تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
47 - شَقِيقٌ، أَبُو وائل بن سَلَمَةَ الأَسَدِيُّ [الوفاة: 81 - 90 ه]
شَيْخٌ إِمَامٌ مُعَمَّرٌ. رَوَى عَنْ: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ -[943]- مَسْعُودٍ وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، وَحُذَيْفَةَ، وَعَائِشَةَ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَمُعَاذٍ، وَعَمَّارٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وأبي الدرداء وَطَائِفَةٍ. رَوَى عَنْهُ: الشَّعْبِيُّ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، وعبدة بن أبي لبابة، وحصين، ومنصور، وَالأَعْمَشُ، وَعَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ. أَسْلَمَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَانَ مِنَ الْأَذْكِيَاءِ الْحُفَّاظِ، وَالأَوْلِيَاءِ الْعُبَّادِ. قَالَ أبو الأحوص: حدثنا مسلم الأعور، عن أبي وائل قال: كنت مع عمر بالشام، فجاء دَهْقَانُ فَسَجَدَ لَهُ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: هَكَذَا نَفْعَلُ بِالْمُلُوكِ. فَقَالَ: اسْجُدْ لِرَبِّكَ الَّذِي خَلَقَكَ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: سَمِعَ أَبُو وَائِلٍ بِالشَّامِ مِنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَكَانَ ثِقَةً كَثِيرَ الْحَدِيثِ. وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يَقُولُ: أَدْرَكَتْ سَبْعَ سِنيِنَ مِنْ سِنِّي الْجَاهِلِيَّةُ. وَقَالَ أَبُو الْعَنْبَسِ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يَقُولُ: بُعِثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا غُلامٌ شَابٌّ. وَقَالَ هُشَيْمٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: أَتَانَا مُصَدِّقُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَتَيْتُهُ بكبشٍ لِي فَقُلْتُ: صَدِّقْ هَذَا، قَالَ: لَيْسَ فِيهِ صدقة. وقال الأَعْمَشُ: قَالَ لِي أَبُو وَائِلٍ: وَقَعْتُ مِنْ جَمَلِي يَوْمَ الرِّدَّةِ، أَفَرَأَيْتَ لَوْ مِتُّ، أَلَيْسَ كَانَتِ النَّارُ، وَكُنَّا قَدْ هَرَبْنَا مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ يَوْمَ بُزَاخَةَ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: كُنْتُ يومئذٍ ابْنَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً. -[944]- وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: مَا مِنْ قريةٍ إِلا وَفِيهَا مَنْ يُدْفَعُ عَنْ أَهْلِهَا بِهِ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَكُونَ أَبُو وَائِلٍ مِنْهُمْ. وَقَالَ: رَأَيْتُ النَّاسَ وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ، وَهُمْ يَعُدُّونَ أَبَا وَائِلٍ مِنْ خِيَارِهِمْ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ: قُلْتُ لِأَبِي عُبَيْدَةَ: مَنْ أَعْلَمُ أَهْلِ الْكُوفَةِ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ؟ قَالَ: أَبُو وَائِلٍ. وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا رَأَى أَبَا وَائِلٍ قَالَ: التائب، وَإِذَا رَأَى الرَّبِيعَ بْنَ خُثَيْمٍ قَالَ: {{وَبَشِّرِ المخبتين}}. وقال مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ شَقِيقٍ: أَنَّهُ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ فِي شهرين. وقال ابن المبارك: حدثنا سفيان، قال: أمهم أبو وائل، فرأى من صَوْتَهُ، قَالَ: كَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ، فَتَرَكَ الإِمَامَةَ. وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ: كَانَ أَبُو وَائِلٍ إِذَا خَلا يَنْشِجُ، وَلَوْ جُعِلَ لَهُ الدُّنْيَا عَلَى أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَأَحَدٌ يَرَاهُ لَمْ يَفْعَلْ. وَقَالَ جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ التيمي يقص في منازل أبي وائل، فكان أبو وَائِلٍ يَنْتَفِضُ انْتِفَاضَ الطَّائِرِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَاصِمٍ، قَالَ: كَانَ لِأَبِي وَائِلٍ خُصٌّ يَكُونُ فِيهِ هُوَ وَفَرَسُهُ، فَإِذَا غَزَا نَقَضَهُ، وَإِذَا رَجَعَ بَنَاهُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَاصِمٍ، قَالَ كَانَ عَطَاءُ أَبِي وَائِلٍ أَلْفَيْنِ، فَإِذَا خَرَجَ عَطَاؤُهُ أَمْسَكَ مَا يَكْفِي أَهْلَهُ سَنَةً، وَتَصَدَّقَ بِمَا سِوَاهُ. وَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ عِرْفَانَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: ابْنُكَ عَلَى السُّوقِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ جِئْتَنِي بِمَوْتِهِ كَانَ أَحَبُّ إِلَيَّ، إِنِّي لأَكْرَهُ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتِي من عمل عملهم، وقال عَاصِمٌ: كَانَ ابْنُهُ عَلَى قَضَاءِ الْكُنَاسَةِ. وَقَالَ الأَعْمَشُ: قَالَ لِي شَقِيقٌ: أَسْمَعُ النَّاسَ يَقُولُونَ: دَانِقٌ، قِيرَاطٌ، أَيُّهُمَا أَكْبَرُ، الدَّانِقُ أَوِ الْقِيرَاطُ؟ -[945]- وَقَالَ عَاصِمٌ: مَا رَأَيْتُ أَبَا وَائِلٍ مُلْتَفِتًا فِي صلاةٍ وَلا غَيْرِهَا، وَلا سَمِعْتُهُ سَبَّ دَابَّةً، إِلا أَنَّهُ ذَكَرَ الْحَجَّاجَ يَوْمًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَطْعِمْهُ مِنْ ضريعٍ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ، ثُمَّ تَدَارَكَهَا فَقَالَ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ. وَلا رَأَيْتُهُ قَائِلا لأحدٍ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ، وَلا كَيْفَ أَمْسَيْتَ. وَقَالَ عَاصِمٌ: قُلْتُ لِأَبِي وَائِلٍ: شَهِدْتَ صِفِّينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَبِئْسَتِ الصُّفُونَ كَانَتْ، فَقِيلَ لَهُ: أَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ، عَلِيٌّ أَوْ عُثْمَانُ؟ قَالَ: عَلِيٌّ، ثُمَّ صَارَ عُثْمَانُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ عَلِيٍّ. وَقَالَ الأَعْمَشُ: قَالَ لِي أَبُو وَائِلٍ: إِنَّ أُمَرَاءَنَا هَؤُلاءِ لَيْسَ عِنْدَهُمْ تَقْوَى أَهْلِ الإِسْلامِ، وَلا أَحْلَامُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: حدثنا عَامِرُ بْنُ شَقِيقٍ، سَمِعَ أَبَا وَائِلٍ يَقُولُ: اسْتَعْمَلَنِي ابْنُ زِيَادٍ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، فَأَتَانِي رجل بصك: أعط صاحب المطبخ ثمان مائة دِرْهَمٍ، فَقُلْتُ لَهُ: مَكَانَكَ، فَدَخَلْتُ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ فَقُلْتُ: إِنَّ عُمَرَ اسْتَعْمَلَ ابْنَ مَسْعُودٍ عَلَى الْقَضَاءِ وَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَعُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ عَلَى مَا سَقَى الْفُرَاتُ، وَعَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ عَلَى الصَّلاةِ وَالْجُنْدِ، وَرَزَقَهُمْ كُلَّ يومٍ شَاةً، فَجَعَلَ نِصْفَهَا وَسَقَطَهَا لِعَمَّارٍ، لِأَنَّهُ عَلَى الصَّلاةِ وَالْجُنْدِ، وَجَعَلَ لِعَبْدِ اللَّهِ رُبْعَهَا، وَلِعُثْمَانَ رُبْعَهَا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مَالا يُؤْكَلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ شَاةً لَسَرِيعُ الْفَنَاءِ. فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ: ضَعِ الْمَفَاتِيحَ وَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ. وَقَالَ عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ الْحَجَّاجُ، فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ: مَا اسْمُكَ؟ قُلْتُ: مَا بَعَثَ إِلَيَّ الأَمِيرُ إِلا وَقَدْ عَرِفَ اسْمِي. قَالَ: مَتَى نَزَلْتَ هَذَا الْبَلَدَ؟ قُلْتُ: لَيَالِيَ نَزَلَهُ أَهْلُهُ، قَالَ: إِنِّي مُسْتَعْمِلُكَ عَلَى السِّلْسِلَةِ، قُلْتُ: إِنَّ السِّلْسِلَةَ لا تَصْلُحُ إِلا برجالٍ يَعْمَلُونَ عَلَيْهَا، وَأَمَّا أَنَا فَرَجُلٌ ضَعِيفٌ أَخْرَقُ، أَخَافُ بِطَانَةَ السُّوءِ، فَإِنْ يَعْفِنِي الأَمِيرُ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَإِنْ يُقْحِمْنِي أَقْتَحِمْ، إِنِّي وَاللَّهِ لأَتَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَأَذْكُرُ الأَمِيرَ، فَلا أَنَامُ حَتَّى أُصْبِحَ، وَلَسْتُ لَهُ عَلَى عَمَلٍ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ النَّاسَ هَابُوا أَمِيرًا قَطُّ هَيْبَتَهُمْ لَكَ، فَأَطْرَقَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا قَوْلُكَ: مَا رَأَيْتُ النَّاسَ هَابُوا أَمِيرًا قَطُّ هَيْبَتَكَ، فإني والله ما أعلم رجلا أجرأ على دم مِنِّي، وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنْ يُعْفِنِي الْأَمِيرُ، فَإِنْ وَجَدْنَا غَيْرَكَ أَعْفَيْنَاكَ، ثُمَّ قَالَ: انْصَرِفْ، قَالَ: فمضيت فغفلت على الْبَابِ كَأَنِّي لا أُبْصِرُ، فَقَالَ: أَرْشِدُوا الشَّيْخَ. -[946]- قَالَ خَلِيفَةُ: مَاتَ أَبُو وَائِلٍ بَعْدَ الْجَمَاجِمِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ مَاتَ فِي خِلافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. |