لقاءان في إذاعة القرآن الكريم ضمن برنامج ((في موكب الدعوة))
• • • •
[مقدمة استكمال الحوار في الحلقة الثانية والترحيب بالشيخ مجدداً]
فضيلة الشيخ عبد الله: استكملنا أو تحدثنا في الحلقة الماضية عن شيء مما يمكن أن نسميه تاريخ القضاء في المملكة العربية السعودية، والذي عاصرتم أجزاء كثيرة منه، منذ عهد الملك عبد العزيز رحمه الله، إلا أن الحديث توقف في اعتقادي عندما تفضلتم بالإشارة إلى إنشاء مجلس القضاء الأعلى، هل لكم أن تتفضلوا فضيلة الشيخ عبد الله بإيضاح لنا وللإخوة المستمعين والمستمعات عن إنشاء هذا المجلس، ثم التحاقكم بالعمل فيه؟
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق أن ذكرنا لكم عما يتعلق بالهيئة القضائية العليا، وأنها أُنشئت لتكون مرجعاً للقضاء فوق هيئة التمييز، ويكون الحُكم إذا صدر من القاضي ولم يَقنع أحد الخصمين بذلك فإنه يُعطى صورة الحكم، صك الحكم، حتى يتأمله ويعد عليه لائحة اعتراضية، بنفسه أو بمن شاء من طلبة العلم أو المحامين أو غير ذلك، ثم يعيده إلى القاضي مع المعاملة، فالقاضي يتأمل فيه، إن وجد فيه ما يوجب الرجوع عما حكم به وإلا رفعه إلى هيئة التمييز، هيئة التمييز لا بد أن يميّزه ثلاثة، إن لم يكن من الحدود، فإن كان من الحدود لابد أن يميّزه خمسة، كل هذا احتياطاً للحقوق والحدود، فإذا صدقته التمييز مثلاً أو لاحظت عليه أو نقضته، ثم لم يقتنع بذلك القاضي وأورد على ما جاء منهم إيرادات، وصار بينهم اختلاف: فالمرجع في هذا إلى الهيئة القضائية العليا، التي يرأسها الشيخ محمد بن جبير إذ ذاك، وكنت إذ ذاك عضواً معهم، فلما أنشئ مجلس القضاء الأعلى، على وقت الملك فيصل رحمه الله، وصار رئيسه هو الشيخ محمد الحركان رحمه الله، صار وزيرا للعدل، ورئيسا لمجلس القضاء الأعلى.
عام كم كان إنشاء هذا المجلس؟
لكن فاتني أن أذكر قبل ذلك مجلس الأوقاف الأعلى، من على حياة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله، لما عُيِّن مجلس الأوقاف الأعلى وصار له أعضاء معيَّنون، منهم مندوب عن القضاء والإفتاء، يعيّنه الشيخ محمد بن إبراهيم، وكان رئيس مجلس الأوقاف الأعلى بالنيابة: الشيخ محمد عمر توفيق رحمه الله، وكتب لسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم يطلب منه تعيين عضو من قبله، فأجابه بخطاب برقم وتاريخ على أن مندوبنا هو عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل، فتعينتُ عضواً في مجلس الأوقاف الأعلى، منذ تعينت إلى أن أُحلت إلى التقاعد، مقدار 16 سنة[1]، وذلك عام 87، من 87 إلى عام 1405، وينعقد على حسب ما يتهيأ لهم من المواد، تارة ينعقد في الرياض، تارة ينعقد في جدة، تارة ينعقد في الطائف، تارة ينعقد في المدينة، تارة في مكة، ومن الأعضاء إذ ذاك: الشيخ عثمان الصالح، والسيد حبيب محمود، والسيد أمين عطاس، والشيخ صالح الحصين، ثم بدله محمد الثميري، وتولى على وزارة الحج والأوقاف عدة، منهم محمد عمر توفيق، ومنهم محمد كتبي، ومنهم عبد الوهاب، وغيرهم.
أعود إلى مجلس القضاء الأعلى: مجلس القضاء الأعلى له نظام مصدَّق من المقام السامي، واستمر هذا، وكنت عضواً فيه، ثم بعد أن نُقل الشيخ محمد بن حركان من مجلس القضاء الأعلى ووزارة العدل إلى رابطة العالم الإسلامي، وتعيَّن الشيخ عبد الله بن حميد في مجلس القضاء الأعلى، وتعين الشيخ إبراهيم بن محمد بن إبراهيم في وزارة العدل -كانت بالأول مضمومة للشيخ محمد بن حركان، وبعده فُصلت، جعلت وزارة العدل وحدهم، ومجلس القضاء الأعلى وحدهم- عملنا مع الشيخ عبد الله بن حميد، ثم صدر الأمر بأن أكون أنا رئيس الهيئة الدائمة بمجلس القضاء الأعلى.
مجلس القضاء الأعلى له أعمال يومية، تتولاها الهيئة الدائمة التي أرأسها أنا، وله جلسات دورية يرأسها رئيس المجلس، وأعضاؤها أحد عشر عضواً، منهم الخمسة الموجودون الآن، ومنهم رئيس محكمة مكة، ورئيس محكمة المدينة، ورئيس محكمة جدة، ووكيل الوزارة، واثنان أيضاً معهم، فالمقصود أن مجموعهم أحد عشر عضواً، ينعقد دورياً، لتعيين القضاة، أو ترفيعهم، أو إحالة من يُحال منهم، أو أوامر سامية في قضايا مهمة يأمر ولي العهد لأجل أن ينظرها المجلس بهيئته العامة.
يعني يأتي من ولي الأمر أن تُنظر؟
إذاً نستطيع أن نقول هذه هي أبرز اختصاصات مجلس القضاء الأعلى؟
استمريتم في مجلس القضاء الأعلى كم يا شيخ؟
ولكن بعد ذلك لما أن خادم الحرمين -وفقه الله- وافق على إنشاء بنك إسلامي يعمل بدون فوائد ربوية؛ وأذن لشركة الراجحي المصرفية للاستثمار أن تتولى هذا، وصار فيها مراجعات ومخابرات، وتم هذا: قيل لا بد لهم من هيئة شرعية يصححون لهم معاملاتهم، ويَرجعون إليها في ما يُشكل عليهم، فعُيِّنت هيئة، وعُيِّنتُ رئيساً لها، ومن أعضائها الشيخ صالح الحصيّن، وهو نائب الرئيس، ومنه أعضائها الشيخ مصطفى الزرقا، ومن أعضائها الشيخ عبد الله البسام، ومن أعضاها الشيخ عبد الله بن منيع، ومن أعضائها الشيخ الدكتور عبد الله بن زايد، وأخذنا على هذا مدة، حتى الآن وعمل الهيئة على هذه الصفة.
وما زلتم عضواً معهم؟
وفيه تم تحديد معالم الحرم؟
لكن هذه المعالم واضحة ما زالت الآن؟
شيء طيب، أحسنتم يا شيخ عبدالله، الحقيقة كل ما تفضلتم به كلام جميل ورائع، وبحاجة الناس للاطلاع على هذا التاريخ المهم جدا، سواء كان عن القضاء أو عن الأوقاف أو عن بعض الأمور الأخرى التي كُلِّفتم بالإشراف عليها، أو المشاركة فيها، لكنني أعود فضيلة الشيخ عبد الله كما يقولون: عوداً على بدء، فأكرر سؤالا سبق، وهو: أبرز المشايخ الذين استفدت منهم وتتلمذتم عليهم إجمالاً.
أبرز المشايخ الذين استفدنا منهم وتتلمذنا عليهم: شيخنا العلامة عبدالرحمن بن ناصر بن سعدي، حيث أنا نشأت معه في مدينة عنيزة، وتتلمذت عليه من صغري، حتى عُيِّنت في الوظيفة، وأخذت عنه العلوم التي كان يدرّسها في الفقه، والتوحيد، والحديث، والعقيدة، وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، والنحو، وغير ذلك.
أبرز الزملاء الذين كانوا معكم في حلقة الشيخ عبدالرحمن؟
إذاً الشيخ عبد الرحمن يُعتبر شيخكم الأول؟
الشيخ عبدالرحمن بن سعدي لا شك فضيلة الشيخ عبد الله أنه مدرسة كاملة، سواء في علمه أو في أخلاقه، وفي منهجه في التدريس، وتعامله مع طلابه، وهذا شيء مشتهر عنه رحمه الله..
أبرز الصفات التي كان يحملها الشيخ عبدالرحمن بن سعدي، هل لكم أن تتفضلوا بشيء عنه؟
فمثلا إذا اجتمع معه طلبة علم بحث معهم بحثا علمياً.
لو فرضنا مثلا هناك أناس آخرون من الجماميل وأهل البَرّ والرحلات، فأدار البحث فيما يتعلق بشؤونهم، وكيف يصلون، وكيف يتيممون، وكيف إذا دخل الوقت، وكيف إذا خرج الوقت.
لو فرضنا مثلا أناس مجتمعين من أهل البيع والشراء والسماسرة، بحث فيما يتعلق بأمور البيع والشراء، وقضايا المبيع، والمواضع الربوية، وما إلى ذلك.
حتى للنساء، له جلسة للنساء، يبحث فيها ما يتعلق بأحكام النساء، وأحكام الحيض، وأحكام التيمم، ونحو ذلك.
فهو رحمه الله يجزئ وقته على حسب ما يتيسر له.
لكن يا شيخ عبدالله أعرف أيضا أنكم تفضلتم بتقديم تفسيره المعروف والمشهور، الذي عرفه القاصي والداني، والموسوم بتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، وهو تفسير معروف للشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي، أبرز الخصائص التي حواها هذا التفسير، مما أوجد له هذا القبول الهائل والكبير بين أوساط طلبة العلم، بل حتى والعلماء وممن يهتمون بتفسير القرآن الكريم.
هذا يعود الله أعلم لأمرين، الأمر الأول: صلاح نية المؤلف، وإخلاصها، وأنه ينوي نفع المسلمين، وتقريب فهم كتاب الله إلى أذهانهم، والثاني: أنه رحمه الله فسّره بعبارة واضحة لا تنبو عنها أذهان طلبة العلم الكبار، ولا تصعب على أذهان المبتدئين، وتَرَك تعقيدات -مثلاً- بعض المفسرين في العبارات النحوية، أو مثلا العبارات التي تأتي في علوم البلاغة، والمعاني، والبديع، والمنطق، ونحو ذلك، تركها، والخوض أيضاً في الصفات، فصار كلاماً واضحاً يأتي به لأجل يبيّن للقارئ معنى الآية المقصود بهذا التعبير، ثم هو سليم، يعني أكثر التفاسير.. المفسرون رحمهم الله كثير منهم لا بد يصير فيه شيء عليه الاعتراض، إما من ناحية الصفات، أو من ناحية بعض التفاسير، وهذا عُرض على المشايخ؛ لما أن الملك عبد العزيز دعا الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في سنة 1360 وقيل له: تأتي بتفسيرك، فجاء بالتفسير قبل أن يُطبع، في دفاتر مكتوبة مخطوطة، فجاء ووزّعوه على المشايخ، وتأملوه، ونظروا المواضع التي هي مظنة أن يكون فيها إما تأويل لبعض آيات الصفات، أو بعض الأشياء التي اختلف فيها، فاتفقوا كلهم على أنه ما فيه ولا كلمة ولا حرف ولا جملة ولا آية إلا موافقة لمنهج السلف، فلهذه الصفات امتاز هذا التفسير، مع أنه غير مطول، ما أطال به رحمه الله.
شيخ عبدالله، من هذا الحديث الطيب الجميل يقودنا إلى مسألة أخرى، وهي أنكم التحقتم بمدرستين من أعظم وأجلّ المدارس العلمية التي استقى منها العلماء في هذه البلاد، وهما مدرسة سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله، ومدرسة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي رحمه الله، وهما أيضا من العلماء الذين بسط الله لهم قبولاً، وقاموا بدورهم في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، والاختلاط بالناس والتنزل معهم، وفتح قلوبهم وأبوابهم للمسلمين جميعاً، هل لكم بوصية لطلبة العلم والعلماء خصوصاً بالسير على هذا المنهج الكريم الذي يوافق منهج سلف هذه الأمة في الارتباط مع الناس عموما ومع طلبة العلم ومع الشباب وتلقينهم وتدريسهم، والتنزل معهم وتوجيههم إلى ما يحتاجون إليه؟
نعم، وأزيد على هذا أن الشيخ عبد الله بن حميد رحمه الله، فإنه رَأَس المجلس، وزاملناه في المدة الماضية، في سنة 95 إلى أن توفي سنة 1402، سبع سنوات، وهو أيضا شيخنا وأستاذنا، واستفدنا منه علوم، ومعارف، وحكم، وتجارب، رحمه الله، لأنه معروف بالحذق، والجودة، والعلم الجيد، والاحتراز من الناس، ما شاء الله عليه، فاستفدنا منه أيضا فوائد كثيرة رحمه الله، وهو جزاه الله خيراً أيضاً يعطف علينا ويرى أننا من أخص تلاميذه.
وأما الوصية فأنت أشرت إليها، وجزاك الله خيرا، هذا طيب، الوصية: وصية الله للأولين والآخرين: تقوى الله تبارك وتعالى، وأن على طلبة العلم خاصة، وعلى بقية المسلمين عامة تقوى الله تبارك وتعالى، وأعظم ما يصابر طلبة العلم: حفظ الوقت عن الضياع، كما قال ابن هبيرة -رحمه الله- الوزير:
الوقتُ أنفسُ ما عُنيتَ بحفظه وأراه أسهلُ ما عليك يَضيعُ
وكذلك أيضاً مسألة القضاء: ولله الحمد الحكومة أيدها الله جعلت للقضاة كوادر، وجعلت لهم تعليمات، وجعلت لهم حصانة، وجعلت لهم رواتب مغرية، ومكنتهم من أشياء ما كان الأولون يحلمون بها ولا يتمتعون بها، ما كان الأولون.. الذي يتولى القضاء قبل هذا الوقت إلا.. لهم رواتب، ولهم بَراوي[3] سنوية، إما مقدار من التمر وقت الزكاة، أو مقدار من البُر الحب، وإما خرج بسيط، الآن رتبوا الرواتب، وقرروا لهم المقررات، فعليهم شكر الله في هذه النعمة، وبذل المستطاع، حتى يؤدوا شكر ما أوجب الله عليهم، ويحللوا رواتبهم.
وأيضا ينبغي لكل قاض أنه مع عمله في القضاء لا يفوته موضوع التدريس، تدريس الإخوان في حلقات المساجد، فإنها هي التي تفيد العلم، وهي التي تفيد الطلاب، وحتى هو نفسُه القاضي أو العالم أو المدرس إذا جلس للناس استفاد مما يعلّم الناس، لأن العلم:
يَزيد بكثرة الإنفاق منه ويَنقص إن به كفًّا شَددتا
[ثم خاتمة المقدم للبرنامج، وشكر الشيخ]