تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ ستٍ وَتِسْعِينَ
فِيهَا تُوُفِّيَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَقُتِلَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ: مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ، وَمَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ - فِي قَوْلٍ -، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانٍ، وَقُرَّةُ بْنُ شَرِيكٍ الْقَيْسِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ، وَآخَرُونَ بخلافٍ فِيهِمْ. وَفِيهَا اسْتُخْلِفَ سُلَيْمَانُ، فَأَغْزَى الصَّائِفَةَ أَخَاهُ مُسْلِمَةَ. وَغَزَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَافْتَتَحَ طُوبَسَ وَالْمَرْزُبَانِينَ، وَأُصِيبَ جِدَارُ الْعُذْرِيِّ الشَّامِيِّ وَمَنْ مَعَهُ بِأَرْضِ الرُّومِ، وَهُوَ جَدُّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ لأُمِّهِ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ست وتسعين
تُوُفِّيَ فِيهَا: الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، قُتِلَ كَمَا يَأْتِي، سَعْدُ بْنُ الصَّلْتِ قَاضِي شِيرَازَ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ الطَّوِيلُ الدِّمَشْقِيُّ، عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ الأَمِيرُ، عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ الْجَزَرِيُّ - فِي قَوْلٍ -، مُخَلَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ - فِي قَوْلٍ - وَكِلاهُمَا مَرَّ، مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ الْقَاضِي، الْوَلِيدُ بْنُ خَالِدٍ بِالشَّامِ، قَالَهُ ابْنُ قَانِعٍ، أَبُو نُوَاسٍ الشَّاعِرُ هُوَ الْحَسَنُ بْنُ هَانِئٍ. وَفِيهَا رُوِيَ عَنْ عبد الرحمن بن رئاب قَالَ: حَدَّثَنِي أَسَدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَزْيَدٍ، أَنَّ الْفَضْلَ بْنَ الرَّبِيعِ الْحَاجِبَ بَعَثَ إِلَيْهِ بَعْدَ مَقْتَلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَبْنَاوِيِّ قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ مُغْضَبًا، فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَارِثِ أَنَا وَإِيَّاكَ نَجْرِي إِلَى غَايَةٍ إِنْ قَصَّرْنَا عَنْهَا ذُمِمْنَا، وَإِنِ اجْتَهَدْنَا فِي بُلُوغِهَا انْقَطَعْنَا، وَإِنَّمَا نحن شعب مِنْ أَصْلٍ، إِنْ قَوِيَ قَوِينَا، وَإِنْ ضَعُفَ ضَعُفْنَا، إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ - يَعْنِي الأَمِينَ - قَدْ ألقى بيده إلقاء الأُمَّةِ الْوَكْعَاءَ، يُشَاوِرُ النِّسَاءَ، وَيَعْتَرِضُ عَلَى الرُّؤَسَاءِ، وقد أمكن مسامعه من اللهو والخسارة فهم يعدونه الظَّفَرَ، وَالْهَلاكُ أَسْرَعُ إِلَيْهِ مِنَ السَّيْلِ إِلَى قِيعَانِ الرَّمْلِ، وَقَدْ خَشِيتُ - وَاللَّهِ - أَنْ نَهْلِكَ بِهَلاكِهِ، وَنَعْطَبُ بِعَطَبِهِ، وَأَنْتَ فَارِسُ الْعَرَبِ وَابْنُ فَارِسِهَا، قَدْ فَزِعَ إِلَيْكَ فِي لِقَاءِ هَذَا الرَّجُلِ، وَأَطْمَعَهُ فِيمَا قَبْلَكَ أَمْرَانِ: أَمَّا أَحَدَهُمَا فَصِدْقُ طَاعَتِكَ وَفَضْلُ نَصِيحَتِكَ، وَالثَّانِي يُمْنُ نَقِيبَتِكَ وَشِدَّةُ بَأْسِكَ، وَقَدْ أَمَرَنِي بِإِزَاحَةِ عِلَّتِكَ، وَبَسْطِ يَدِكَ فِيمَا أَحْبَبْتَ، فَعَجِّلِ الْمُبَادَرَةَ إِلَى عَدُوِّكَ، فإني أرجو أن يوليك الله شرف هذا الفتح، ويلم بك شعث هذه الخلافة، فَقُلْتُ: أَنَا لِطَاعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُقْدِمٌ، وَلِكُلِّ مَا أَدْخَلَ الْوَهَنَ وَالذُّلَّ عَلَى عَدُوِّهِ حَرِيصٌ، غير أن المحارب لا يعمل بالغرر، وَلا يَفْتَتِحُ أَمْرَهُ بِالتَّقْصِيرِ وَالْخَلَلِ، وَإِنَّمَا مِلاكُ الْمُحَارِبِ الْجُنُودُ، وَمِلاكُ الْجُنُودِ الْمَالُ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فقد ملأ أيدي من عنده من العسكر، وتابع لهم الأرزاق وَالصِّلاتِ، فَإِنْ سِرْتُ بِأَصْحَابِي وَقُلُوبُهُمْ مُتَطَلِّعَةٌ إِلَى مَنْ خَلْفِهِمْ مِنْ إِخْوَانِهِمْ لَمْ أَنْتَفِعْ بِهِمْ فِي لِقَاءٍ، وَقَدْ فَضُلَ أَهْلُ السِّلْمِ عَلَى أهل الحرب، والذي أسأل أَنْ يُؤْمَرَ لِأَصْحَابِي بِرِزْقِ سَنَةٍ، -[1039]- وَيُحْمَلَ مَعَهُمْ أَرْزَاقُ سَنَةٍ، وَلا أُسْأَلُ عَنْ مُحَاسَبَةِ مَا افْتَتَحْتُ مِنَ الْمُدُنِ، فَقَالَ: قَدِ اشتططت، ولا بد مِنْ مَنَاظَرَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. ثمّ ركب معي إِلَيْهِ فدخلتُ، فما دار بيني وبينه إلا كلمتان حتّى غضب وأمر بحبسي. وذكر زياد قَالَ: ثمّ قَالَ الأمين: هَلْ في أهل بيت هذا من يقوم مقامه؟ فإني أكره أن أستفسدهم مَعَ سابقتهم وطاعتهم، قَالُوا: نعم، فيهم أحمد بْن مَزْيد عَمُّهُ، وأثنوا عَلَيْهِ، فاستقدمه عَلَى البريد. قَالَ أحمد: فبدأت بالفضل بْن الربيع، فإذا عنده عَبْد الله بْن حُمَيْد بن قحطبة، وهو يريده عَلَى الشخوص إلى طاهر بْن الحسين، وعبد الله يشتطّ في طلب المال والإكثار مِن الرجال، فلما رآني رحب وصيرني معه على صدر المجلس، فكلّمني ثمّ قام معي حتّى دخلنا عَلَى الأمين، فلم يزل يأمرني بالدُّنُوّ حتى كدت أُلاصقه، فقال: إنّه قد كثُر عليّ تخليط ابن أخيك وتنكُّره، وطالَ خِلافهُ، وقد وُصفتَ لي بخير، وأحببت أن أرفع قدرك وأُعْلي منزلتك، وأنّ أُوَلّيك جهاد هذه الفئة الباغية، فقلت: سأبذل في طاعتكم مهجتي. قَالَ: وانتخبت الرجال، فبلغ عدّة مِن صحّحتُ اسمه عشرين ألف رَجُل، ثمّ سرت بهم إلى حُلْوان، ودخلت عليه قبل ذلك، فقلت: أوصِني، قَالَ: إيّاك والبغي، فإنه عِقال النصر، ولا تُقدّم رجلا إلا بالاستخارة، ولا تُشْهر سيفًا إلا بعد إعذار، ومهما قدرت عَلَيْهِ باللين فلا تتعده بالخرق، في كلام طويل، وأطلق لَهُ ابن أخيه أسدًا. وذكر يزيد بْن الحارث أنّ الأمين وجّه معه عشرين ألفًا مِن الأعراب، ومع عَبْد الله بْن حُمَيْد عشرين ألفًا مِن الأبناء، وأمرهما أن ينزلا حلوان ويدفعا طاهرا عنها، وينصبا له الحرب، فنزلا بخانقين، فدَسّ طاهر العيون إلى عسكرهما، فكانوا يأتون الجيشين بالأراجيف، ويخبرونهما أنّ الأمين قد وضَع العطاء لأصحابه، وقد أمر لهم بالأرزاق، ولم يزل يحتال في وقوع الاختلاف والشغْب بينهم حتى اختلفوا، وانتقض أمرهم وقاتلوا بعضهم بعضًا، ورجعوا. ثمّ دخل طاهر حُلوان، وأتاه هَرْثَمَة بْن أَعْيَن بكتابي المأمون، والفضل بْن -[1040]- سهل يأمرانه بتسليم ما حوى مِن المدن إلى هَرْثَمَة، والتَّوجُّه إلى الأهواز، فسلّم ذَلِكَ إِلَيْهِ، وأقام هَرْثَمَة بحُلْوان فحصّنها، وأحكم أموره، ومضى طاهر إلى الأهواز، ودعا المأمون الفضل بْن سهل فولاه عَلَى جميع المشرق مِن همذان إلى جبل سفيان والتَّبت طولا، ومن بحر فارس والهند إلى بحر الديلم وجرجان عرضا، وقرر له على ذلك ثلاثة آلاف ألف درهم، ولقّبه ذا الرياستين، ثمّ ولّى أخاه الحَسَن بْن سهل ديوان الخراج. وكان في حبْس الرشيد عَبْد المُلْك بْن صالح بْن عليّ، فأطلقه الأمين وقرّبه، فدخل عليه هذه الأيام، وقال: يا أمير المؤمنين إنّي أرى الناس قد طمعوا فيك، وقد بذلت سماحتك، فإنْ بقيت عَلَى أمرك أبطَرْتهم، وإنْ كَفَفْت عن البذل أسخطتهم، ومع هذا فإنّ جُنْدك قد داخَلَهم الرعبُ وأضْعَفَتْهُمُ الوقائع، وهابوا عدوَّهم، فإنْ سيّرتهم إلى طاهر غلب بقليلِ مَنْ معه كثيَرهم، وأهل الشام قوم قد ضرستهم الحروب، وأدبتهم الشدائد، وجلهم منقاد لي مُسارعٌ إلى طاعتي، فإنْ وجّهتني أتّخذت لك منهم جُنْدًا تعظُم نكايته في عدوّه، فولاه الشام والجزيرة، واستحثه بالخروج، فلمّا بلغ الرَّقّة أقام بها، وأنفذ رُسُلَه وكُتُبَه إلى رؤساء الأجناد بجمع الأمداد والرجال والزواقيل والأعراب مِن كلّ فَجّ، وخلع عليهم، ثمّ إنّ بعض جُنْده الخُراسانيّة نظر إلى فرسٍ كانت أُخِذت منه في وقعة سليمان بْن أَبِي جعفر بالشام تحت بعض الزَّواقيل، فتعلق بها، فتنازعا الفرس، واجتمعت الناس وتلاحموا، وأعان كل فئة صاحبها، وتضاربوا بالأيدي، فاجتمعت بعض الأبناء إلى محمد بن أبي خالد الحربي، فقالوا: أنت شيخنا، وقد ركب الزواقيلُ منّا ما سَمِعْتُ، فاجمع أمرنا وإلا استذلّونا، فقال: ما كنت لأدخل في شَغْب، ولا أشاهدكم عَلَى مثل هذه الحال، فاستعد الأبناء، وأتوا الزواقيل وهم غارون، فوضعوا فيهم السيف، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، فتنادى الزواقيل، ولبسوا لأمة الحرب، وشبت الحرب بينهم، فوجّه عَبْد المُلْك رسولا يأمرهم بالكَفّ، فرموه بالحجارة، وكان عَبْد المُلْك مريضًا مدنفا، فقال: واذُلاه! تُستضام العربُ في دُورها، وبلادها وتُقتل؟! فغضب مِن كَانَ أَمْسك عَنِ الشرّ مِن الأبناء، وتفاقم الأمرُ. وقام بأمر الأبناء الحسين بْن عليّ بْن عيسى بْن ماهان، وأصبح الزواقيل وقد جَيَّشوا بالرَّقّة، واجتمع الأبناء والخُراسانيّة بالرافقة، وقام رجلٌ مِن أهل حمص، فقال: يا أهل حمص، -[1041]- الهرب أهون من الغضب، والموت أهون من الذل، النفير النفير قبل أن ينقطع الشمل ويعسر المهرب، ثم قام آخر من كلب فقال نحو ذَلِكَ، فسار معه عامّة أهل الشام، وتفللوا، وأقبل نصر بن شبيب في الزّواقيل، وهو يَقُولُ: فرسانَ قيسٍ اصبري للموت ... لا ترهبن عن لقاء القوت دعي التَّمنّي بعسى وليت ثمّ حَمَل هُوَ وأصحابه، فقاتل قتالا شديدًا، وكثُر القتل والبلاء في الزّواقيل، وحملت الأبناء فانهزمت الزّواقيل. ثمّ تُوُفّي عَبْد المُلْك في هذه الأيام، فنادى الحسين بْن عليّ بْن عيسى في الجند، فصير الرَّجَّالَةَ في السفن، والفُرسان عَلَى الظَّهْر، ووصّلهم حتى أخرجهم مِن بلاد الجزيرة في رجب، ودخل بغداد، فلمّا كَانَ في جوف اللَّيْلِ طلبه الأمين، فقال للرسول: ما أنا بمغن ولا مُسامِر ولا مُضْحك، ولا وُلِّيتُ لَهُ عملا، فلأيّ شيءٍ يريدني؟ انصرف فَمِن الغد آتيه. قَالَ: فأصبح الحسين فوافى باب الجسر، واجتمع إِلَيْهِ النّاس، فأمر بإغلاق الباب الَّذِي يخرج منه إلى عُبَيْد الله بْن عليّ وباب سوق يحيى، وقال: يا معشر الأبناء، إنّ خلافة الله لا تُجاوَر بالبَطر، وَنِعْمَةٌ لا تُسْتَصْحب بالتجبُّر، وإن محمدًا يريد أن يزيغ أديانكم، وينكث بيعتكم، ويفرق أمركم، وتالله إنّ طالت يده، وراجعه مِن أمره قوّة، ليَرجعّن وَبَالُ ذَلِكَ عليكم، ولتعرفّن ضرره، فاقْطعوا أثَره قبل أن يقطع آثاركم، وَضَعُوا عزّه قبل أن يضع عزّكم. ثمّ أمر الناس بعبور الجسر، فعبروا حتى صاروا إلى سكّة باب خُراسان، واجتمعت الحربيّة، وأهلُ الأرباض ممّا يلي بابَ الشام، فتسرّعت خيولٌ مِن خيول الأمين مِن الأعراب وغيرهم إلى الحسين، فاقتتلوا قتالا شديدًا، ثمّ استظهر عليهم الحسين وتَفَرّقوا، فخلع الحسينُ محمدًا لإحدى عشرة لَيْلَةً خَلَت مِن رجب، وبايع للمأمون مِن الغد، ثمّ غدا إلى محمد. فوثب العبّاس بْن موسى بْن عيسى الهاشميّ فدخل قصر الخُلْد، فأخرج منه محمدًا إلى قصر المنصور، فحبسه هناك إلى الظُّهر، وأخرج أمّه، أمّ جعفر، بعد أن أبت، وقنعها بالسوط وسبها، فأُدخلت إلى مدينة المنصور. -[1042]- فلمّا أصبح الناسُ مِن الغد طلبوا مِن الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان الأرزاق، وماج الناس بعضهم في بعض، وقام محمد بْن أَبِي خَالِد كبير الأبناء بباب الشام فقال: أيّها الناس، والله ما أدري بأيّ سبب تَأمّر الحسين علينا؟ والله ما هُو بأكبرنا سنّا، ولا أكرمنا حسبًا، ولا أعظمنا منزلة وغَناء، وإنّ فينا مِن لا يرضي بالدَّنَيَّةِ، ولا ينقاد بالمخادعة، وإني أوّلكُم نقض عهده، وأنكر فِعله، فمن كَانَ رأيُه رأيي فلْيعتزلْ معي، وقام أسد الحربيّ فقال نحو مقالته، فأقبل شيخ كبير من أبناء الكفية فصاح: اسكتوا أيّها النّاس؛ فسكتوا لَهُ، فقال: هَلْ تعتدون عَلَى محمدٍ بقطع أرزاقكم؟ قَالُوا: لا. قَالَ: فهل قصّر بأحدٍ مِن أعيانكم؟ قالوا: ما علمنا. قال: فهل عُزِل أحدًا مِن قُوّادكم؟ قَالُوا: لا. قَالَ: فما بالكم خذلتموه، وأَعَنْتُم عدوّه عَلَى اضطهاده وأسره؟ أما والله ما قتل قوم خليفتهم إلا سلَّط الله عليهم السيف، انهضوا إلى خليفتكم فادفعوا عَنْهُ، وقاتِلوا مِن أراد خلعه، فنهضت الحربيّة، ونهض معهم عامّة أهل الأرباض، فقاتلوا الحسين وأصحابه قتالا شديدًا، وأكثروا في أصحابه الجراح، وأُسِر الحسين، فدخل أسد الحربيّ عَلَى الأمين، فكسر قيودَه وأقعده في مجلس الخلافة، فنظر محمد إلى قومٍ لَيْسَ عليهم لباس الْجُنْد، ولا عليهم سلاح، فأمرهم فأخذوا مِن الخزائن حاجتهم مِن السلاح، ووعدهم ومَنّاهم. وأحضروا الحسين فلامَه عَلَى خِلافه، وقال: ألم أقدّم أباك عَلَى الناس، وأُشرّف أقداركم؟ قَالَ: بلى. قَالَ: فما الَّذِي استحققتُ بِهِ منك أن تخلع طاعتي، وتؤلّب النّاس عَلَى قتالي؟ قَالَ: الثّقة بعفو أمير المؤمنين وحُسْن الظّنّ بصفحه، قَالَ: فإنّي قد فعلت ذَلِكَ، وولَّيْتُك الطلب بثأر أبيك، ثمّ خلع عَلَيْهِ، وأمرَه بالمسير إلى حُلوان، فخرج. فلمّا خفَّ النّاس قطع الجسر، وهرب في نفر مِن حَشَمه ومواليه، فنادى الأمين في الناس فركبوا فأدركوه، فلما بُصر بالخَّيل نزل فصلّي ركعتين ثمّ تهيأ، فلقيهم وحمل عليهم حملات في كلها يهزمهم، ثم عثر به فرسه فسقط وابتدره الناس فقتلوه، وذلك عَلَى فرسخ مِن بغداد للنصف من رجب، وأتوا برأسه. وقيل: إن الأمين لما عفا عَنْهُ استوزره، ودفع إِلَيْهِ خاتمه، وصبيحة قتله جدّد الْجُنْد البيعة للأمين. وليلة قتله هرب الفضل بْن الربيع. -[1043]- ولما سار طاهر إلى الأهواز بلغه أنّ محمد بْن يزيد بْن حاتم المهلَّبيّ عامل الأمين عليها قد توجه في جمع عظيم يريد النزول بجنديسابور، وهو ما بين حَدّ الأهواز والجبل، ليحمي الأهواز، فدعا طاهر عدّة أمراء مِن جُنْده بأن يكمّشوا السير. ثمّ سارت عساكره حتى أشرفوا عَلَى عسكر مُكْرَم، وبه محمد بْن يزيد، فرجع فدخل الأهواز، ثمّ عبّى أصحابه عَلَى بابها والتقوا، وطال الحرب بينهم، ثمّ نزل محمد بْن يزيد هُوَ وغلمانه عن خيلهم وعرقبوها، وقاتل حتى قتل، طعنه رجل برمح، فذكر بعضهم مصرعَه ورثاه، فقال: مِن ذاق طعم الرقاد من فرح ... فإنني قد أَضَرَّ بي سَهَري وليّ فتى الرُّشْد فافتقدتُ بِهِ ... قلبي وسمعي وغرَّني بصْريّ كَانَ غِياثًا لدى الْمُحُولِ فقد ... ولّي غمامُ الرّبيع والمطرِ وأقام طاهر بالأهواز، وولّي عمّاله عَلَى اليَمامة والبحرين، ثمّ أخذ عَلَى طريق البَرّ متوجهًا إلى واسط، وبها يومئذٍ السّنْدي بْن يحيى الحرسي، وجعلت المسالح كلّما قُرب طاهر من واحدة هرب مِن يحفظها، فجمع السّنْديّ والهيثم بْن شُعبة أصحابهما، وهَمّا بالقتال، ثمّ هربا عَنْ واسط، فدخلها طاهر، ووجّه إلى الكوفة أحمد بْن المهلّب القائد، وعليها يومئذٍ العبّاس بْن موسى الهادي، فبلغه الخبر، فخلع الأمين، وكتب بالطّاعة إلى طاهر، ونزلت خيله واسط ثمّ فم النيل، وكتب عاملُ البصرة منصور بْن المهدي إلى طاهر بالطّاعة، ثمّ نزل طاهر جرجرايا وخندق عَلَيْهِ، وكتب بالطّاعة أمير الموصل المطّلب بْن عَبْد الله بْن مالك للمأمون، كلّ ذَلِكَ في رجب. ولمّا كتب هَؤلاءِ إلى طاهر بالطّاعة، أقرّهم عَلَى أعمالهم، واستعمل عَلَى مكّة والمدينة دَاوُد بْن عيسى بْن موسى الهاشميّ، وعلي اليمن يزيد بْن جرير القسْريّ. ثمّ غلب طاهر عَلَى المدائن، ثمّ صار منها إلى نهر صَرْصَرٍ، فعقد عَلَيْهِ جسرًا، فوجّه الأمين محمد بْن سليمان القائد، ومحمد بْن حمّاد البربريّ ليُبيّتا -[1044]- يَزَكَ طاهر، فكانت بينهم وقعة شديدة، فانهزم محمد القائد. ووجّه الأمين عَلَى الكوفة الفضل بْن موسى بْن عيسى الهاشميّ، وولاه عليها، فالتقاه محمد بن العلاء بعض قواد طاهر فاقتتلوا وانهزم أصحاب الفضل وهمّ في أقفيتهم قتلا وأسرًا، فأسروا إسماعيل بن محمد القرشي، وجمهور البخاري. وبقي أمرُ الأمين كلّ يوم في إدبار، والناس معذورون في خلْعه، لكونه نكث وخلع أخويه المأمون والمؤتمن، وأقام بَدَلَهما ابنه طفلا رضيعًا، مَعَ ما هُوَ فيه مِن الانهماك على اللعب والجهل. وأما داود بْن عيسى الهاشميّ فإنه كَانَ عَلَى الحرمين، فأسرع في خلع الأمين تدينا، وبايعه للمأمون وجوهُ أهل الحرمين، فاستخلف عليهما ولده سليمان، وسار في وجوه مِن أقاربه يريد المأمون بمَرْو، فلمّا قدِم عَلَيْهِ تيمّن المأمون ببركة مكّة والمدينة، إذ كانوا أوّل مِن بايعه بعد خُراسان. ووصل داود بخمسمائة ألف درهم، ثمّ رجع مسرعًا ليقيم موسم الحجّ، ومعه ابن أخيه الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى بْنُ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، فمرّا بالعراق عَلَى طاهر، فبالغ في إكرامهما، ووجه معهما زيد بْن جرير بْن يَزِيدَ بْنَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقِسْرِيَّ، وقد عقد لَهُ طاهر على ولاية اليمن، وأقام الموسم العبّاس بْن موسى المذكور، وأحسن زيد السيرة باليمن. وفي شَعْبان عقد الأمين لعليّ بْن محمد بْن عيسى بْن نَهِيك الإمرة عَلَى نحو أربعمائة قائد، وأمره بالمسير إلى هرثمة، فساروا فالتقوا بجلولاء في رمضان، فهزمهم هَرْثَمَة، وأسر أمير الجيش عليّ بْن محمد، وبعث بِهِ إلى المأمون، وزحف هرثمة فنزل النهروان. وأقام طاهر بنهر صَرْصَرٍ، فكان لا يأتيه جيش مِن جهة الأمين إلا هزمه، وأخذ الأمين يدسّ الجواسيس إلى قوّاد طاهر يعدهم ويمنّيهم، فشغبوا عَلَى طاهر، واستأمَن خلقٌ إلى الأمين فأسنى عطاياهم، ثمّ كرّوا إلى صَرْصَرٍ لحرب طاهر. فالتقوا، ودام القتال، ثمّ انهزم جيش بغداد، وانتهَب أصحاب طاهر أثقالهم وأموالهم، فبلغ الأمينَ الخبرُ، فأخرج خزائنه وذخائره، وفرّق الصلات، وجمَع أهل الأرباض، واعترض الناس عَلَى عينه، فكان لا يرى أحدًا، -[1045]- وسيمًا حسن الرّواء إلا خلع عَلَيْهِ وأمّره، وغلّف لحيته بالغالية، فسُمّوا قوّاد الغالية، وأعطى كل واحد خمسمائة درهم وقارورة غالية. ثمّ كاتب طاهرُ قوّادَ الأمين فاستمالهم، فشغبوا عَلَى الأمين، وذلك لستّ خلون مِن ذي الحجّة، فشاور قوّاده، فقيل لَهُ: تدارك أمرهم، فبذل فيهم العطاء فأسرف، ونزل معسكرًا بالبستان، ففتح أهل السجونِ السجونَ وخرجوا، ووثب على العامّة الشُّطَّار، وساءت حال الناس، وعظم الشر. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ستٍّ وتسعين ومائتين
تُوُفي فيها: أحمد بن حمّاد التُّجَيْبيّ أخو زُغْبَة، وأحمد بن نَجْده الهَرويّ، وأحمد بن يحيى الحُلْوانيّ، وخَلَف بن عَمْرو العُكْبُريّ، وعبد الله بن المُعْتَزّ، وأبو حُصَيْن الوادعيّ محمد بن الحسين، ومَعْمَر بن محمد أبو شِهاب البلخي، ويوسف بن موسى القطان الصغير. قال محمد بن يوسف القاضي: لمّا تمّ أمر المقتدر استصباه العباس الوزير، وكثر خَوْضُ النّاس في صِغَره، فعمِل العباس على خلعه بمحمد ابن المعتضد، ثم اجتمع محمد ابن المعتضد وصاحب الّشرطة في مجلس العبّاس يومًا، فتنازعا، فأربى عليه صاحب الشّرطة في الكلام ولم يدرِ ما قد رُشّح له، ولم يتمكن محمد من الانتصاف منه، فاغتاظ غيظًا عظيمًا كظمه، فَفُلِج في المجلس، فاستدعى العّباس عمارية فحمله فيها، فلم يلبث أن مات. ثمّ اتفق جماعة على خلع المقتدر وتولية عبد الله ابن المعتزّ، فأجابهم بشرط أن لا يكون فيها دم، فأجابوه، وكان رأسهم محمد بنُ داود بن الجرّاح، وأبو المُثَنَّى أحمد بن يعقوب القاضي، والحسين بن حَمْدان، واتّفقوا على قتْل المقتدر، ووزيره العبّاس، وفاتك. فلمّا كان يوم العشرين من ربيع الأوّل ركب الحسين بن حمدان والقُوّاد والوزير، فشدّ ابن حمدان على الوزير فقتله، فأنكر عليه فاتك، فعطف على فاتك فقتله، ثمّ شدّ على المقتدر وكان يلعب بالصَّوالجة فسمع الهَيْعَة، فدخل وأُغلقت الأبواب، فعاد ابن حمدان إلى -[870]- المُخَرَّم، فنزل بدار سليمان بن وهْب، وأرسل إلى ابن المعتزّ فأتاه، وحضر القُوّاد والقُضاة والأعيان، سوى خواصّ المقتدر، وأبي الحسين بن الفرات، فبايعوه بالخلافة، ولقبوه بالغالب بالله. وقيل غير ذلك. فاستوزر محمد بن داود بن الجرّاح، وجعل يُمْنَ الخادم حاجِبَه، فغضب سَوْسَن الخادم، وعاد إلى دار المقتدر، ونفذت الكُتُب بخلافة ابن المعتزّ وتم أمره ليلة الأحد. قال الصُّوليّ: كان العبّاس الوزير قد دبّر خلْع المقتدر مع الحسين بن حمدان، ومبايعة ابن المعتز، ووافقهم وصيف، فبلغ المقتدر، فأصلح حال العبّاس، ودفع إليه أموالًا أرضَتْه، فرجع عن رأيه، فعلم ابن حمدان، فقتله لذلك. وقال المُعَافي بن زكريّا الجريريّ: حُدِّثت أنّ المقتدر لما خُلِع وبويع ابن المعتزّ، دخلوا على شيخنا محمد بن جرير، فقال: ما الخبر؟ قيل: بويع ابن المعتزّ. فقال: فمن رُشِّح للوزارة؟ قيل: محمد بن داود. قال: فمن ذُكر للقضاء؟ قيل: الحسن بن المُثَنَّى. فأطرق ثمّ قال: هذا أمرٌ لا يتمّ. قيل له: وكيف؟ قال: كلّ واحدٍ ممّن سميتم متقدم في معناه عالي الرُّتْبة، والزّمان مُدْبِرٌ، والدُّنيا مُوَلِّيَة، وما أرى هذا إلّا اضْمحلال، وما أرى لمدّته طُول. وبعث ابن المعتزّ إلى المقتدر يأمره بالانصراف إلى دار محمد بن طاهر، لكي ينتقل ابن المعتزّ إلى دار الخلافة، فأجاب، ولم يكن بقي معه غير مؤنس الخادم ومؤنس الخازم وغريب خاله، وجماعة من الخَدَم فباكر الحسين بن حمدان دارَ الخلافة فقاتلها فاجتمع الخَدَم، فدفعوه عنها بعد أن حمل ما قدر عليه من المال، وسار إلى المَوْصل، ثمّ قال الّذين عند المقتدر: يا قوم نسلِّم هذا الأمر ولا نجرّب نفوسنا في دفع ما نزل بنا؟ فنزلوا في الشذا، وألبسوا جماعة منهم السّلاح، وقصدوا المُخَرَّم، وبه ابن المعتزّ، فلمّا رآهم من حول ابن المعتزّ أوقع الله في قلوبهم الرُّعب، فانصرفوا منهزمين بلا حرب. وخرج ابن المعتز فركب فرسًا، ومعه وزيره ابن داود، وحاجبه يُمْن، وقد شَهَر سَيفَه وهو ينادي: معاشر العامة، ادْعُوا لخليفتكم. وأشاروا إلى الجيش أن يتبعوهم إلى سامراء، ليثبت أمرهم بها، فلم يتبعهم أحد من -[871]- الجيش، فنزل ابن المعتزّ عن دابّته ودخل دارَ ابنِ الْجَصّاص، واختفى الوزير ابن داود، وأبو المُثَنَّى القاضي، ونُهِبَت دُورُهما، ووقع النَّهْب والقتْل في بغداد، واختفى علّي بن عيسى بن داود، ومحمد بن عَبْدُون في دار بقالٍ، فبدر بهما العامة، فأخرجوهما إلى حضرة المقتدر. وقبض المقتدر على وصيف، وعلى يُمْن الخادم، وأبي عمر محمد بن يوسف القاضي، وأبي المُثَنَّى أحمد بن يعقوب، ومحمد بن خَلَف القاضي، والفقهاء والأمراء الذين خلعوه، وسُلِّموا إلى مؤنس الخازن فقتلهم، إلا عليّ بن عيسى، وابن عَبْدُون، والقاضيَيْن أبا عمر، ومحمد بن خَلَف، فإنهم سَلِمُوا من القتْل، وكان قَتْلُ الباقين في وسط ربيع الآخر. واستقام الأمر للمقتدر، فاستوزر أبا الحسن عليّ بن محمد بن الفرات. ثمّ بعث جماعة فكبسوا دار ابن الجصّاص، وأخذوا ابن المعتزّ، وابنَ الجصّاص، فصُودر ابنُ الجصّاص، وحُبس ابن المعتزّ، ثمّ أُخْرِج فيما بعد ميتاً. وفيها أمر المقتدر بأن لا يستخدم اليهود والنصارى، وأن يركبوا بالأكف. وسار ابن الفُرَات أحسن سيرة، وكشف المظالم؛ وحضَّ المقتدر على العدل، ففوَّض إليه الأمور لصغره، واشتغل باللعب، واطرح الندماء والمغنين، وعاشر النّساء، وغلب أمر الحُرَم والخَدَم على الدولة، وأتلف الخزائن. ثمّ إنّ الحسين بن حمدان قدِم بغداد، لأنَّ المقتدر كتب إلى أخيه أبي الهَيْجاء عبد الله بن حمدان في قصْد أخيه، وبعث إليه جيشًا. فالتقى الأَخَوان، فانهزم أبو الهيجاء، فسار أخوهما إبراهيم ألى بغداد، فأصلح أمر الحسين فكتب له المقتدر أمانًا، فقدِم في جُمَادَى الآخرة، فَقُلِّدَ قُمّ، وقاشان، فسار إليها مسرعاً. وفي كانون وقع ببغداد ثلج كثير، وأقام أياماً حتى ذاب. وفيها قدم زيادة الله بن عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب أمير أفريقية إلى الجيزة، هاربًا من المغرب من أبي عبد الله الّداعي. وكانت بين زيادة الله وبين جُنْد مصر هَوْشة، ومنعوه من الدّخول إلى الفسطاط. ثمّ أذنوا له، فدخل مصر وتوجه إلى العراق. وفيها انصرف أبو عبد الله الدّاعي إلى سِجِلْماسَة، وافتتحها، وأخرج من الحبس المهديّ عُبَيْد الله وولده من حبس اليسع. وأظهر أمره، وأعلم -[872]- أصحابه أنّه صاحب دعوته، وسلم عليه بالإمامة. وذلك في سابع ذي الحجّة سنة ستِّ. فأقام بسِجِلْماسَةَ أربعين يومًا، ثم قصد إفريقيّة، وأظهر التّواضع والخشوع، والإنعام والعدل، والإحسان إلى النّاس، فانحرف النّاس إليه، ولم يجعل لأبي عبد الله كلامًا. فلامه أبو العبّاس، وعرّفه سابقة أبي عبد الله. ثمّ أراد أبو عبد الله استدراك ما فات، فقال على سبيل النصح للمهديّ: أنا أخبر منك بهؤلاء، فاترك مباشرتهم إلي، فإنه أمكن لجبروتك، وأعظم لك. فتوحَّش من كلامه، وساء به ظنه، فحبّب أبو العبّاس نفوس جماعة من الأعيان، وشكَّكهم في المهديّ، حتى جاهره مقدّمهم بذلك فقتله، وتأكدت الوحشة بين المهدي وبين الأَخَوَيْن، وجماعة من كُتَامة، وقصدوا إهلاك المهديّ، فتلطّف حتى فرّقهم في الأعمال، ورتب من يقتل الأَخَوَيْن، فعسكرا بمن معهما وخرجا، فَقُتِلا سنة ثمانٍ وتسعين، وقُتِل معهما خلْق. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ست وتسعين وثلاثمائة.
فيها تولّى ابن الْأكفاني قضاءَ جميع بغداد. وفيها جلس القادر باللَّه لأبي المنيع قرواش بْن أَبِي حسّان، ولقّبه بعميد الدولة، وتفرد قرواش بالإمارة. وحجّ بالناس مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن عُمَر العَلَوِي، وخطب بالحَرَمَيْن للحاكم صاحب مصر عَلَى القاعدة، وأمر النّاسَ بالحَرَمَيْن بالقيام عند ذكره، -[690]- وفعل مثل ذَلِكَ بمصر، وكان إذا ذُكِر قاموا وسجدوا فِي السُّوق، وفي مواضع الاجتماع، فإنّا لله وإنّا إِلَيْهِ راجعون، فلقد كَانَ هَؤُلاءِ العُبَيْدِيُّون شرًّا عَلَى الْإسلام وأهله من التتر. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ست وتسعين وأربعمائة
كَانَ يَنّال بْن أنُوشْتِكِين الحُساميّ من أمراء السلطان محمد، فسار هُوَ واخوه عليّ من جهة محمد إلى الري، وأقام الخطبة بها لمحمد وصادر أهلها، وعسف وعمل كل بخس، فورد إِلَيْهِ الأمير برسق من جهة السلطان بَركيَارُوق، فاقتتلا بظاهر الرّيّ، فانهزم ينّال وسلك الجبال، وقُتِل خلْقٌ من أصحابه، فقدم بغداد في سبعمائة فارس، فأكرمه المستظهر بالله، واجتمع هُوَ، وإيلغازي، وسقمان ابنا أُرْتُق، وتحالفوا عَلَى مناصحة محمد، وساروا إلى سيف الدولة صدقة، فحلف لهم. ورجع ينّال فظلم ببغداد وعَسَف، واستطال عسكرُه عَلَى العامّة بالضَّرْب والأذِيّة البالغة والمصادرة، وتزوَّج هُوَ بأخت إيلغازي، فبعث الخليفة إِلَيْهِ ينهاه عن الظلم، فلم ينته، وسار بعد أشهرُ إلى أوانا، فنهب وقطع الطريق، وأقطع القرى لأصحابه، ثم شعث باجسرا، وقصد شهرابان، فمنعه أهلها، فقاتلهم، فقتل بينهم طائفة، وسار، لا سلّمه اللَّه، إلى أذْرَبَيْجان قاصداً مخدومه السلطان محمدا. وكان قد ورد قبله إلى بغداد كَمُشْتِكِين شِحْنةً من قبل بَركيَارُوق، وكان بها أيضًا شحنة لمحمد، وهو إيلغازي بن أرتق، فجرت فتنة، وترك الخطباء الدعوة للسلطان، واقتصروا على الدعاء للخليفة لا غير، وجاء سُقْمان نجدةً لأخيه، فعاث وأفسد ونهب، واجتمع بأخيه فنهبا دجيلاً، ولم يبقيا على أحد، -[687]- واقتضت الأبكار، وعملا ما لا تعمله التتار، وغلت الأسعار. وسار كمشتكين القيصري إلى واسط، فتِبعه سيف الدّولة بالعرب وهزمهم. وفي جُمَادَى الآخرة، كَانَ المصافّ الخامس بين بَركيَارُوق ومحمد عَلَى باب خُوَيّ، فانهزم عسكر محمد، وانهزم هُوَ إلى أَرْجِيش من أعمال خِلاط، ثمّ سار إلى خِلاط، واتصل بِهِ الأمير علي صاحب أرزن الروم. وفي رجب قبض الخليفة عَلَى وزيره سديد الملك أبي المعالي، وحبس. وولى النّظر في الوزارة أبو سَعِيد بْن الموصلايا الملقب بأمين الدولة. وفيها سار الملك دُقَاق إلى الرَّحْبة وحاصرها، وتسلّمها وحصّنها، ورجع وتسلّم أيضًا حمص بعد صاحبها جناح الدولة. وفيها قدمت عساكر مصر، فحاصرت يافا وبها الفرنج، ثم التقوا هم والفرنج، فهزموهم، وقتلوا من الفرنج أربعمائة، ودخلوا بثلاثمائة أسير. ثم جاء خلق من الفرنج في البحر لزيارة بيت المقدس. وفيها كَانَ الحصار مستمرًا عَلَى طرابلس، والناس من الفرنج بالشام في بلاءٍ شديد. وفيها نازلت الفرنج الرستن، ثم ترحلوا، وجرت لهم وقعات، واستولوا عَلَى شيء كثير من الشام، وهادنهم أمراء البلاد عَلَى مالٍ يؤدونه إليهم كلّ عام، فلا قوة إلّا باللَّه. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ست وتسعين وخمسمائة
فيها مات السّلطان علاء الدّين خُوارزم شاه تكش، وقام بعده ابنه محمد. وفيها كان الملك الأفضل والملك الظّاهر على حصار دمشق، والعساكر قائمة بمنزلتهم، قد حفروا عليها خندقًا من أرض اللّوان إِلَى يلدا احترازًا من مهاجمة الدّمشقييّن لهم، وعظُم الغلاء بدمشق، وزاد البلاء، وكادت أن تُعدم الأقوات بالكُلّيَّة، ونفذت أموال الملك العادل على الأمراء والْجُنْد، وأكثر الاستدانة من التّجّار والأكابر، وكان يدبّر الأمور بعقلٍ ومكر ودهاء، حتّى تماسك أمره، ثمّ فارقه جماعة أمراء، فكتب إِلَى ابنه الكامل: أنْ أسرعْ إليَّ بالعساكر، وخذ من قلعة جعبر ما تنفقه في العساكر، فسار الكامل ودخل جعبر، وأخذ منها أربعمائة ألف دينار، وسار إِلَى دمشق، وتَوَانى الأخَوَان عن معارضته، فدخل البلد وقوي به أَبُوهُ، وضعُف أمر الظّاهر والأفضل، ووقع بينهما على مملوك للظّاهر كان مليحًا أخذه الأفضل وأخفاه، ثمّ رحل الأفضل والظّاهر إِلَى رأس الماء وافترقا، وهجم الشّتاء، ورد الأفضل إِلَى مصر، والظّاهر إِلَى حلب، فخرج العادل يتبع الأفضل، فأدركه عند الغرابيّ من رمْل مصر، ودخل العادل القاهرة، فرجع الأفضل إِلَى صَرْخَد منحوسًا. وكان فِي أوّل السّنة قد وَصَلَ ابن أخي السّلطان خُوارزم شاه مستغفرًا عن عمّه ممّا أقدم عليه من مواجهة الدّيوان بطلب الخطبة، فأكرم مورده. وقال القاضي جمال الدّين ابن واصل: ثمّ سار الأفضل والظّاهر إِلَى رأس الماء، وعزما على المُقام به إِلَى أن ينسلخ الشّتاء، فتواترت الأمطار، وغلت الأسعار، فاتّفقا على الرحيل وتأخير الحصار إلى الربيع. ودخل الأفضل مصر، وتفرّق عسكره لرعي دوابّهم، بعد أن خامَرَ منهم طائفةٌ كبيرة إِلَى العادل، ورحل العادل فدخل الرمل، فرام الأفضل جَمْعَ العساكر، فتعذّر عليه، -[940]- فخرج فِي عسكرٍ قليل، ونزل السّائح، وعمل المُصافّ مع عمّه، فانكسر وولّى، والمصريّون منهزمين، وكان بعضهم مخامرين وتخاذلوا عَنْهُ، فاضطرّ إِلَى أن ترك مصر، وتعوَّض بميَّافارقين، وحاني وسُمَيْساط، ودخل العادل القاهرة فِي الحادي والعشرين من ربيع الآخر، واجتمع به الأفضل، ثمّ سافر إلى صرخد. ثُمَّ طلب العادل ابنه الكامل، وملك الدّيار المصريَّة، وجعل ابنه الكامل نائبًا عَنْهُ، فناب عَنْهُ قريبًا من عشرين سنة، ثمّ استقلّ بالملك بعده عشرين سنة وأشهُرًا. وأنبأنا ابن البُزُوريّ قال: فِي ربيع الآخر التقى عسكر العادل وعسكر الأفضل، فانهزم عسكر الأفضل وهو إِلَى القاهرة، فساق العادل ونزل محاصِرًا القاهرة، فأرسل الأفضل إلى عمّه العادل يقنع منه ببعض بلاده، فقال للعادل: أريد دمشق، فلم يُجِبْه، ثُمَّ آل الأمر إِلَى أن رَضِيَ بميّافارقين وخرج من مصر، ودخلها العادل فعمل أتابيكة الملك المنصور عليّ ابن الْعَزِيز، ثُمَّ لم يبرح يتلطّف ويتألّف الأمراء إِلَى أن ملك الدّيار الْمِصْرِيَّة، وخطب لنفسه وقال: هَذَا صبيّ يحتاج إِلَى المكتب ثُمَّ قطع خطبة الصَّبي. وفيها قدِم بغدادَ من المغرب رسول الملثّمة، من مخدومه إِسْحَاق بْن يحيى بْن إِسْحَاق بن غانية الملثَّم المايرقيّ الخارج على بني عَبْد المؤمن، فتلقّي بالموكب الشّريف، وأخبر أن مرسله أقام الدّعوة للخليفة ببلاده بلاد المغرب. أنبأني ابن البُزُوريّ قال: أُخبِرت أنّ الرَّسُول المذكور كان ملثّمًا لا يظهر منه سوى عينيه، وأقام ببغداد أيّامًا، وأُعطي لواءً أسود وخِلَعًا، وأعيد إلى مرسله. وحجّ من العراق بالنّاس سُنْقُر النّاصريّ، ويُعرف بوجه السَّبع. ولمّا تمكّن السلطان الملك العادل سيف الدّين أبو بَكْر من مملكة مصر سيَّر الأميرين عَلَم الدّين كرجيّ الأَسَديّ، وأسد الدّين سراسُنْقُر ليُحضِرا ولده الملك الكامل، فدخل الكامل إِلَى القاهرة فِي أواخر رمضان من السنَّة، وخرج العادل بأمراء الدّولة المصريَّة بأن يبرزوا معه ليسيروا إلى خلاط، وحثهم على ذلك. فلما كان سابع عشر شوّال ركب بالسّناجق والسّيوف المجذَّبة فِي الدَّست، فلم يجسر أحدٌ من الأمراء أن ينطق، وأمر الخطباء أن يخطبوا باسمه -[941]- كما ذكرنا، ثُمَّ لم يلبث إلّا أيّامًا يسيرة حتّى سلطن ولده الكامل على الدّيار المصرية، وقدِم عليه أخوه لأمّه صاحب المدرسة الفَلَكيَّة بدمشق فلك الدّين سليمان بن سروة بن جلدك. وفيها كان نقص النّيل، والغلاء والوباء المُفْرِط، وخربت ديار مصر، وجَلا أهلها عَنْهَا، واشتدّ البلاء فِي سنة سبْعٍ، وأكلوا الْجِيَف، ثُمَّ أكلوا الآدميّين، ومات بديار مصر أممٌ لا يُحصيهم إلّا اللَّه، وكسر النّيل من ثلاثة عشر ذراعًا إلّا ثلاثة أصابع، وقيل لم يكمل أربعة عشر ذراعًا. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ست وتسعين وستمائة
فِي ثاني المُحَرَّم دخل السّلطان زين الدِّين كَتْبُغا دمشقَ راجعًا من حمص، ثُمَّ صلّى الْجُمُعَة بالجامع وأخذ من النّاس قَصَصَهم حَتَّى قيل إنّه رَأَى شخصًا بيده قَصّة فتقدّم بنفسه إليه خُطُوات وأخذها منه. ثُمَّ جلس من الغد بدار العدل وكتب على القَصَص. ووُلّي حسبةَ دمشق الزّينُ عمرُ أخو الصّاحب شهاب الدين الحنفي. وصلى السلطان الْجُمُعَة الثانية من المُحَرَّم بجامع دمشق، ثُمَّ مشى إلى عند المكان الملقّب بقبر هود فصلّى عنده وصعِد في هذا اليوم إلى مغارة الدّم وزار، ثُمَّ صلّى الْجُمُعَة الثالثة أيضًا بالجامع. -[695]- وأعطى الملك الكامل طبل خاناه. وفيه قُيِّد أسَنْدمُر وحُبِس وولي الشّدّ فتح الدين ابن صبرة ورُسِّم للأعسر بأن يسافر مع الجيش إلى مصر وولي محيي الدين ابن الموصلي وكالة البيسري وخلع عليه لذلك. وسافر السّلطان من دمشق فِي ثاني وعشرين المحرم وخرج القضاة لتوديع الصاحب. ولمّا كان سلْخ المُحَرَّم اشتهر بالبلد أنّ الجيش مختبط وأُغِلق باب القلعة وتهيّأ نائب السلطنة غرْلُو وجمع الأمراء وركب بعض العسكر على باب النَّصر، فَلَمّا كان قريب العصر وصل السّلطان الملك العادل إلى القلعة فِي خمسة مماليك فقط وكان قد وصل فِي أول النّهار أمير شكار مجروحًا وهو الَّذِي أعلم بالأمر، فدخل الأمراء إلى الخدمة وخُلع على جماعة واحتيط على نوّاب نائب السلطنة الحسام لاجين وحواصله بدمشق. وكان الأمر الَّذِي جرى بقرب وادي فحمة بُكْرة الإثنين ثامن وعشرين المُحَرَّم وهو أنْ حسام الدِّين لاجين قتل الأميرين بتخاص وبكتوت الأزرق العادليَّين وكانا شهمْين شجاعين عزيزين عند العادل، فَلَمّا رَأَى العادل الهَوْشة خاف على نفسه وركب فرس النِّوْبة وساق ومعه هَؤُلَاءِ المماليك، فوصل فِي أنحس تقويم، كأنّه مقدم من الحلقة وعليه غبرة ودوابّهم قد شعثت وكَلّتَ والسّعادة قد ولّت عَنْهُ. وأمّا لاجين فساق بالخزائن وركب فِي دَسْت المُلْك وساق الجيوش بين يديه وبايعوه ولم يختلف عليه اثنان وسلطنوه في الطريق. وبعد يومين وصل إلى دمشق زين الدّين غلبك العادليّ ومعه جماعةٌ يسيرة من مماليك العادل. ولزِم شهاب الدِّين الحَنَفِيّ القلعة لمصالح السلطنة وتدبير الأمور. وكان القمح فِي هذه المدّة بنحو مائةٍ وثمانين درهمًا. وفي ثالث عشر صَفَر اشتهر بدمشق سلطنة الملك المنصور حسام الدّنيا والدّين لاجين. وأنّه خطب له بالقدس وغزة وكان العادل قد عزم على مراسلته، ثُمَّ بَطَل ذَلِكَ. وأقام هذه المدّة بالقلعة وأمر جماعة وأطلق بعض -[696]- المكوس. ثُمَّ جاء الخبر بزينة صفد ودقِّ البشائر بها وكذلك الكَرَك ونابلس. فبعث العادل طائفةً مع طقصبا الناصريّ لكشف الأمر، فتوجّهوا فِي ثاني وعشرين صَفَر، فبلغهم فِي اليوم دخول السلطان الجديد القاهرة. فردوا. واتّفق فِي يوم الرابع والعشرين وصول كجكن والأمراء من الرحبة، فلم يدخلوا دمشق، بل نزلوا بقرب مسجد القدم وأظهر كجكن سلطنة المنصور وأعلن بها. فخرج إليه أمراء دمشق طائفة بعد طائفة. وتوجّه أميران إلى القاهرة. فتحقّق العادل زوال مُلكه، فأذعن بالطّاعة وقال لهم: يا أمراء، هذا الرجل هُوَ خُشداشيّ وأنا فِي خدمته وطاعته. وحضر الأمير جاغان الحُساميّ إلى القلعة، فقال له العادل: أَنَا أجلس فِي مكانٍ بالقلعة حتى تكاتب السّلطان وتفعل ما يرسم به، فَلَمّا رَأَى الأمراء منه ذَلِكَ تركوه وخرجوا وتجمّعوا بباب الميدان وحلفوا لصاحب مصر. ورُكبت البُرُد بذلك. واحتفظ بالقلعة وبزين الدِّين كَتْبُغا وغُلّقت أكثر أبواب المدينة. ثُمَّ دُقّت البشائر وزُيّن البلد. واختفى الشهاب الحَنَفِيّ، ثُمَّ من الغد اجتمع القضاة بدار السّعادة وحلفت الأمراء بحضورهم وحضور سيف الدين غرلو العادليّ النّائب وأظهر السّرور وحلف وقال: أَنَا الَّذِي عيّنني للنيابة هُوَ السّلطان حسام الدين وإلا فأستاذي كان استصغرني. ثُمَّ إنّه سافر هو وسيف الدين جاغان. ثُمَّ وصل كتاب السّلطان بأنّه جلس على كرسي المُلْك بمصر فِي يوم الْجُمُعَة عاشر صفر ويوم مُسْتَهَل ربيع الأوّل خُطب بدمشق له وحضر بالمقصورة القضاة والأمير شمس الدِّين الأعسر وكان قد قَدِمَ وسيف الدِّين كجكن وسيف الدين سندمر وغيرهم. وفي تاسع عَشْر صفر كان ركوب السّلطان بمصر بالخلعة الخليفتية والتقليد الحاكمي. وفي ثامن ربيع الأوّل توجّه من دمشق القاضي إمام الدِّين القزوينيّ، ثُمَّ القاضي حسام الدين الحنفي والقاضي جمال الدين المالكي. وفي حادي عَشْر ربيع الأوّل وصل الأمير سيف الدِّين جاغان ودخل إلى القلعة هُوَ والحسام أستاذ دار وكان قد جاء إلى دمشق فِي التّحليف وسيف الدِّين كجكن وقاضي القضاة بدر الدِّين فتكلّم السّلطان كَتْبُغا مع -[697]- الأمراء بالتُّركيّ كلامًا طويلًا وفيه عتب عليهم، ثُمَّ إنّه حلف يمينًا طويلة يقول فِي أولها: أقول وأنا كتبغا المنصوري إنني راض بالمكان الذي يُعيّنه السّلطان له ولا يُكاتب ولا يُسارر، ثم خرجوا من عنده. واشتهر أنّ المكان المعيَّن له صرخد. ولم تذكر في اليمين. وجاء مع جاغان تولية الوزارة للصّاحب تقي الدِّين توبة بَدَل الحَنَفِيّ. وتولية أمين الدِّين ابن هلال نظر الخزانة وكان قد باشرها شهرًا التقي توبة بعد محيي الدين ابن النّحاس. وتولية الحسبة لأمين الدِّين يُوسُف الروميّ الإمام الحسامي صاحب الأيكي. وفي سادس عَشْر ربيع الأوّل دخل دمشق الأمير سيف الدِّين قبجق المَنْصُورِيّ على النيابة. وفي جُمَادَى الأولى وُلّي قضاءَ الشَّام إمامُ الدين القزويني عوض ابن جماعة ووُلّي ابن جماعة تدريس القَيْمُريَّة عِوَض إمام الدين وولي الشد جاغان وممن سافر إلى مصر للهناء، تقي الدين توبة والملك الكامل. وولي نظر الدواوين فخر الدين ابن الشيرجي عوضًا عن أمين الدين ابن صصرى. وسار الأعسر إلى مصر فوُلّي بها الوزارة مع الشّدّ وسُلِّم إليه ابن الخليليّ فصادره. وفي شعبان قدم الشريف زين الدين ابن عدنان بنظر الدواوين وصُرف ابن الشيرجيّ. ثُمَّ جاء توقيع بذلك لأمين الدين ابن هلال. وولي مكانه الخزانة أمين الدين ابن صصرى. وحجّ بالشاميّين الأمير كُرْجي وحجّ الأميران المطروحيّ وبهادر آص، ثم باشر فخر الدين ابن الشيرجي نظر الخزانة بدل ابن صصرى. وكان السّلطان حسام الدِّين قد استناب بالديّار المصرية قُراسُنْقُر ثم قبض عليه فِي نصف ذي القعدة واستناب مملوكه منكودمر الحُساميّ، ثُمَّ مُسِك الأعسر فِي ذي الحجّة واحتيط على حواصلهما. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي