الرحبة اسم مكان لا اسم كتاب!
مِنْ علماء المالكية الكبار: القاضي عبدالوهاب بن علي بن نصر البغدادي التغلبي، المولود في بغداد سنة (362هـ)، والمتوفى في مصر سنة (422هـ).
وله مؤلفاتٌ كثيرةٌ مهمةٌ.
وقد جمعتُ له أكثر من خمسين ترجمة في كتاب "القاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي في آثار القدماء والمُحْدَثين: دراسة وثائقية".
ومن هذه التراجم ما ذكره الحاج خليفة (ت: 1067هـ) في أربعة مواضع مِنْ كتابه "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون".
وقد وقع للحاج خليفة وهمٌ غريبٌ جداً، أعرضُه فيما يأتي:
جاء في (1/835) من "كشف الظنون":
"الرحبة لأبي محمد عبدالوهاب بن علي، القاضي ابن طوق الثعلبي (كذا) المالكي المتوفى سنة.. وهو مع صغر حجمها (كذا) من خيار الكتب، وأكثرها فائدة".
توقفتُ عند هذا القول أتأمُّل فيه، فليس للقاضي عبد الوهاب كتابٌ باسم "الرحبة"، ولم يذكرْهُ ثمانون عالماً ذكروا القاضيَ قبل الحاج خليفة، ثم تأكدتُ أن هذه النسبة خطأ، ومنشأ الخطأ - فيما يبدو - أنَّ الحاج خليفة قرأ قولَ ابن خلكان في "وفيات الأعيان" (3/219):
"القاضي أبو محمد عبدالوهاب بن علي بن نصر بن أحمد بن الحسين بن هارون بن مالك بن طَوق التغلبي البغدادي الفقيه المالكي، وهو من ذرية مالك بن طوق التغلبي صاحب الرحبة، كان فقيهاً أديباً شاعراً، صنّف في مذهبه كتاب "التلقين"، وهو مع صغر حجمه من خيار الكتب وأكثرها فائدة".
أقول: قرأ الحاجُّ خليفة قولَ ابن خلكان هذا، فظنَّ أنَّ "الرحبة" كتابٌ، وأن صاحبَه القاضي،- ومِنْ عادة العلماء ذكرُ العالم والتعريفُ به بكتابٍ بارزٍ له-، وسَبَقَ نظرُه عن كتاب "التلقين"، وسجل هذا في كتابه، ونَقَلَ الثناءَ على "التلقين" المعلوم إلى "الرحبة" المزعوم!
والصوابُ هو أنَّ (الرحبة) اسم مكان، وصاحبها الأمير مالك بن طوق[1]، فقول ابن خلكان: (صاحب الرحبة) يعود إلى الأمير مالك لا إلى القاضي، والوصفُ المذكورُ هو لكتاب "التلقين"، فانظرْ إلى الوهم إذا سافرَ كم يعودُ بعجائب!
وقد تابع إسماعيلُ البغداديُّ الحاجَّ خليفة في وهمه هذا، كما في "هدية العارفين" (1/637).
ونجدُ في حواشي سيد كسروي على ترجمة القاضي عبدالوهاب في "ديوان الإسلام" للغزي (3/282-283) نجدُ نسبةَ كتابٍ إلى القاضي باسم "رحلة"!
وأظنُّه رأى نسبة كتاب (الرحبة) إلى القاضي، ولعله استغربَ من اللفظ، وظنَّ الصوابَ "رحلة"، فأثبتَه كذلك.
وهكذا نشأ كتاب (الرحبة) من العدم، ونُسِبَ إلى القاضي، ثم تحوَّل إلى (رحلة)!
وليس للقاضي كتابٌ بعنوان "الرحبة"، ولا "الرحلة"، والرحبة مكانٌ معروفٌ أُضِيفَ إلى جدِّه مالك بن طوق، ورحلتُه إلى مصر لم يَكتبْ عنها شيئاً، وربما فعَل، لو أسعفه الأَجَل، فمِنَ المعروف أنَّ مدته في مصر لم تطل. رحمه الله تعالى...
[1] وهي بين الرقة وبغداد على شاطئ الفرات. انظر الكلام عليها في "معجم البلدان"(3/34-36)، و"الروض المعطار" ص268، و"القاموس" ص1181.
وتقع اليومَ في شرق سورية إلى جوار مدينة الميادين، أكبر المناطق التابعة لمحافظة دير الزور، والرحبة واقعةٌ على طرف البادية من جهة الشام، وكان نهر الفرات يمر تحتها، إلا أنه الآن يبعد عنها نحو ثلاثة كيلومترات، وهي قائمةٌ إلى اليوم، وتسميها العامة:" الرحبة" بتفخيم الباء... أفاده الأخ الدكتور الشيخ عبدو الحريري رحمه الله.
الرحبة اسم مكان لا اسم كتاب!
مِنْ علماء المالكية الكبار: القاضي عبدالوهاب بن علي بن نصر البغدادي التغلبي، المولود في بغداد سنة (362هـ)، والمتوفى في مصر سنة (422هـ).
وله مؤلفاتٌ كثيرةٌ مهمةٌ.
وقد جمعتُ له أكثر من خمسين ترجمة في كتاب "القاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي في آثار القدماء والمُحْدَثين: دراسة وثائقية".
ومن هذه التراجم ما ذكره الحاج خليفة (ت: 1067هـ) في أربعة مواضع مِنْ كتابه "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون".
وقد وقع للحاج خليفة وهمٌ غريبٌ جداً، أعرضُه فيما يأتي:
جاء في (1/835) من "كشف الظنون":
"الرحبة لأبي محمد عبدالوهاب بن علي، القاضي ابن طوق الثعلبي (كذا) المالكي المتوفى سنة.. وهو مع صغر حجمها (كذا) من خيار الكتب، وأكثرها فائدة".
توقفتُ عند هذا القول أتأمُّل فيه، فليس للقاضي عبد الوهاب كتابٌ باسم "الرحبة"، ولم يذكرْهُ ثمانون عالماً ذكروا القاضيَ قبل الحاج خليفة، ثم تأكدتُ أن هذه النسبة خطأ، ومنشأ الخطأ - فيما يبدو - أنَّ الحاج خليفة قرأ قولَ ابن خلكان في "وفيات الأعيان" (3/219):
"القاضي أبو محمد عبدالوهاب بن علي بن نصر بن أحمد بن الحسين بن هارون بن مالك بن طَوق التغلبي البغدادي الفقيه المالكي، وهو من ذرية مالك بن طوق التغلبي صاحب الرحبة، كان فقيهاً أديباً شاعراً، صنّف في مذهبه كتاب "التلقين"، وهو مع صغر حجمه من خيار الكتب وأكثرها فائدة".
أقول: قرأ الحاجُّ خليفة قولَ ابن خلكان هذا، فظنَّ أنَّ "الرحبة" كتابٌ، وأن صاحبَه القاضي،- ومِنْ عادة العلماء ذكرُ العالم والتعريفُ به بكتابٍ بارزٍ له-، وسَبَقَ نظرُه عن كتاب "التلقين"، وسجل هذا في كتابه، ونَقَلَ الثناءَ على "التلقين" المعلوم إلى "الرحبة" المزعوم!
والصوابُ هو أنَّ (الرحبة) اسم مكان، وصاحبها الأمير مالك بن طوق[1]، فقول ابن خلكان: (صاحب الرحبة) يعود إلى الأمير مالك لا إلى القاضي، والوصفُ المذكورُ هو لكتاب "التلقين"، فانظرْ إلى الوهم إذا سافرَ كم يعودُ بعجائب!
وقد تابع إسماعيلُ البغداديُّ الحاجَّ خليفة في وهمه هذا، كما في "هدية العارفين" (1/637).
ونجدُ في حواشي سيد كسروي على ترجمة القاضي عبدالوهاب في "ديوان الإسلام" للغزي (3/282-283) نجدُ نسبةَ كتابٍ إلى القاضي باسم "رحلة"!
وأظنُّه رأى نسبة كتاب (الرحبة) إلى القاضي، ولعله استغربَ من اللفظ، وظنَّ الصوابَ "رحلة"، فأثبتَه كذلك.
وهكذا نشأ كتاب (الرحبة) من العدم، ونُسِبَ إلى القاضي، ثم تحوَّل إلى (رحلة)!
وليس للقاضي كتابٌ بعنوان "الرحبة"، ولا "الرحلة"، والرحبة مكانٌ معروفٌ أُضِيفَ إلى جدِّه مالك بن طوق، ورحلتُه إلى مصر لم يَكتبْ عنها شيئاً، وربما فعَل، لو أسعفه الأَجَل، فمِنَ المعروف أنَّ مدته في مصر لم تطل. رحمه الله تعالى...
[1] وهي بين الرقة وبغداد على شاطئ الفرات. انظر الكلام عليها في "معجم البلدان"(3/34-36)، و"الروض المعطار" ص268، و"القاموس" ص1181.
وتقع اليومَ في شرق سورية إلى جوار مدينة الميادين، أكبر المناطق التابعة لمحافظة دير الزور، والرحبة واقعةٌ على طرف البادية من جهة الشام، وكان نهر الفرات يمر تحتها، إلا أنه الآن يبعد عنها نحو ثلاثة كيلومترات، وهي قائمةٌ إلى اليوم، وتسميها العامة:" الرحبة" بتفخيم الباء... أفاده الأخ الدكتور الشيخ عبدو الحريري رحمه الله.
لقراءة المقال كاملاً من مصدره