تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةِ خَمْسِينَ
فِيهَا تُوُفِّيَ: الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ. وَعَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ الْخُزَاعِيِّ. وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ الشَّاعِرُ. وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. وَمِدْلَاجُ بْنُ عَمْرٍو. وَصَفِيَّةُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ. وَلَمَّا احْتَضَرَ الْمُغِيرَةُ اسْتَخْلَفَ عَلَى الْكُوفَةِ ابْنَهُ عُرْوَةَ أَوْ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَجَمَعَ مُعَاوِيَةُ الْمِصْرَيْنِ؛ الْبَصْرَةَ وَالْكُوفَةَ تَحْتَ إمرة زياد، فعزل زياد عَنِ سِجِسْتَانَ الرَّبِيعَ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عُبَيْدَ اللَّهِ بن أبي بكرة. وفيها نفذ مُعَاوِيَةُ عُقْبَةَ بْنَ نَافِعٍ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، فَخَطَّ الْقَيْرَوَانَ وَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثَ سِنِينَ. -[391]- وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ: لما افتتح عقبة إفريقية وقف على مكان القيروان، فقال: يَا أَهْلَ الْوَادِي إِنَّا حَالُّونَ إِنْ شَاءَ الله فاظعنوا ثلاث مرات، قال: فما رأينا حجرا ولا شجرا إلا يخرج من تحته دَابَّةٌ حَتَّى هَبَطْنَ بَطْنَ الْوَادِي، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: انْزِلُوا بِاسْمِ اللَّهِ. وَفِيهَا وَجَّهَ زيادٌ الربيعَ الْحَارِثِيَّ إِلَى خُرَاسَانَ فَغَزَا بَلْخَ، وَكَانَتْ قَدْ أُغْلِقَتْ بَعْدَ رَوَاحِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنْهَا، فَصَالَحُوا الرَّبِيعَ، ثُمَّ غَزَا الرَّبِيعُ قُهِسْتَانَ فَفَتَحَهَا عُنْوَةً. وَفِيهَا فَتَحَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ فَتْحًا بِالْمَغْرِبِ، وَكَانَ قَدْ جَاءَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بن مَرْوَانَ فِي مَدَدِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَهَذِهِ أَوَّلُ غَزَاةٍ لِعَبْدِ الْمَلِكِ. وَفِيهَا غَزْوَةُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، كَانَ أَمِيرُ الْجَيْشِ إِلَيْهَا يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ مَعَهُ وُجُوهُ النَّاسِ، وَمِمَّنْ كَانَ مَعَهُ أَبُو أَيُّوبُ الْأَنْصَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ غَازِيَةٌ وَلَا صَائِفَةٌ، حَتَّى اجْتَمَعُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ، فَأَغْزَى الصَّوَائِفَ وَشَتَّاهُمْ بِأَرْضِ الرُّومِ، ثُمَّ غَزَاهُمُ ابْنُهُ يَزِيدُ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى أجاز بهم الْخَلِيجَ، وَقَاتَلُوا أَهْلَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ عَلَى بَابِهَا ثُمَّ قَفَلَ رَاجِعًا. وَفِيهَا دَعَا مُعَاوِيَةُ أَهْل الشَّامِ إِلَى الْبَيْعَةِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ لِابْنِهِ يَزِيدَ فَبَايَعُوهُ. وَفِيهَا غَزَا سِنَانُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ الْقَيْقَانَ، فَجَاءَهُ جَيْشٌ عَظِيمٌ مِنَ الْعَدُوِّ، فَقَالَ سِنَانٌ لِأَصْحَابِهِ: أَبْشِرُوا فَإِنَّكُمْ بَيْنَ خَصْلَتَيْنِ؛ الْجَنَّةِ أَوِ الْغَنِيمَةَ. فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَنَصَرَهُ وَمَا أُصِيبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا رَجُلٌ واحد. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ.
فِيهَا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ الْقُرَشِيُّ الْمَكِّيُّ فِي قَوْلٍ، وَجَعْفَرُ بْنُ الْمَنْصُورِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَفَقِيهُ مَكَّةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الْقَدَّاحُ، وَعُثْمَانُ بْنُ الأَسْوَدِ بِخُلْفٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْفٍ بِخُلْفٍ، وَعُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْعُمَرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ الإِمَامُ، وَأَبُو حَزْرَةَ يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ بِخُلْفٍ. وَفِيهَا كَانَ خُرُوجُ أُسْتَاذِسِيسَ فِي جُمُوعِ أَهْلِ هَرَاةَ وَسِجِسْتَانَ وَبَاذَغِيسَ، وَتَجَمَّعَ مَعَهُ جَيْشٌ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِه قَطُّ، حَتَّى قِيلَ: كَانَ فِي نَحْوٍ مِنْ ثلاث مائة أَلْفِ مُقَاتِلٍ، وَغَلَبَ عَلَى عَامَّةِ خُرَاسَانَ، وَاسْتَفْحَلَ البلاء، -[806]- فَخَرَجَ لِقِتَالِهِمُ الأَجْثَمُ الْمَرْوَرُوذِيُّ بِأَهْلِ مَرْو الرُّوذِ، فاقتتلوا أشد قتال، فَقُتِلَ الأَجْثَمُ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي جَيْشِهِ، فَبَعَثَ الْمَنْصُورُ خَازِمَ بْنَ خُزَيْمَةَ إِلَى ابْنِهِ الْمَهْدِيِّ، فَوَلاهُ الْمَهْدِيُّ مُحَارَبَتِهِمْ، فَسَارَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ الْهَيْثَمَ بْنَ شُعْبَةَ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ نَهَارَ بْنَ حُصَيْنٍ، وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ بَكَّارَ بْنَ سَلْمٍ الْعُقَيْلِيَّ، ثُمَّ خَنْدَقَ عَلَى عَسْكَرِهِ وَالْتَقَى الْجَمْعَانِ، وَثَبَتَ الْفَرِيقَانِ، وَتَفَاقَمَ الأَمْرُ إِلَى أَنْ نَزَلَ النَّصْرُ، فَهَزَمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِخَدِيعَةٍ عَمِلُوهَا، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي جَيْشِ أُسَتَاذِسِيسَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَأُسِرَ بِضْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَهَرَبَ أُسْتَاذِسِيسُ إِلَى جَبَلٍ فِي طَائِفَةٍ، ثُمَّ ضُرِبَتْ أَعْنَاقُ الأَسْرَى كُلِّهِمْ، وَحَاصَرُوا أُسْتَاذِسِيسَ وَأَصْحَابَهُ، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ أَبِي عَوْنٍ أَحَدِ الْقُوَّادِ، فَحَكَمَ بِتَقْيِيدِ أُسْتَاذِسِيسَ وَأَوْلادِهِ، وَأَنْ يُطْلِقَ الْبَاقُونَ، وَهُمْ نَحْوٌ مِنْ ثَلاثِينَ أَلْفًا، فَكَسَاهُمْ وَمَنْ عليهم. وقيل: كانت الوقعة فِي عَامِ أَحَدٍ وَخَمْسِينَ. وَفِيهَا عَزَلَ الْمَنْصُورُ جَعْفَرَ بْنَ سُلَيْمَانَ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَوَلَّى الْحَسَنَ بْنَ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَلَوِيَّ. وَأَقَامَ الْمَوْسِمَ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ علي، فالله أعلم. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة خمسين ومائتين
فيها تُوُفيّ أبو الطّاهر أحمد بن السرح، وأبو الحسن البزّيّ مُقرئ مكّة، والحارث بن مسكين، وأبو حاتم السِّجِسْتانيّ، وعبّاد بن يعقوب الرّواجنيّ، شيعيّ، وعَمْرو بن عثمان الحمصيّ، والجاحظ، وكُثَيِّر بن عبيد الحمصي، ونصر بن علي الجهمضي. وفيها ظهر يحيى بن عمر بن حسين بن يحيى بن حسين بن زيد بن علي بن الحسين بالكوفة. وقُتِل في المصافّ بينه وبين جيش محمد بن عبد الله بن طاهر بناحية الكوفة، ومحمود بن خالد، وهشام بن خالد الأزرق. ثمّ في رمضان، خرج الحَسَن بن زيد بن محمد الحَسنيّ بطَبَرسْتان واستولى على آمُل، وجبى الخَرَاج، وامتدَّ سلطانه إلى الرِّيِّ، وهمذان، والتجأ إليه كلّ من يريد الفتنة والنَّهْب. وانهزم عسكر ابن طاهر بين يديه مرَّتين. فبعث المستعين جيشا إلى همذان يكون مسلحة. وفيها عقد المستعين لابنه العَبّاس على العراق والحرمين. وفيها نُفي جعفر بن عبد الواحد إلى البصرة لأنّه عُزِل عن القضاء، وبعث إلى الشاكرية، فأفسدهم. وفيها وثب أهل حمص بعاملها الفضل بن قارن، فقتلوه في رجب، فسار إليهم موسى بن بُغا، فالتقوا عند الرَّسْتَن، فهَزَمهم، وافتتح حمص، وقتل فيها مقتلة عظيمة، وأحرق فيها وأسر من رؤوسها. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة خمسين وثلاثمائة
فيها شرع معز الدولة لمّا تعافى فِي بناء دارٍ هائلة عظيمة ببغداد، أخرب لأجلها دُورًا وقصورًا، وقلع أبواب الحديد التي عَلَى باب مدينة المنصور. وألزم الناس ببيع أملاكهم ليُدخلها فِي البناء، ونزل فِي الأساسات ستة وثلاثين ذراعًا. فحاصله أنّه لزِمه من الغرامات عليها إلى أنّ مات ثلاثة عشر ألف ألف درهم. وصادرَ الدّواوين وغيرهم. وجعل كلّ ما صحَّ لَهُ شيء أخرجه فِي بنائها. وقد درست هذه الدار من قبل سنة ستمائة، ولم يبقَ لها أثر. وبقي مكانها دَحْلَة تأوي إليها الوحوش، وشيء من الأساس -[763]- يعتبر بِهِ من يراه. وفيها قُلِّد قضاء القُضاة أَبُو الْعَبَّاس عَبْد اللَّه بْن الْحَسَن بْن أَبِي الشوارب، وركب بالخِلَع مِن دار معز الدولة، وبين يدية الدّبادب والبوُقات، وفي خدمته الجيش. وشرطَ عَلَى نفسه أن يحمل فِي كلّ سنة إلى خزانة معز الدولة مائتي ألف درهم. وكتب عليه سجلا بِذَلِك. فانظر إِلَى هَذِهِ المصيبة. وامتنع المطيع من تقليده ومن دخوله عَلَيْهِ، وأمر أن لا يُمكن من الدخول عَلَيْهِ أبدًا. وفيها ضمن معز الدولة الحسبة ببغداد والشرطة، فلا كَانَ اللَّه عافاه. وفي شعبان ماتَ بمصر متوليّ ديوان الخراج بها، وهو أَبُو بكر محمد بْن عليّ بْن مقاتل. فوجدوا في داره ثلاثمائة ألف دينار مدفونة. وفيها دخل نجا، غلام سيف الدولة بْن حمدان، إلى بلاد الروم فسبى ألف نفس، وغنم أموالا، وأسر خمسمائة. وفيها مات عبد الملك بن نوح صاحب بلاد خراسان تنقطر به فرسه، ونصبوا مكانه منصور بن نوح، وأرسل إليه الخليفة التقليد. وفيها أخذ ملك الروم أرمانوس بْن قسطنطين من المسلمين جزيرة أقرِيطش فلا حول ولا قوة إلا بالله. وكان الَّذِي افتتح أقريطش عُمَر بْن شُعيب الغليظ البلُّوطيّ، غزاها فافتتحها فِي حدود الثلاثين ومائتين، وصارت فِي يد أولاده إلى هذا الوقت. وفيها تُوُفّي مُحَدَّث بغداد أَبُو سهل أَحْمَد بْن محمد بْن زياد القطّان فِي شعبان. وكان صوّامًا قوّامًا، روى الكثير. وفيها تُوُفّي أبو محمد إِسْمَاعِيل بْن محمد بْن عَلِيّ الخُطبي. وكان عالمًا إخباريًا محدثًا يرتجل الخُطب. وفيها تُوُفّي أَبُو جعْفَر عَبْد اللَّه بْن إِسْمَاعِيل الهاشميّ خطيب جامع المنصور. وكان ذا قُعْدُد فِي الأبَّوه، فإنه فِي طبقة الواثق، إذ هُوَ عبد اللَّه بْن إِسْمَاعِيل بْن إبْرَاهِيم بْن عيسى بْن المنصور أَبِي جعْفَر. وفيها تُوُفّي، فِي ربيع الآخر، القاضي أَبُو السائب عُتْبة بْن عُبّيْد اللَّه بْن مُوسَى الهمذاني. ولد بها سنة أربع وستين ومائتين، وكان أَبُوهُ تاجرًا. ولي -[764]- أولا قضاء أذربيجان، ثم قضاء همذان، ثمّ آل بِهِ الأمر إلى أن تقلَّد قضاء القضاة. وفيها تُوُفّي فاتك المجنون أَبُو شجاع، أكبر مماليك الإخشيد. ولي إمرة دمشق. وكان فارسًا شجاعا. وقد رثاه المتنبي. وفيها تُوُفّي صاحب الأندلس الناصر لدين اللَّه أَبُو المطرف عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّدِ بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الحَكَم بْن هشام ابن الداخل إلى الأندلس عند زوال ملُكْ بْني أمية عَبْد الرَّحْمَن بْن معاوية الأمويّ. ولي الإمرة سنة ثلاثمائة وطالت أيّامه. ولمّا ضعُف شأن الخلافة ببغداد من أيّام المقتدر تلقَّب هذا بأمير المؤمنين. وكذا تلقَّب عُبّيْد اللَّه المهدي وبنوه بالقيروان. وكان هذا شجاعًا شهمًا محمود السّيرة. لم يزل يستأصل المتغلّبين حتى تم أمره بالأندلس. واجتمع فِي دولته من العلماء والفُضلاء ما لم يجتمع فِي دولة غيره. وله غزوات عظيمة ووقائع مشهورة. قَالَ ابن عَبْد ربه: قد نظمتُ أرجوزة ذكرتُ فِيها غزواته. قَالَ: وافتتح سبعين حصنًا من أعظم الحصون، ومدحه الشعراء. وتوفي فِي رمضان من السنة. وكانت إمرتُه خمسين سنة، وقام بعده ولده الحكم. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة خمسين وأربعمائة
فيها خُطب للمستنصر باللَّه العُبيْديّ على منابر العراق، وخُلِع القائم بأمر اللَّه. وكان من قصة ذلك أنّ السّلطان طغرلبك اشتغل بحصار تلك النواحي ونازل الموصل. ثم توجه إلى نصيبين لفتح الجزيرة وتمهيدها، وراسل البساسيريُّ إبراهيم ينال أخا السُّلطان يعِدهُ ويُمنّيه ويُطمعه في المُلك. فأصغى إليه وخالف أخاه، وساق في طائفةٍ من العسكر إلى الرّيّ. فانزعج السُّلطان وسار وراءه، وترك بعض العسكر بديار بكر مع زوجته ووزيره عميد المُلْك الكُنْدُريّ وربيبه أنوشروان. فتفرّقت العساكر وعادت زوجته الخاتون بالعسكر إلى بغداد. وأمّا السلطان فالتقى هو وأخوه فظهر عليه أخوه، فدخل السلطان همذان، فنازله أخوه وحاصره. فعزمت الخاتون على إنجاد زوجها، واختبطت بغداد، واستفحل البلاء، وقامت الفتنة على ساق، وتمّ للبساسيريّ ما دبّر من المكر، وأرجف الناس بمجيء البساسيري إلى بغداد، ونفر الوزير الكُندري وأنوشروان إلى الجانب الغربيّ وقطعا الجسر، ونهبت الغّزّ دار الخاتون، وأكل القوي الضعيف، وجرت أمور هائلة. ثم دخل البساسيريّ بغداد في ثامن ذي القعدة بالرايات المستنصريّة عليها ألقاب المستنصر، فمال إليه أهلُ باب الكرْخ وفرحوا به، وتشفّوا بأهل السُّنة، وشمخت أنوف المُنافقين، وأعلنوا بالَأذان بحيّ على خير العمل. واجتمع خلْقُ من أهل السُّنة إلى القائم بأمر اللَّه، وقاتلوا معه، ونشبت الحرب بين الفريقين في السُّفن أربعة أيّام، وخُطِب يوم الجمعة ثالث عشر ذي -[617]- القعدة ببغداد للمُستنصر العُبيْديّ بجامع المنصور، وأذّنوا بحيّ على خير العمل، وعُقد الْجِسر، وعبرت عساكر البساسيري إلى الجانب الشرقي، فخندق القائم على نفسه حول داره وحوّل نهر المُعَلّى، وأحرقت الغَوغاء نهر المُعَلّى ونُهِب ما فيه، وقوي البساسيريّ، وتقلّل عن القائم أكثر الناس، فاستجار بقُريش بن بدران أمير العرب، وكان مع البساسيريّ، فأجاره ومن معه، وأخرجه إلى مخيمه. وقبض البساسيري على وزير القائم رئيس الرؤساء أبي القاسم ابن المسلمة، وقيّده وشهَّره على جملٍ عليه طرطور وعباءة، وجعل في رقبته قلائد كالمسخرة، وطيف به في الشوارع وخلفه من يصفعه. ثُمَّ سلخ له ثور وألبس جلده وخيط عليه، وجعلت قرون الثور بجلدها في رأسه. ثُمَّ عُلّق على خشبة وعُمِل في فكيه كلوبين، فلم يزل يضطرب حتى مات رحمه الله. ونُصِب للقائم خيمةُ صغيرة بالجانب الشرقيّ في المُعسكر، ونهبت العامّة دار الخلافة، وأخذوا منها ما لا يحصى ولا يوصف. فلمّا كان يوم الجمعة رابع ذي الحجّة لم تُصلَّ الجمعة بجامع الخليفة، وخُطَب بسائر الجوامع للمستنصر، وقطعت الخطبة العباسية بالعراق. ثُمّ حُمَلَ القائم بأمر اللَّه إلى حديثة عانة، فاعتُقَل بها وسُلّم إلى صاحبها مُهارش، وذلك لَأن البساسيريّ وقُريش بن بدران اختلفا في أمره، ثم وقع اتفاقهما على أن يكون عند مهارش إلى أن يتّفِقا على ما يفعلان به. ثم جمع البساسيريّ القُضاة والَأشراف، وأخذ عليهم البيعة للمستنصر صاحب مصر، فبايعوا قهرًا، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وقال عزّ الدين ابن الْأثير في " تاريخه ": إنّ إبراهيم ينال كان أخوه السلطان طغرلبك قد ولّاه الموصَل عام أول، وأنّه في سنة خمسين فارق الموصِل ورحل نحو بلاد الجبل، فنسب السُلطان رحيله إلى العصيان، فبعث وراءه رسولًا معه الفرجيّة الّتي خلعها عليه الخليفة. فلما فارق الموصِل قصدها البساسيريّ وقريش بن بدران وحاصراها؛ فأخذا البلد ليومه، وبقيت القلعة -[618]- فحاصراها أربعة أشهُر حتّى أكل أهلها دوابّهم ثُمّ سلّموها بالَأمان، فهدمها البساسيريّ وعفى أثرها، وسار طغرلبك جريدةً في ألفين إلى الموصل، فوجد البساسيري وقريشًا قد فارقاها، فساق وراءهم، ففارقه أخوه وطلب همذان، فوصلها في رمضان. قال: وقد قيل إن المصريين كاتبوه، وأنّ البساسيري استماله وأطمعه في السَّلْطَنة، فسار طغرلبك في أثره. قال: وأما البساسيري فوصل إلى بغداد في ثامن ذي القعدة ومعه أربعمائة فارس على غاية الضر والفَقْر، فنزل بمُشرعة الرّوايا، ونزل قريش في مائتي فارس عند مُشْرعة باب البصرة، ومالت العامة إلى البساسيري، أمّا الشّيعة فللمذهب، وأمّا السُّنة فلِما فعل بهم الْأتراك. وكان رئيس الرؤساء لقلّة معرفته بالحرب، ولِما عنده من البساسيريّ يرى المبادرة إلى الحرب. فاتّفقّ أنّ في بعض الأيّام التي تحاربوا فيها حضر القاضي الهمذانيّ عند رئيس الرؤساء، ثم استأذن في الحرب وضمن له قتل البساسيريّ من غير أن يعلم عميد العراق، وكان رأي عميد العراق المطاولة رجاء أن ينجدهم طغرلبك. فخرج الهمذاني بالهاشميين والخَدَم والعوامّ إلى الحلبة وأبعدوا، والبساسيريّ يستجرّهم، فلما أبعدوا حمل عليهم، فانهزموا وقُتل جماعة وهلك آخرون في الزحمة، ووقع النهب بباب الْأزْج. وكان رئيس الرؤساء واقفًا، فدخل داره وهرب كل من في الحريم، ولطم العميد على وجهه كيف استبد رئيس الرؤساء بالَأمر ولا معرفة له بالحرب. فاستدعى الخليفة عميد العراق وأمره بالقتال على سور الحريم، فلم يرُعْهُمْ إِلَّا والزَّعْقَات، وقد نُهِب الحريم، ودخلوا من باب النُّوبي، فركب الخليفة لابسًا السواد، وعلى كتفه البردة، وعلى رأسه اللواء، وبيده سيف، وحوله زمرة من العبّاسيين والخدم بالسيوف المسلولة فرأى النهب إلى باب الفردوس من داره. فرجع إلى ورائه نحو عميد العراق، فوجده قد استأمن إلى قريش، فعاد وصعد إلى المَنْظَرة، وصاح رئيس الرؤساء: يا علم الدين يعني قريشًا، أمير المؤمنين يستدنيك، فدنا منه، فقال: قد أنالك اللَّه منزِلةً لم يُنَلها أمثالك، أمير المؤمنين يستذمُّ منك على نفسه وأصحابه بذِمام اللَّه وذِمام رسوله وذِمام -[619]- العربيّة. قال: نعم، وخلع قَلَنْسُوَتَهُ فأعطاها للخليفة وأعطى رئيس الرؤساء محضرة ذِمامًا، فنزل إليه الخليفة ورئيس الرؤساء وسارا معه. فأرسل إليه البساسيريّ: أتُخالِفُ ما استقرّ بيننا؟ فقال قريش: لَا. ثُمَّ اتفقا على أن يُسلَّم إليه رئيس الرؤساء ويترك الخليفة عنده، فسلّمه إليه، فلما مثل بين يديه قال: مرحبا بمهلك الدول ومُخرّب البلاد. فقال: العفو عند المقدرة. قال: قد قدرت أنت فما عَفَوْت، وأنت صاحب طيلسان، وركبت الْأفعال الشنيعة مع حُرَمي وأطفالي، فيكف أعفو أنا، وأنا صاحب سيف. وأمّا الخليفة فحمله قريش إلى مخيّمه، وعليه البُرْدة وبيده السيف، وعلى رأسه اللِّواء، وأنزله في خيمه، وسلّم زوجته بنت أخي السلطان طغرلبك إلى أبي عبد اللَّه بن جردة ليقوم بخدمتها، ونهبت دار الخلافة وما والاها أيّامًا، وسلّم قريش الخليفة إلى ابن عمّه مهارش بن مجلّي، وهو دينٌ ذو مروءة، فحمله في هودج وسار به إلى حديثة عانة، فنزل بها، وسار حاشية الخليفة على حامية إلى السلطان طغرلبك مستنفرين له، ولمّا وصل الخليفة إلى الأنبار شكى البرد، فبعث يطلب من متولّيها ما يلبس، فأرسل إليه جبّةً ولحافًا. وركب البساسيري يوم الْأضحى، وعلى رأسه الْألوية المصريّة، وعبر إلى المصلّى بالجانب الشرقي، وأحسن إلى النّاس، وأجرى الجرايات على الفقهاء، ولم يتعصّب لمذهب، وأفرد لوالدة الخليفة دارا وراتبا، وكانت قد قاربت التسعين. وفي آخر ذي الحجة أخرى رئيس الرؤساء مقيّدًا وعليه طرطور، وفي رقبته مخنقة جلود وهو يقرأ: {{قل اللهم مالك الملك}}. . الْآية، فبصق أهل الكرخ في وجهه لَأنه كان يتعصّب للسُّنة، ثُمَّ صُلِبَ كما تقدّم. وأمّا عميد العراق فقتله البساسيريّ أيضًا، وكان شُجاعًا شَهْمًا فيه فُتُوّة وهو الذي بنى رباط شيخ الشيوخ. ثُمّ بعث البساسيريّ بالبشارة إلى مصر، وكان وزيرها أبا الفرج ابن أخي أبي القاسم المغربي، وهو ممن هرب من البساسيري، فذمّ فِعْله، وخوّف من سوء عاقبته. فتُرِكت أجوبته مُدّة، ثمّ عادت بغير الذي أمّله. -[620]- وسار البساسيري إلى وسط والبصرة فملكها وخطب بها للمصريين. وأمّا طغرلبك فإنه انتصر على أخيه وقتله، وكرّ راجعًا إلى العراق ليس له همّ إلا إعادة الخليفة إلى رتبته وعزه. وحكى الحسن بن محمد القيلويي في " تاريخه ": أن الذي وصل إلى البساسيريّ من جهة المصريين من المال خمسمائة ألف دينار، ومن الثياب ما قيمته مثل ذلك، وخمسمائة فَرَس وعشرة آلاف قوس، ومن السيوف ألوف، ومن الرِّماح والنِّشاب شيء كثير، وصل كل ذلك إليه إلى الرحبة. وفيها قدم على إمرة دمشق الْأمير ناصر الدولة وسيفها أبو محمد الحسن بن حمدان دفعة ثانية في رجب، واللَّه أعلم. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة خمسين وخمسمائة
في أوّلها جاءت الأخبار إلى بغداد بدخول الغُزّ التّركُمان نيْسابور، والفتْك بأهلها، فقتلوا بها نحْوًا من ثلاثين ألفًا، وكان سَنَجْر معهم، عَلَيْهِ اسم -[774]- السلطنة، وهو في غاية الإهنة بين الغُزّ، ولقد أراد يومًا أن يركب، فلم يجد من يحمل سلاحه، فشدّه عَلَى وسَطَه، وإذا قُدّم إِلَيْهِ الطّعام خبّأ منه شيئًا لوقتٍ آخر، خوفًا من انقطاعه عَنْهُ. وفيها كانت وقعة بين شملة التُّركمانيّ وبين عسكر الخليفة، فهزموه وتبِعوه، ثمّ خرج لهم كمينٌ فهزمهم، ثمّ أذعن بطاعة الخليفة، وأطلق الأسرى. وفيها سار المقتفي إلى الكوفة، واجتاز في سوقها، ودخل جامعها. وفي أوّلها سار الصّالح طلائع بْن رُزّيك من الصّعيد عَلَى قصْد القاهرة للانتقام من عبّاس صاحب مصر الّذي قتل الظّافر بالله، فلما سمع بمجيئه عباس خرج من مصر لقلَّة مَن بقي معه مِن الْجَنْد، وسار نحو الشّام بما معه من الأموال والتُّحف الّتي لا تُحصى، لأنّه كان استولى عَلَى القصر، وتحكّم في ذخائره ونفائسه، فخرجت عَلَيْهِ الفرنج من عسقلان، فقاتلوه وقتلوه، واستولوا عَلَى جميع ما معه، وأسروا ابنه نصرًا، وباعوه للمصريين. وأمّا طلائع فدخل القاهرة بأعلام مسوّدة، وثياب سود في هيئة الحزْن، وعلى الرّماح شعور النّساء مقطّعة حزْنًا عَلَى الظّافر، ثمّ نبش الظّافر من دار عبّاس، ونقله إلى مقبرة آبائه. وجاءت مراكب الفرنج من صَقَلِّية، فأرسَوا عَلَى تِنِّيس وهجموها، فقتلوا وأسروا، وردّوا بالغنائم، وخاف أهل مصر من استيلاء الفرنج، فإنّا لله وإنّا إِلَيْهِ راجعون، حتّى عزم ابن رُزّيك وزيرُها عَلَى موادعة الفرنج بمالٍ يُحمل إِلَيْهِ من الخزانة، فأنكر ذلك الأمراء، وعزموا على عزله. وأمّا المقتفي لأمر اللَّه، فإنّه عظُم سلطانه، واشتدّت شوكته، واستظهر عَلَى المخالفين، وأجمع عَلَى قصد الجهات المخالفة لأمره. وأمّا نور الدّين، فإنّه سار بجيشه، فملك عدَّة قلاع وحصون بالسّيف وبالأمان من بلاد الروم، من نواحي قونية، وعظُمت ممالكه وبعُد صيته، وبعث إليه المقتفي تقليدًا، وأمره بالمسير إلى مصر، ولُقِّب بالملك العادل. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة خمسين وستمائة
فيها وصلت التّتار إلى أطراف ديار بَكْر، وميّافارِقين، وسَرُوج، فعاثوا وقتلوا أكثر من عشرة آلاف، وأخذوا قَفَلًا كبيرًا قد قدِم من الشّام يكون ستّمائة جمل. وقُتِل مقدّمهم كشلوخان في هذه السنة. وفيها حجّ الرَّكب العراقيّ بعد انقطاعه عشر سنين. وفيها توجه نجم الدين الباذرائي رسول الخليفة من دمشق إلى الملك المُعِزّ أَيْبك فأصلح بين النّاصر والمعزّ، وكان كل واحد من الطائفتين قد سئم وضرس من الحرب. وقرّر أن تكون غزّة والقدس للمعزّ، ونابلس وما يليها للنّاصر. وكان معه نظام الدّين ابن المولى، فرجع بالصّلح فِي أوّل سنة إحدى وخمسين، وسكنت الفتنة، ولله الحمد على كل حال. |