب السّرّ، ونقبوا لها فِي السّور فِي البدنة، وهي أكبر من أعمدة الجامع، فأقيمت وعُمل عليها القَبو الَّذِي بين يدي القُبّة. وعسّف الصُّناع واستحثّهم بنفسه، وبنى بنيانًا خشنًا جاهليًّا وزخرفه ودخل فيه أقل من ثلاثة آلاف دينار. قد سهرتُ فِي عمله ليالي مَعَ أَبِي رحمه اللَّه. وتكامل جميعه فِي سبعة أشهر، وكان الدّهّانون يعملون فِي المقرفص والأساس لم يرتفع بعد، وجلب لذلك الرّخام المفتَخَر من عكّا وصور وبيروت وتلك الدّيار. وخرّب حمّام الملك السّعيد الّذي تجاه باب السّرّ، ولم يكن لَهُ نظير فِي الحُسْن، وخرّب الأبنية التي من جسر الزّلابيّة إلى قرب باب الميدان، وذهبت أملاك الناس وتعثّروا، وكان هذا المكان مليحا، ويُعرف بالمسابح، وعلى النّهر العابر إلى خندق القلعة دُور حَسَنة، وفي النهر مركب يركب فيه الشباب للفرجة، وأحق، وقد ركبتُ فِيهِ مَعَ جدّي العَلَم وأنا ابن خمسٍ سنين، وأعطى للذي في المركب أجره.
وكان السّلطان لمّا قدم دمشق انبسط هُوَ أو بعض خواصّة الملاح عَلَى نائب القلعة أرجواش فقال: وقعنا فِي الصّبيانيّة. فغضب السّلطان وأمر بشنقة وألبس عَباءة ليُشنق فيها. ثمّ شفعوا فِيهِ، فحُبِس مدّة، ثم أُطلع من الحبْس ولزِم بيته بلا خُبز.
ثمّ خلع عَلَيْهِ فِي رمضان، وأُعطى خُبزُه، وأعيد إلى نيابة القلعة، ورتْب معه بالقلعة الأمير أسندمر المنصوري، وأنزل الباسطي إلى البلد.
وفي رمضان طلب القاضي بدر الدّين ابن جماعة قاضي القدس وخطيبه عَلَى البريد مُكرَمًا، وولاه الصّاحب ابن السّلْعُوس قضاء الدّيار المصريّة، وعدّة مدارس، ولم يترك لقاضي القُضاة تقيّ الدّين ابن بِنْت الأعزّ سوى المدرسة الشّريفيّة فقط. -[439]-
وفيها أمر الشّجاعيّ فنودي فِي دمشق بإبطال العمائم للنساء، وأن لا تزيد المرأة على المقنّعة، وبإبطال صباغات النساء وأن لا يخرجن إلى المقابر ... وغير ذَلِكَ، وأن لا يأكل أحد حشيشةً ولا يشرب خمرًا، وتوعّد عَلَى ذَلِكَ، وكان ذا هيئةٍ وسطوة مُرهِبة، فتأدَّب البلد وكانت هذه من حسناته.
وفيها هلك أرغون ملك التتار.
وفيها أعيد طوغان إلى ولاية البرّ بدمشق.
ومن غريب الاتّفاقات أن السّلطان قدم دمشقَ، وأراد النزول يوم الجمعة إلى الجامع، وطلب لَهُ من يخطب غير الخطيب ابن المرحّل لكراهيتهم له، وشكوه إلى الصاحب، وطلب الزّين الفارقيّ، فامتنع لعدم التّهيّؤ، وطُلِب إمام الكلاسة، فتغيب، فخطب ابن المرحل وزار السلطان الشيخ إبراهيم ابن الأرموي بالجبل بعد العشاء.
ولمّا دخل السّلطان مصر أطلق رُسُل عكّا الذين كانوا معوَّقين بالقاهرة.
وجاءه رسول الأشكري، وأطلق السّلطان للرسول أسرى بيروت، وكانوا ستّمائة وثلاثين نفساً.
وأخرج من كَانَ فِي الْجُبّ من الأمراء، وأخرج الخليفة الحاكم بأمر اللَّه، وكان فِي أيّام أبِيهِ خاملًا لم يطلب أَبُوه منه تقليدًا بالمُلْك، ولا انفعل لذلك فظهر الخليفة، وصلّى للمسلمين. وبايعه الملك الأشرف بإشارة الوزير.
وفي نصف شوّال خطب بالنّاس يوم الجمعة أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللَّه، وذكر فِي خطبته توليته للملك الأشرف أمرَ الإِسْلَام، فخطب يومئذٍ بالخطبة التي خطب بها فِي أوّل سنة إحدى وستّين وهي مليحة، من إنشاء مؤدِّبه ومفقِّهه الإمام شرف الدين ابن المقدسيّ، فلمّا فرغ من الخطبة صلّى بالنّاس قاضي القضاة ابن جماعة.
وفي رابع ذي القعدة عُملت الخِتَم لتمام السّنة من موت السّلطان الملك المنصور بتُربته، وحضر القضاة والدّولة ونزل السّلطان وقت الختْم، والخليفة الحاكم بأمر اللَّه وخطب الخليفة، وذكر بغداد وحرّض عَلَى أخْذها، وكان قد وخَطه الشَّيْب وعليه السَّواد. وأُنقق فِي هذا المُهمّ مبلغٌ عظيم واحتفل لَهُ.
وأمّا دمشق فإنّ الشّجاعيّ جمع النّاس بالميدان ونُصب مخيّم عظيم سلطانيّ، ومُدّ سِماط هائل، وخُتمت الختْمة وتكلَّم الوعّاظ، فتكلّم أوّلًا فريد الوقت عزّ الدّين الفاروثيّ، وتكلّم بعده الواعظ نجم الدّين ابْن البُزُوريّ، -[440]-
وحضر أُممٌ وخلائق، وكانت ليلة مشهودة، وعُملت خلوات كثيرة.
وفي شوّال مُسك الأميران بهاء الدّين قُرارسلان وجمال الدّين أقوش الأفرم الصغير الَّذِي صار نائباً، وحبسا بقلعة دمشق.
وفي ذي الحجة وسّع الشّجاعيّ المَيْدان من شماليه وعمل في حائطه الأمراء والعامّة وعمل فِيهِ الشّجاعيّ بنفسه وتقاسموه، ففرغ فِي يومين مَعَ ضخامة حائطة.
ووصل الأمراء الثلاثة عَلَى أخباز الذين مسكوا من دمشق والثّلاثة هُمْ رُكْن الدّين الجالق والمسّاح وعزّ الدين أزدمر العلائي. وعملت سلاسل عظيمة، وأظهروا قصد بغداد.
وحج بالشاميين الأمير بدر الدين الصوابي الخادم.
وعملت الشّعراء القصائد فِي فتح عكّا، فمن ذَلِكَ كلمة المولى شهاب الدّين محمود:
الحمدُ لله زالت دولةُ الصُّلْبِ ... وعَزّ بالتُّرْك دينُ المصطفى العربي
هذا الّذي كانت الآمالُ لو طَلَبَتْ ... رؤياه فِي النّوم لاسْتَحْيَتْ من الطّلَب
ما بعد عكّا وقد هُدَّت قواعِدُها ... فِي البحر المشرك عند البرَّ من أَرَبِ
عقيلةٌ ذَهَبَتْ أيدي الخُطُوب بها ... دَهْرًا وشدّت عليها كَفّ مغتصِبِ
لم يبق من بَعْدها للكُفْر إذ خَربتْ ... فِي البرّ والبحر ما يُنْجي سِوَى الهَرَبِ
أُمُّ الحروب فكم قد أنشأتْ فِتَنًا ... شاب الوليدُ بها هَوْلًا ولم تَشِبِ
سوران برٌّ وبحرٌّ حوْلَ ساحتها ... دارا وأدناهما أَنْأَى من السُّحُبِ
ففاجَأَتْها جنودُ اللَّه يَقْدُمُها ... غضبانُ لله لا للمُلْك والنَّشَب
كم رَامَها ورَمَاها قبله مِلكٌ ... جَمُّ الجيوش فلم يَظْفَرْ ولم يُصِبِ
لم يُلْههِ مُلْكُهُ بلْ فِي أوائله ... نال الّذي لم يَنَلْهُ النّاسُ فِي الحِقَبِ
فأصبَحتْ وهي في بحرين ماثلة ... ما بين مضطّرم نارًا ومُضْطَرب
جيشٌ من التُّرْكَ تَرْكُ الحرب عندهم ... عارٌ وراحتُهُمْ ضَرْبٌ من النَّصَب
يا يوم عكّا لقد أنْسَيْتَ ما سبقت ... به الفتوح وما قد خط في الكتب
لم يبلغ النُّطْقُ حَدّ الشُّكْر فيك فما ... عسى يقوُم بِهِ ذو الشَّعر والخُطب
كانت تمنّي بك الأيام عن أُمَم ... فالحمد لله شاهدناك عن كَثَبِ
وأَطْلعِ اللَّه جيشَ النْصر فابتَدَرَتْ ... طلائعُ الفتْح بين السُّمْرِ والقُضُبِ -[441]-
وأشْرَف المصطفى الهادي البشيرُ عَلَى ... ما أسلَفَ الأشرفُ السّلطانُ من قُرب
فقَرَّ عَيْنًا بهذا الفتْح وابتهَجَتْ ... ببشْرهٍ الكعبةُ الغرّاءُ فِي الحُجُب
وسار فِي الأرض مَسْرَى الرّيح سُمْعَتُهُ ... فالبرُّ فِي طَرَب والبحرُ فِي حَرَبِ
وخاضت البيضُ فِي بحر الدّماء فما ... أبدت من البيض ألا ساقَ مُخْتَضِبِ
وغاص زرق القنا فِي زرق أعينهم ... كأنها شَطَنٌ تهوي إلى قُلُبِ
أجرت إلى البحر بحْرًا من دِمائهمُ ... فراح كالرّاح إذ غَرْقَاهُ كالحَبَبِ
بُشراك يا ملك الدُّنيا لقد شَرفَتْ ... بك المَمَالِكُ واسْتَعْلَت عَلَى الرُتَب
ما بعد عكّا وقد لانت عريكتها ... لديك شيءٌ تُلاقية عَلَى تَعَب
أدركْتَ ثأرَ صلاح الدّين إذ غصبت ... منه لسر طواه الله في اللقب
بانت وقد جاوَرَتْنا ناشِزًا وغَدَت ... طَوْعَ الهَوَى فِي يَدي جيرانها الْجُنُب
وجالت النّار فِي أرجائها وعَلَتْ ... فأطفأتْ ما بصدر الدّين من كُرَبِ
أضحت " أَبَا لهبٍ " تِلْكَ البُرُوج وقد ... كانت بتعليقها حمّالةَ الحَطبِ
وأفلت البحرُ منهم من يخبّر مَنِ ... يَلقاه من قومه بالوَيْل والحَربِ
وتمّتِ النّعمةُ العُظْمَى وقد كملتْ ... بفتح صور بلا حصْرٍ ولا نَصَبِ
لمّا رأتْ أُخْتَها بالأمس قد خَرَبتْ ... كَانَ الخرابُ لها أعْدَى من الجرب
إن لم يكن نم لون اليم متصبغا ... بها البهاء وإلّا الْسُن اللّهَبِ
فاللهُ أعطاك مُلْكَ البحرِ وابتدأت ... لك السعادة ملك البر فارتقب
من كَانَ مبدؤه عكّا وصور معًا ... فالصّين أدنى إلى كفَّيْهِ من حَلَبِ
وله من قصيدةٍ أخرى فِي عكّا مدح بها الشّجاعيّ:
الشَّرْك أجلي وانجلت ضلماته ... والدّين قرّ وأشرقت قَسَمَاتُه
والنّصر ألْوت بالفِرَنْج رياحة ... من بعد ما فَتكَتُ بهم نَسَماتُه
هذا الذي كانت تخيله المنى ... وتحيله قدم العِدَى وثباتُه
هذا الَّذِي كَانَ الرّجاء ببعضه ... يعد النُّفوس ولا تصحّ عداته
هبّ الزّمانُ من الكرى من بعدما ... طالت سني رقاده وسباته
ما كَانَ يحسُّن أن يجاورنا العِدى ... لو زال عن جَفْن الجهاد سُباتُه
والآن قد ذهَبَتْ بحمد اللَّه ... عَنْ أرض الشّام عِداتُنا وعداته
وتفرقت أيدي سبأ وسباؤهم ... جمعت برغمهم لنا أشتاته -[442]-
منها:
فغدت ومن فيها كرمس بعثرت ... أرجاؤه وتمزقت أمواته
بانوا فما بكت السّماءُ عليهم ... فِي رَبْعهم بل أُحرِقَتْ عَرَصاتُه
ونَمَى إلى صور الحديثُ ببحرهم ... إذ خُلِّقت بدمائهم صفحاتُه
وهي مائة وخمسون بيتا.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت