كان ركوبُ الترام أثيرًا عند الشيخ علي الطنطاوي، ويبدو أنه سجَّل منه في ذاكرته مشاهدَ يوميةً ذات مغزى، ثم استخرجها بمداد قلمه وحسن تصويره، ومما كتبه في ذلك:
"صَعِدت الترامَ مرةً عجوزٌ متصابية متبرجة، كأن وجهها خريطة حربية، من كثرة الخطوط المرسومة عليه والألوان، ففوق عينيها خطان أسودان مقوسان، وعلى خديها بقعتان حمراوان، وشفتاها كأنهما قد غمستا بالماء المغلي فاحترقتا ثم نزفتا، فاجتمع عليهما الدمُ متجمدًا فظيعا، فلم تعودا شفتين، ولكن صارتا -والعياذ بالله- آفتين مشوهتين، وأظافر يديها كأظافر ذئبة افترست حملا، فهي طويلة محمرة مخيفة، فوقفت في غرفة الرجال وهي مملوءة بالناس، وإلى جنبها غرفة النساء فارغة مفتوحة بابها، فنظر الناس إليها متعجبين، ثم ردوا أبصارهم عنها منكرين، فقالت: ما فيكم واحد مؤدب يقوم للست، يا عيب الشوم! فقال أحد الحاضرين: تفضلي، هذه غرفة النساء خالية. فنفضت يدها في وجوهنا وقالت: أنتم (متأخرين) كثيرًا، (متوحشين) ما تعلمتم التمدن!"[1].

وقد يخلط الطنطاوي الفكاهة بالسخرية، دون أن تنفك عنده هذه من تلك، ويكون هذا منه غالبا في توجيهاته الاجتماعية، ومن ذلك قوله:
"ركبت الترام مرة، وكان مزدحمًا يغص براكبيه، فلا تبصر لونَ أرضِه، ولا تعرف من الازدحام طولَه من عرضِه، وكان على المقعد إلى جنبي شيخٌ مُسِنّ أحسبُه قد دخل في الثمانين، وكان معه لبن سائل في صحن ضحل لا غطاء له ولا قعر، فكلما اهتز الترام أو تحرك الناس، طار رشاشه على ثوبي الذي كنت أتجمل به أيام الحرب، ولا أجد -وأنا موظف!- السبيل إلى غيره، فكنت أضم ثيابي إليَّ، وأحاول أن أبتعد عنه، ليدرك أذاه لي فيدفعه عني، فلا يدرك ولا يبالي..! فقلت له: يا عم قد آذيتنا، ولوثتنا بالحليب.. فما كان منه إلا أن صرَّخ تصريخا جمع عليَّ أهل الترام، وقال: اتق الله ما هذا الكفر؟! ما هذا الجحود؟! ألا تعرف قدر النعم؟! إنه حليب طاهر، هل هو نجاسة؟! حرام عليك"[2].

ويسوق الشيخ الطنطاوي في كلمته هذه التي عنونها "في الترام"، نماذج أخرى، يمزج فيها فكاهته بسخريته، ومن ذلك:
"وتركته (يقصد الشيخ صاحب صحن اللبن) ودخلت بين الناس، ووقفت مع الواقفين، وقد كادت تتلامس الوجوه وتتلاقى الأنفاس، وكدت أختنق، وإذا بشاب على آخر طراز، في فمه سيكار أسود ضخم كأنه ذنب العضرفوط (من نوع الحرباء والجرذون)، يخرج منه دخان كأن رائحته ضراط الخنافس، فوقف أمامي، حتى أوشك أن يحرق بناره أنفي، فقلت له: انتبه يا أخي. فصاح: وأين الحرية الشخصية؟ وبأي حق تكلمني؟ وأمثال هذا الهذيان..!"[3].

وتبدو كلمات الشيخ الطنطاوي الفكهة مصورة ومبنية بعناصر فنية تُخرج منها مشهدًا (كوميديا) مكتملا يزيد من قيمتها الأدبية والحضارية. ولعل ذلك مما يعد قاسما مشتركا في فكاهات "الطنطاوي" عامة.

ومن كلماته التي سخَّر فيها مهارته الوصفية ووظفها لغرض السخرية والفكاهة، قوله:
"وهذا رجل منتفخ كأنه الديك الرومي، مزهو كالطاووس، يقعد أمامك فلا يرضيه ألا يمتد ويبرز بطنه ويؤخر رأسه ويرفع رجله في وجهك، حتى يقابلك نعلها ويكاد يمسُّك طرفها.. ثم إذا لمح الجابي أسرع بالنزول ولم يدفع ثمن التذكرة..!"[4].

ومع أن الشيخ عليا يسوق لقارئيه هنا مواقفَ فكهة ساخرة، إلا أنه لا يستطيع أن يقاوم رغبته الملحة في وصف دقائق الشخصيات التي أمامه، وخاصة إذا كانت هذه الدقائق مرتبطة بأحداث الموقف. ولكنه نجح في توظيف هذه الأوصاف كثيرًا فيما يخدم أغراضه الفكاهية الساخرة من كلماته في المقام الأخير.
ــــــــــــــــــــــــــــ
[1]  صور وخواطر، علي الطنطاوي، ص132.
[2]  صور وخواطر، علي الطنطاوي، ص130-131.
[3]  صور وخواطر، علي الطنطاوي، ص131.
[4]  صور وخواطر، علي الطنطاوي، ص135.