تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ سِتٍّ وَثَلاثِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ أَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ الْكُوفِيُّ، وَجَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ الْمِصْرِيُّ عَلَى الأَصَحِّ، وَحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلْمِيُّ، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقِيهُ الْمَدِينَةِ ذو الرأي، وزيد بْنُ أَسْلَمَ فِي آخِرِ السَّنَةِ فِي قَوْلٍ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ السَّفَّاحُ، وَزَيْدُ بْنُ رَفِيعٍ فِي قَوْلٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُمْهَانَ بِالْبَصْرَةِ، وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ فِي قَوْلٍ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْحَارِثِ الْمِصْرِيُّ الْعَابِدُ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، وَعَلِيُّ بن بذيمة الحراني، والعلاء بن الحارث الْحَضْرَمِيُّ، وَمُغِيرَةُ بْنُ مِقْسَمٍ فِي قَوْلٍ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاق بِالْبَصْرَةِ. وَفِيهَا كَتَبَ أَبُو مُسْلِمٍ صَاحِبُ الدَّوْلَةِ إِلَى السَّفَّاحِ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْقُدُومِ، فَأَذِنَ لَهُ فَاسْتَخْلَفَ عَلَى خُرَاسَانَ خَالِدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فَقَدِمَ فِي جَمْعٍ وَحِشْمَةٍ عَظِيمَةٍ، وَتَلَقَّاهُ الأُمَرَاءُ وَبَالَغَ الْخَلِيفَةُ فِي إِكْرَامِهِ فَاسْتَأْذَنَ فِي الْحَجِّ، فَقَالَ: لَوْلا أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ يَحُجُّ لَوَلَّيْتُكَ الْمَوْسِمَ، وَكَانَ أَبُو جَعْفَرٍ إِذْ ذَاكَ بِالْحَضْرَةِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَطِعْنِي وَاقْتُلْ أَبَا مُسْلِمٍ، فَوَاللَّهِ إِنَّ فِي رَأْسِه لَغَدْرَةٌ، فَقَالَ: يَا أَخِي، قَدْ عَرَفْتَ بَلاءَهُ وَمَا كَانَ مِنْهُ، فَرَاجَعَهُ، فَقَالَ: كَيْفَ نَقْتُلُهُ؟ فَقَالَ: إِذَا دَخَلَ عَلَيْكَ وَحَادَثْتُهُ دَخَلْتُ أَنَا وَتَغَفَّلْتُهُ وَضَرَبْتُ عُنُقَهُ مِنْ خَلْفِهِ، فَقَالَ: كَيْفَ بِأَصْحَابِهِ الَّذِينَ يُؤْثِرُونَهُ عَلَى دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ؟ قَالَ: يؤول ذَلِكَ إِلَى كُلِّ مَا تُرِيدُ، وَلَوْ عَلِمُوا بِقَتْلِهِ تَفَرَّقُوا، وَأَخَافُ إِنْ لَمْ تَتَغَدَّ بِهِ يَتَعَشَّاكَ، قَالَ: فَدُونَكَ، فَخَرَجَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ السَّفَّاحُ: لا تَفْعَلْ. ثُمَّ حَجَّ فِيهَا أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو مُسْلِمٍ، فَلَمَّا انْقَضَى الْمَوْسِمُ وَقَفَلا وَرَدَ الْخَبَرُ بِذَاتِ عِرْقٍ بِمَوْتِ السَّفَّاحِ، وَكَانَ قَبْلَ مَوْتِهِ بمُدَيْدَةَ قَدْ عَقَدَ لِأَبِي جَعْفَرٍ بِالأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ، وَقَامَ بِأَمْرِ الْبَيْعَةِ يَوْمَ مَوْتِ السَّفَّاحِ عِيسَى بْنُ مُوسَى ابْنُ عَمِّهِ، وَبَعَثُوا أَبَا غَسَّانَ بِبَيْعَةِ أَبِي جَعْفَرٍ إِلَى عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ، وَكَانَ رَاجِعًا فِي الطَّرِيقِ مِنْ عِنْدِ السَّفَّاحِ فَبَايَعَ عَسْكَرَهُ وَقُوَّادَهُ لِنَفْسِهِ، وَزَعَمَ أَنَّ السَّفَّاحَ جَعَلَ لَهُ الأَمْرُ، ثُمَّ دَخَلَ حَرَّانَ وَغَلَبَ عَلَى الشَّامِ، وَقَدِمَ أَبُو جَعْفَرٌ الْمَنْصُورُ مِنَ الْحَجِّ، فَدَخَل الْكُوفَةَ بِأَهْلِهَا الْجُمُعَةَ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ستٍّ وثلاثين ومائتين
فيها تُوُفِيّ أحمد بْن إبراهيم الْمَوْصِليّ، وإبراهيم بْن أبي معاوية الضَّرير، وإبراهيم بْن المنذر الحزاميّ، وأبو إبراهيم التَّرْجُمانيّ إسماعيل بْن إبراهيم، وأبو مَعْمَر القَطِيعيّ إسماعيل بْن إبراهيم، والحارث بْن سُرَيْج النَّقّال، والْحَسَن بْن سهل وزير المأمون، وخالد بْن عَمْرو السلفي، وصالِح بْن حاتِم بْن وردان، وأبو الصَّلْت الهَرَويّ عبد السلام بْن صالِح، ومحمد بْن إسحاق المسيّبيّ، ومحمد بْن عَمْرو السَّوّاق، ومحمد بْن مقاتل العبَّادانيّ، ومُصْعَب بْن عبد اللَّه الزُّبَيْرِيّ، ومنصور بْن المهديّ الأمير، ونصر بْن زياد قاضي نيسابور. وهدبة بن خالد. وفيها أشْخَص المتوكّل القُضاة من البلدان لبَيْعة ولاة العهد أولاده: المنتصر بالله محمد، وَمِنْ بعده الْمُعْتَزّ بالله محمد، وَمِنْ بَعْدِهِ المؤيَّد بالله إبراهيم. وبعث خَوَاصَّهُ إلى البُلدان ليأخذوا البيعة بذلك. -[748]- وفيها، أو في حدودها، وثبوا على نائب دمشق سالم بن حامد، فقتلوهُ يوم الجمعة على باب الخضراء. وكان من العرب، فلمّا وُلِّيَ أذَلَّ قومًا بدمشق من السَّكُون والسَّكاسِك، ولَهم وَجَاهةٌ وَمَنعة، فثاروا به وقتلوه. فندبَ المتوكّل لدمشق أفريدون التُّرْكيّ، وسَيَّرهُ إليها. وكان شُجاعًا فاتكًا ظالِمًا، فقدِم في سبعة آلاف فارس، وأباح لَهُ المتوكّل القتل بدمشق والنَّهْب - على ما نُقِلَ إلينا - ثلاث ساعات. فنزل ببيت لِهْيَا، وأراد أن يصبح البلد، فلمّا أصبح نظر إلى البلد وقال: يا يوم ما يُصبحك منّي. وقُدِّمَت له بغلة فضربته بالزَّوْج فقتلته، وقبر ببيت لِهْيا، وردّ الجيش الذي معه خائفين. وبلغ المتوكّل، فصلُحت نيته لأهل دمشق. وفيها أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بْن عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وهدم ما حوله من الدُّور، وأن تُعمل مزارع. ومنع الناس من زيارته وحُرِثَ وبقي صحراء. وكان معروفًا بالنّصب، فتألّم المسلمون لذلك، وكتب أهل بغداد شتْمَه على الحيطان والمساجد، وهجاهُ الشعراء، دِعْبِل، وغيرُه. وفي ذلك يقول يعقوب بْن السِّكّيت، وقيل: هي للبسّاميّ عليّ بْن أحمد، وقد بقي إلي بعد الثلاثمائة: تالله إن كانت بنو أمية قد أتت ... قَتْلَ ابنِ بنت نبيّها مظلوما فلقد أتاهُ بنو أبيه بِمثله ... هذا لَعَمْرُكَ قبره مهدوما أسِفُوا على أن لا يكونوا شاركوا ... في قَتْله، فتتبَّعوه رَميمَا وفيها غَزَا عليّ بْن يحيى الصّائفة في ثلاثة آلاف فارس، فكان بينه وبين ملك الروم مصاف، انتصر فيه المسلمون، وقُتِلَ خلقٌ من الروم، وانْهَزَمَ ملكهم في نَفَرٍ يسير إلى القسطنطينية. فسار الأميرُ عليّ، فأناخ على عَمُّورِيَة، فقاتل أهلها، وأخذها عُنْوَةً، وقتل وأسر، وأطلق خلْقًا من الأسر، وهَدَم كنائسها، وافتتح حصن الفطس، وسبى منه نحو عشرين ألفًا. وحج بالناس محمد المنتصر وليّ العهد، ومعه أُمُّ المتوكّل وشيَّعها المتوكّل إلى النّجف ورجع، وأَنْفَقَتْ أموالًا جزيلة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ست وثلاثين وثلاثمائة
فيها خرج المطيع ومُعّز الدّولة من بغداد إلى البصرة لمحاربة أبي القاسم عبد الله ابن البريديّ، فسلكوا البرية، فلمّا قاربوها استأمن إِلَى مُعز الدّولة جيش البريديّ، وهرب هو إلى القرامطة. وملك معز الدّولة البصرة، وأقطع المطيع منها ضياعًا. وفيها وصل عماد الدّولة عليّ بن بويه إلى الأهواز، فبادره أخوه معز الدّولة إلى خدمته، وجاء فقَّبل الأرضَ ووقفَ وتأدَّب معه. ثمّ بعد أيّام ودّعه، -[639]- وعاد معز الدّولة وقد أخذ واسطًا والبصرة. وفيها وردت الأخبار بأنّ نوحًا صاحب خُراسان كحّل أخوَيْه وعمّه إبراهيم وفيها ظفر المنصور صاحب المغرب بمَخَلْد بن كَيْداد، وقتل قوّاده، ومزّق جيشه. وفيها تُوُفيّ أبو بكر محمد بن يحيى الصُوليّ النديم الإخباريّ العلامة صاحب الهندسة والبراعة في الشَطَرنْج. وقع لنا جزءٌ من حديثه بعُلو. وفيها أغارت الروم - لعنهم الله - على أطراف الشّام، فسبوا وأسروا، فسَاقَ وراءهم سيف الدّولة ولِحقَهم، فقتل منهم مقتلة، واستردّ ما أخذوا، ثمّ أخذ حصْن بَرْزَيَة من الأكراد بعد أن نازله مدّةً، ثمّ افتتحه في سنة سبعْ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ستّ وثلاثين وأربعمائة
فيها نُقِل تابوت جلال الدّولة إلى تُرْبتهم بمقابر قريش. ودخل الملك أبو كاليجار بغداد، وصرف أبا المعالي بن عبد الرّحيم عن الوزارة موقَّرًا، ووُلِّي أبو الفرج محمد بن جعفر بن العباس. وتُوُفّي المُرْتَضَى، وقُلِّد مكانه ابن أخيه أبو أحمد عدنان ابن الشريف الرضي. وتُوُفّي بمصر الوزير الْجَرْجَرائيّ، فَوَزَرَ أبو نصر أحمد بن يوسف الذي أسلم. وضَرَب أبو كاليجار الطَّبْل في أوقات الصَّلوات الخَمْس، ولم تكن المُلُوك يُضْرب لها الطَّبْل ببغداد إلى أيّام عضُد الدّولة فأُكرِم بأن ضرب له ثلاث مرّات. فأحدَث أبو كاليجار ضرب الطبل في أوقات الصلوات الخمس. وفيها ولي رئيس الرّؤساء أبو القاسم عليّ ابن المسلمة كتابة القائم بأمر الله، وكان ذا منزلة عالية منه. وفيها ولد نزار ابن المستنصر العُبيديّ المصريّ الّذي قتله الأفضل ابن أمير الجيوش، والله أعلم. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ست وثلاثين وستمائة
فِي أوّلها قبض الملك الجوادُ صاحبُ دمشق على الوزير صفي الدين ابن مرزوق، وأخذ منه أربعمائة ألف درهم، وسُجِنَ بقلعة حِمْص، فبقي ثلاثَ سنين لَا يرى الضَّوء. وقيل: حُبِسَ اثنتي عشرة سنةً، ولكنَّ أسد الدّين شيركوه أظهرَ موته. -[20]- وفيها تمَّهن الجوادُ وضعُف عن سَلْطَنة دمشق، وقايَضَ الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب بْن الكامل بدمشق سنجار وعانة. وكان الجوادُ قد سلَّطَ عَلَى أهل دمشق خادمًا يقال لَهُ: النّاصح، فصادَرَهُم، وضربَ، وعَلَّقَ. قَالَ أَبُو المظفر ابن الجوزي: ذكر لي سعد الدين مسعود ابن تاج الدّين شيخ الشيوخ قَالَ: خرجنا من القاهرة في ربيع الأول، فودع عماد الدين إخوته فقال لَهُ أخوه فخر الدّين: ما أرى رواحَكَ رأيًا، وربما آذاك الجوادُ. فقال: أَنَا ملَّكْتُه دمشقَ فكيف يُخالفني؟ قَالَ: صَدَقْتَ، أنت فارقته أميرًا، وتعود وقد صار سُلطانًا، فكيفَ يسمحُ بالنّزولِ عن السّلطنة؟ وأمّا إذا أبيتَ، فانزِلْ عَلَى طَبَريَّة وكاتِبْه، فإنْ أجابَ، وإلا فتقيُم مكانك، وتعرِّف العادلَ. فلم يلتفت إلى قول فخر الدّين، وسار. قَالَ سعد الدّين: فنزلنا المُصَلَّى، وجاءَ الجوادُ فتلقّانا وسارَ معنا، وأنزل عمادَ الدّين فِي القلعةِ. وقَدِمَ أسدُ الدّين شيركُوه من حِمْص، وبعثَ الملك الجواد لعماد الدّين الذّهبَ والخِلَعَ، فما وصلني من رشاشِها مطرٌ مَعَ ملازمتي لعمادِ الدّين في مرضه، فإنه ما خرج من القاهرة إلا في محفةٍ. ثم إن الجواد رسم عَلَيْهِ فِي الباطن ومنعه الركوب، واجتمع بِهِ وقال: إذا أخذتم منّي دمشق وأعطيتموني الإسكندرية، فلابد لكم من نائب بدمشق فاحسبوني ذَلِكَ النّائب، -[21]- وإلّا فقد نفَّذتُ إلى الصالح نجم الدّين أُسَلِّم إِلَيْهِ دمشق، وأذهب إلى سنجار. فقال: إذا فعلت هذا أصلحت بين الصالح وأخيه العادل، وتبقى أنت بغير شيءٍ. فقام مغضبًا، وقصَّ عَلَى أسد الدّين ما جري، فقال لَهُ: والله لئن اتَّفَقَ الصّالحُ والعادلُ ليتركونا نشحذ فِي المخالي. فجاء أسدُ الدّين إلى عماد الدّين وقال: مصلحةٌ أن تكتب إلى العادل تستنزله عن هذا الأمرِ. فقال: حتّى أروح إلى مقام برزة وأُصلّي صلاة الاستخارَة. فقال: تروح إلى برزة وتهرب إلى بعلبك؟ فغَضبَ من هذا. ثمّ اتّفق شِيركُوه والجوادُ عَلَى قتله. وسافرَ شيركوه إلى حمص، ثمّ بعثَ الجوادُ يَقُولُ: إن شئت أن تركب وتتنزَّه، فاركَبْ فاعتقد أن ذَلِكَ عن رضًى، فَلَبِسَ فَرَجيَّة وبعَثَ إِلَيْهِ بحصانٍ، فلما خَرَجَ من باب الدّار، وقابله النصرانيُّ بيده قصةٌ فاستغاث، فأراد حاجبه أن يأخذها، فقالَ: لَا، لي مع الصاحب شغلٌ. فقال عماد الدين: دعوه، فتقدّم إِلَيْهِ وناوَلَه القصَّة، ثمّ ضَرَبه بسكينٍ عَلَى خاصرته بدَّد مصارينَه، وَوَثَب آخُر فضربه عَلَى ظهره بسكّين، فرُدّ إلى الدّار مَيْتًا. وأخذ الجوادُ جميعَ تَركَتِه، وعَمِلَ محضرًا يتضمَّنُ أنه ما مالأ على قتله، وبعث إلى أبي، فقال: اطلع، فجهز ابن أخيك، فجهزناه وأخرجناه. وكانت له جنازةٌ عظيمةٌ، ودفناه بقاسيون في زاوية الشيخ سعد الدين ابن حمويه. وعاش ستا وخمسين سنة. وقد كتب مرّةً عَلَى تقويم: إذا كَانَ حُكْمُ النَّجْمِ لَا شَكَّ َواقعا ... فما سَعْيُنا فِي دَفْعِه بنجيحِ وإنْ كانَ بالتّدبيرِ يُمكنُ ردُّهُ ... عَلِمْنا بأنَّ الكُلَّ غيرُ صَحيحِ قَالَ أَبُو المظفَّر: وحبس النصراني أياما وأطلق. وخرج الجواد عن دمشق فتسلَّمها الملكُ الصّالح، وعَبَر فِي أوّل جُمَادَى الآخرة، والملكُ الجوادُ والملكُ المظفَّر الحمويّ بين يديه يحملان الغاشية بالنَّوبة، فنزل بالقلعة. ثمّ نَدِمَ الجوادُ حيثُ لَا ينفعُه النّدمُ، وطلبَ الأمراء وحلَّف جماعةً، فعَلِمَ الملكُ الصّالح فهمّ أنْ يحرِقَ عَلَيْهِ دارَه، فدخل ابن جرير فِي الصُّلح. وخَرَجَ الجوادُ إلى النَّيْرَب، ووقف الناسُ عَلَى باب النصر يدعونَ عَلَيْهِ ويسمعونه لكونه صادرهم وأساء إليهم. فأرسل إِلَيْهِ الصّالح ليَرُدَّ إلى النّاسِ أموالهم، فما -[22]- التفت، وسافر. واستوزَرَ الصّالحُ جمالَ الدّين عَلِيّ بْن جرير، وزير الأشرف، فمات بعد أيام. قلتُ: ثمّ وَلِيَ الوزارة بعده - عَلَى ما ذكر سعد الدّين فِي " جريدته " - تاجُ الدّين ابن الولي الإربلي. وحصل بدمشق الغلاء، وأبيعت الغرارة بمائتين وعشرين درهما. وتوجَّه الملكُ الصّالحُ قاصدًا ديارَ مصرَ، وكاتبَ عمَّه عمادَ الدّين إِسْمَاعِيل صاحبَ بَعْلَبَكَّ ليسير إِلَيْهِ، فسارَ الصّالحُ نجمُ الدّين إلى نابُلُسَ، واستولى عَلَى بلاد الناصر دَاوُد فِي شوّال، فسار الناصرُ إلى مصر، وأقام الصّالحُ ينتظر قُدومَ عمِّه الصّالح إِسْمَاعِيل. وكان ولدُ أَبِي الخيش وعسكره عند الملك الصالح، وعمُّه فِي باطن الأمر قد كاتب ولده وناصر الدين ابن يغمور ليحلفان لَهُ الْجُنْد، والأموالُ تُفَرَّقُ بدمشق بدارِ النّجِم ابن سلام، ولم يَكُنْ أحدٌ يَجْسُرُ أن يُعرّف الملك الصّالح لهيبته. وجَبَوْا أسواقَ البَلَد لأجلِ سُوقيّة العسكر، من كلِّ دُكّان عشرة دراهم. وفي شوَّال سُرِقَ النَّعلُ الّذِي بدار الحديث، فشدَّد أولو الأمر عَلَى القُوّامِ وأهلِ الدّار، فرموه في تراب. وحدَّثني أَبُو القاسم بْن عِمران عن غير واحدٍ من مشايخ سَبْتَة أنّ الفرِنج استولَوْا عَلَى جميع قُرْطُبَة سنة ستٍّ هذه. وذكر أنّ استيلاءهم عَلَى شرقيِّها كَانَ فِي سنة ثلاثٍ وثلاثين، كما ذكرنا. قَالَ الأبَّارُ: وفي صفر سنة ستٍ أخذت الفرِنج بَلَنْسِية بعد حصار خمسة أشهر. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي