دور الموحدين الحضاري

 

وأما الموحِّدون، فقد حملوا الراية في المغرب والأندلس بعد المرابطين[1]، واستمروا في عملهم لأكثر من قرن (540 - 650هـ)، وما فتئوا يحملون شعلة الإسلام، ويوحدون الأمة، وكان الخليفة عبدالمؤمن بن علي فقيهًا ومحدثًا وأصوليًّا[2].

 

ولا ينكر باحث أن ثمة أخطاء وقعت فيها الدولة الموحدية، على أن تلك الأخطاء التي تقرؤها في سطور الدولة الموحدية الأولى قد اقتصرت على حياة المهدي بن تومرت تقريبًا، وكما يخرج النور أحيانًا من التراكمات المظلمة، وكما تنبثق الشمس من بين السحب، كذلك وقع في مسيرة الدولة الموحدية، فما أن مات المهدي بن تومرت سنة (524هـ) حتى بدأت موازين دولة الموحدين تعتدل على يد (عبدالمؤمن بن علي) الذي خلف محمد بن تومرت، ومات سنة (558هـ)، ثم ابنه يوسف بن عبدالمؤمن (580هـ)، فابنه يعقوب المنصور (ت595هـ) بطل معركة (الأرك) التي وطدت لدولة الإسلام في الأندلس نحو ربع قرن من الزمان، ثم الناصر (ت610هـ)[3].

 

ولهذه الدولة الموحدية الفضل في الوحدة التي انتظمت المغربَ والأندلس، كما أن لها اليد الطولى في عودة تونس إلى حظيرة الإسلام بعد أن استولى عليها النصارى النورمان المتعصِّبون.

 

وقد اشتهر عن الدولة الموحدية - وبخاصة في عهد أمرائها الأقوياء - ازدهارُها الاقتصادي الذي تمثَّل في أربعة مظاهر أساسية:

أولاً: كثرة المصانع، سواء في المغرب أم الأندلس.

 

ثانيًا: التبادُل التجاري مع مختلف أقاليم حوض البحر المتوسط؛ حيث كانت للموحدين مكاتب تجارية تشبه الفنادق في بعض مدن فرنسا وإيطاليا؛ كمرسيليا وجنوة والبندقية.

 

ثالثًا: العملة الموحدية القوية.

 

رابعًا: الأسطول التجاري البحري الذي كانت تفرزه صناعة السفن[4].

 

وفي المجال العقدي أو الفكري، وقف الموحدون في وجه السيطرة الكاملة، التي تمتع بها فقهاء المذهب المالكي، والذين كادوا يغلقون أبواب الاجتهاد، فلما جاء الموحدون دعوا إلى الاجتهاد، وشجعوا دراسة الكتاب والسنة، وازدهرت في عهدهم دراسة علمي الكلام والأصول، وكان من نتيجة ذلك أنْ لاَنَ فقهاءُ المالكية، وتركوا التعصب المذهبي الأعمى، ومالوا إلى النظر في كتب الأصول.





[1] ابن عذاري: البيان المغرب 4/7 وما بعدها.

[2] عبدالعزيز بن عبدالله: تاريخ المغرب 1/114، نشر مكتبة السلام بالدار البيضاء.

[3]ابن عذاري: البيان المغرب 4/127، وما بعدها (بتصرف).

[4] دكتور/ أحمد شلبي: موسوعة التاريخ الإسلامي 4/153، وما بعدها، طبع دار النهضة العربية - مصر.