إنجازات المسلمين في علم الفلك
لقد دفع اهتمام المسلمين بعلم الفلك إلى نقلِ كتب الأمم الأخرى إلى اللغة العربية.
فكانت الترجمةُ عن اللغة اليونانية أو السَّنْسِكريتية أو السُّريانية أو الكَلدانية من أُولى الإنجازات الرئيسية التي قام بها المسلمون في العلوم الكونية بعامة، وعلم الفَلَك بخاصة.
وكان لمؤلَّفات إقليدس وأرخميدس وبطليموس الأثرُ الكبير على تفكير العاملين بحقل الرياضيات، والفَلَك، والجغرافية، لسنين عديدة.
وما لبث المسلمون - بعد مدة وجيزة - أن بدؤوا في تصحيحِ وتنقيح تلك الكتب التي نقلوها عن اللغات الأخرى، حتى إذا اكتمل هضمُ وتمثُّل تلك الكتب المترجمة، أخذ الإبداعُ دوره عند المسلمين في هذا الحقل أو ذاك من حقول العلوم التجريبية.
ولما كان المعوَّل في علم الفَلَك على رصد النجوم والكواكب، فقد شرَعوا في بناء المراصد، وهكذا بُني في عهد الخليفة المأمون (ت 218هـ/ 833م) مرصدٌ في دمشق على جبل قاسيون (سنة 214هـ/ 829م)، وفي الشماسية ببغداد.
وقد عمِل في مرصد بغداد كثيرٌ من العلماء المشهورين من أمثال "ما شاء الله" الذي ألَّف في الإسطرلاب ودوائره النُّحاسية، و"يحيى بن أبي منصور"، الذي عهِد إليه المأمونُ التحقُّقَ من البيانات والأرصاد التي وردت في زيج بطليموس، الأمر الذي أدى إلى وضع "الزيج الممتحن الرصدي المأموني".
وعمل في مرصد بغداد "سند بن علي"، وكان ممن كَلَّفهم المأمونُ بالقيام بمساحة درجة جغرافية بين الفرات ودجلة، كما كان ممَّن اشترك في الأرصاد التي أُجريت في بغداد ودمشقَ ما بين عامي (214 -217هـ/ 829 -832م).
وعمِل في مرصد بغداد - كذلك - أحمد بن محمد بن كثير الفرغاني، صاحب كتاب: "جوامع علم النجوم وأصول الحركات السماوية"، وكتاب: "الكامل في صنعة الإسطرلاب الشمالي والجنوبي وعللها بالهندسة والحساب" الذي مرَّ ذكره، وقد درس الكتابَ الأخير هذا كلٌّ من العالِم الفيزيائي الألماني فيدمان (E.Wiedemann) وفرانك (J.Frank)، اللذان أشادا بالفرغاني، وعدَّاه أولَ من أشار إلى أنَّ تحديدَ ظهور الفجر والشَّفق يتوقَّف على تغيُّرات الهواء، وعلى ازدياد الهلال ونقصانه، وأنه أولُ من افترض ارتفاعاتٍ شمسية مختلفةً للظاهرتين.
ولم يتوقَّفْ بناءُ المراصد على هذين المرصدين؛ وإنما استمر بناؤها هنا وهناك، وفي سائر الأمصار الإسلامية، وذلك على امتداد نحو ستة قرون، كان آخرها مرصد سمرقند في مراغة.
ويجدر الإشارةُ - بهذا الصدد - إلى المرصد الذي ابتناه أبناء موسى بن شاكر في سامراء؛ فقد امتاز هذا المرصد - كما تذكر هونكه مؤلفة كتاب "شمس الإسلام تسطع على الغرب" نقلًا عن كتاب الطبيب ابن ربن الطبري - بوجودِ آلةٍ ابتناها الأخوان محمد وأحمد بن موسى، لها شكل الكرة، رُسم عليها صور النجوم، وعلامات البروج، وتعمل بدفع الماء.
إذا غاب نجمٌ في السماء، اختفت صورتُه في الوقت نفسه من الآلة، تحت خطٍّ دائري، يمثِّل وجهَ البرج المطابق، وإذا ما بزغ النجمُ نفسُه في السماء من جديد، ظهرت صورتُه على الآلةِ فوق خط الأُفق... وهكذا.
وحريٌّ بهذه المناسبة أن يُذكر أنَّ "أبا سهل الكوهي"[1] عمل آلةَ رصد، وُضعت في مرصد السلطان عضد الدولة، الذي بناه في حديقة قصرِه ببغداد، فلمَّا تولى ولدُه شرف الدولة السلطةَ، عهِد إلى عددٍ من كبار العلماء اختبارَ هذه الآلة، ورفْعَ تقرير بذلك، ولَمَّا تأكد لهؤلاء صحةُ عملها، رفعوا تقريرًا - كما ورد عند القفطي - جاء من جملة ما جاء فيه: "أنَّ الآلةَ التي أخبر عنها أبو سهل دلَّت على صحة مدخلِ الشمس رأس السرطان، بعد مضيِّ ساعة واحدة معتدلة... وقد سلم جميعُ مَن حضر من المنجمين والمهندسين، وغيرهم ممَّن له تعلُّق بهذه الصناعة وخبرةٌ - تسليمًا لا خلاف فيه بينهم: أن هذه الآلةَ جليلةُ الخطر، بديعة المعنى، مُحكَمة الصَّنعة، واضحة الدلالة، زائدة في التدقيق على جميع الآلات التي عُرفت وعهدت، وأنه قد وصل بها إلى أبعدِ الغايات في الأمر المرصود، والغرض المقصود، وأدَّى الرَّصدُ بها إلى أن يكون بُعْدُ سمت الرأس من مدار رأسِ السرطان سبعَ درجات وخمسين دقيقة، وأن يكونَ الميلُ الأعظمُ - الذي هو غاية بُعْدِ منطقة فَلَك البروج عن دائرة معدَّلِ النهار - ثلاثًا وعشرين درجة وإحدى وخمسين دقيقة وثانية".
وكان ممن وقع المحضر الآنف الذكر أبو حامد أحمد بن محمد الصاغاني الأسطرلابي (ت 379هـ/ 990م)، الذي يقول عنه القفطي (ت646هـ/ 1248م): "إنه كان يُحكِم صناعة الأسطرلاب والآلات الرصدية غاية الإحكام، وآلاتُه مذكورة بأيدي أرباب هذا الشأن، معروفةٌ في ذلك الزمان وفي هذا الأوان".
وقد قاس أبو حامد هذا مدةَ السنة الاستوائية وفصول السنة وأوج الشمس، بطريقةٍ مغايرة للطريقة البطليموسية، ووجد عام 376هـ/ 986م أنَّ مقداره يساوي 82 و52 و33، ومما يجدر ذكرُه أن البيروني أشار في كتابه: "استيعاب الوجوه" إلى أنَّ الصاغاني كان مكتشفًا لنوع من أنواع تسطيح الكرة.
وعلى العموم، فقد انتشرت المراصدُ في معظم مدن وأمصار البلاد الإسلامية؛ مما أسفر عن تقدُّمٍ هائل في علم الفلك، وبلوغِه مستوى رفيعًا، تحقق من جرَّائها تعيينُ انحراف سمت الشمس تعيينًا نهائيًّا بالمقدار 23 و33 و52؛ أي: ما يعدِل - كما يذكر غوستاف لوبون - الرقم في الوقت الحاضر.
وعن طريق الأرصاد قِيستْ - كذلك - عروضُ بعض المدن، نذكر منها عَرض مدينة بغداد، الذي وجد أنه يساوي 33 و20؛ أي: يقلُّ عن الرقم الصحيح بعشر ثوانٍ تقريبًا.
ويحسن أن يُذكر - بهذه المناسبة - أن أبا الحسن المرَّاكشي (ت 660هـ/ 1262م)، قد عيَّن - كما يذكر غوستاف لوبون - بضبطٍ لم يسبِقْه إليه أحدٌ العَرضَ والطولَ لإحدى وأربعين مدينة إفريقية، واقعة بين مرَّاكش والقاهرة؛ أي: ما مسافته 900 فرسخ، وأنه قيَّد مشاهداتِه في كتاب بعنوان: "جامع المبادئ والغايات في علم الميقات" يتضمَّن - فيما يتضمن كذلك - معارفَ ثمينة لآلات الرَّصد العربية، وقد قام سيديو بترجمة بعضه.
ومن أَجَلِّ أعمال العلماء المسلمين في الفَلك - كما يذكر نلِّينو - قياسُهم قوسًا من دائرة نصف النهار في أيام الخليفة المأمون العباسي (ت 218هـ/ 833م)، وقد ذُكر هذا القياس في عدة كتب، منها: "الزيج الكبير" لابن يونس المصري (ت 398هـ/ 1007م)، وفي كتاب "وَفَيَات الأعيان" لابن خَلِّكان، وفي كتاب "الزيج في النجوم" لـ: حسين المنجِّم، الذي ذكر عن خالد بن عبدالملك المروزي وغيره - وقد كانوا رصدوا الشمس لأمير المؤمنين المأمون في برية سنجار من بلاد ربيعة - أن الذين قاموا بهذا القياسِ وجدوا أن مقدارَ درجة واحدة من وجه الأرض يبلغ ستة وخمسين ميلاً، وأنه إذا ما ضُرب مقدارُ درجة واحدة في ثلاثمائة وستين، فإنه يُعطي دور كرة الأرض المحيطة بالبَرِّ والبحر، ومقداره عشرون ألف ميل[2] ومائة وستون ميلاً...
وقد استنبط نلِّينو من هذا أن طولَ الدرجة يبلغ عند فلكيِّي المأمون 111815 مترًا، وطول جميع محيط الأرض 41248 كلم، وهو قريبٌ من الحقيقة، دالٌّ على ما كان للعرب من الباع الطويل في الأرصاد وأعمال المساحة، بل يُعَدُّ أولَ قياس حقيقيٍّ لمحيط الأرض.
ومن أعمال فلكيِّي مدرسة بغداد - كذلك - التقاويمُ لأمكنة الكواكب السيَّارة، وتعيينهم بالضبط مبادرة الاعتدالين.
وحريٌّ بهذه المناسبة أن يُشارَ إلى أن المسلمين كانوا يسلِّمون بكروية الأرض، وأن هذه العمليةَ تؤكِّد - من بين ما تؤكد - الحرية الفكريةَ التي حظِي بها رجالُ العلم والفكر في البلاد التي كانت تحت مظلَّةِ الإسلام، خلافًا لِما أصابهم من أذًى ومطاردة في بلاد الظلمات "أوروبا"، التي كانت في ذاك الوقت ترزح تحت سلطان الكنيسة.
فضلاً عن ذلك، يذكر لوبون أن السلطانَ ملك شاه السَّلجوقي، الذي ابتنى مرصدًا في نيسابور شرقي إيران، أمر بالقيام بأرصاد، أسفرت عن إصلاح التقويم السنوي بما هو أفضلُ من التقويم الغريغوري الذي تم في أوروبَّا بعد 600 سنة، فالتقويم الغريغوري يؤدِّي إلى خطأِ ثلاثة أيام في كل عشرة آلاف سنة، بينما يؤدِّي التقويم العربي إلى خطأ يومين فقط في مثلِ ذلك الدور.
ويذهب سيديو إلى أنَّ اكتشافَ الاختلاف القمري الثالث - وهذا يُعَدُّ من نتائج الأرصاد كذلك - يرجع إلى أبي الوفاء البوزجاني (ت 388هـ/ 998م)، وليس إلى تيخو براهى Tycho Brahe (ت 1010هـ/ 1601م) الذي جاء بعد أبي الوفاء بستمائة سنة؛ علمًا أن هذا الاكتشافَ يُعَدُّ أقصى ما يمكِن علم الفَلك الوصول إليه بغير نظارة ومرقب.
ولقد كان من نتائج الأرصادِ على امتداد عدة قرون أنْ عُملت أزياجٌ كثيرة، منها الزيج الفزاري، والزيج الخُوارزمي، والزيج البتَّاني، والزيج السنجري، والزيج الخاقاني... إلخ.
ولهذه الأزياجُ أهمية علمية من حيث البحثُ في تاريخ الكواكب ومواقعها وحركاتها، كما كان لها دورُها في تطور علم الفلك في أوروبَّا.
فقد توصل سيديو - وهو ممن درس الرسائلَ الفلكية، وما ماثلها للملك الأذفونشي العاشر القشتالي - إلى النتائج القائلة: إنَّ العربَ سبقوا كبلر وكوبرنيكوس في اكتشافِ حركات الكواكب السيارة على شكلِ إهليلجي، وفي نظرية دوران الأرض، وأن أزياج الأذفونش العاشر المسماة "الأزياج الأذفونشية"، والتي تسيرُ بمقتضاها تقدير حركات النجوم حسب خط الزوال في طليطلة - مأخوذةٌ عن العرب.
ومما يُذكر من إنجازات العلماء المسلمين في الفَلك أيضًا تطويرُهم الإسطرلاب؛ فقد ذكر ابن النديم أنَّ الفزاري (ت نحو 180هـ/ 796م): "هو أول من عمل في الإسلام إسطرلابًا، وعمل إسطرلابًا مبطحًا ومسطحًا". وما لبث المسلمون أن طوَّروا الإسطرلاب المسطَّح هذا، فجعله السِّجزيُّ (ت477هـ/ 1084م) زورقًا ذا قُطبين بدلاً من قطب واحد، كما طوَّره البيروني والزرقالي (ت نحو 480هـ/ 1087م) كذلك، وقد استخدم الإسطرلاب في قياس الزوايا والارتفاعات.
ومن الأعمال المجيدة والإنجازات الرائعة التي عملها المسلمون، وتتعلَّق بعلم الفَلك، وجديرةٌ بالذِّكر - تطويرُهم للمزاول الشمسية؛ إذ استخرجوا علاقةً أَمْكَنهم بها حسابُ مواقعِ أرقام جميع ساعات النهار على لوحة المزولة، ومعرفة أنصاف الساعات وأرباعها، وحتى الدقائق، وذلك بعد أن جرَّبوا معادلاتٍ رياضية بحساب المثلَّثات الكروية... وقد صنَّف البعضُ في المزاول، نذكر منهم: أبا الحسن علي المرَّاكشي، الذي تقدم ذكرُه في حساب عروض بعض المدن الإفريقية، فقد صنَّف كتابًا فيها، ذكر فيه أصناف المزاول ومنافعها.
وقد دخلت هذه المزاول إلى أوروبَّا عن طريق الأندلس.
ومن إنجازات المسلمين الفَلكية كذلك: الرَّسم على سطح الكرة، واكتشافهم كلف الشمس.
هذا، وقد احتفى علمُ الفَلك بأعداد وفيرة من العلماء المرموقين، لا نملِك أن نذكر إلا بعضهم، من هؤلاء على سبيل الذِّكر لا الحصر:
1- يعقوب بن طارق:
كان في عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور (ت 158هـ/ 775م)، ذكره ابن النديم صاحب الفِهرست على أنه من أفاضل المنجِّمين، ووصفه القفطي مؤلِّف كتاب الحكماء بقوله: "كان مشهورًا بين أهل هذه الصناعة"، وذكر من مصنفاته "كتاب الزيج محلول في السند هند لدرجة درجة"، و"كتاب ما ارتفع من قوس نصف النهار"، وكتاب "تقطيع كردجات الجيب"، وله - كما يذكر سزكين - "كتاب تركيب الأفلاك"، وقد حفظ منه مقتطفات في كتاب "المغني في أحكام النجوم" لابن هبنتا (المجلد الأول وبعض من المجلد الثاني موجودٌ في المكتبة الظاهرية بدمشق)، يستفادُ من هذه المقتطفات أنَّ الأرضَ كروية، وتقعُ في مركز الفَلك الخارجي، كما يقع صفار البيض في بياض البيض.
2- "ما شاء الله": ورد عند ابن النديم:
ابن أثري، وعند القفطي: ابن أبري، كان يهوديًّا في زمن المنصور، وعاش إلى أيام المأمون، وكان فاضلاً أوحدَ زمانه في علم الأفلاك، وكان له - كما يورد القفطي - حظٌّ قوي في سهم الغيب، اشتهر ذلك عنه، وقد رُوي أنَّ سفيانَ الثوري لقي "ما شاء الله"، فقال له: "أنت تخاف زُحَل وأنا أخاف ربَّ زُحَل، وأنت ترجو المشتري وأنا أرجو ربَّ المشتري، وأنت تعذو بالاستشارة وأنا أعذو بالاستخارة، فكم بيننا؟" فقال "ما شاء الله": "كثيرٌ ما بيننا، حالُكَ أرجى، وأمرُك أنجحُ وأحجى"، ولـ"ما شاء الله" من التَّصانيف في الفَلك كتاب "صنعة الإسطرلاب والعمل بها"، وكتاب "ذات الحلق".
3- عمر بن الفَرُّخان الطبري، أبو حفص:
من أوائل المنجِّمين والفلكيين المسلمين الذين وصلت إلينا بعضُ مؤلَّفاتهم، قيل: إنه و"ما شاء الله" والفزاري كانوا من المهندسين والمنجِّمين الفلكيين الذين اشتركوا في تأسيس مدينة بغداد لأبي جعفر المنصور، يصِفُه القفطي على أنه أحد رؤساء التراجمة والمتحققين بعلم حركات النجوم وأحكامها، وقد حظِي بمنزلة رفيعة عند هارون الرشيد، واتصل بالوزيرين يحيى بن خالد بن برمك (ت190هـ/ 805م)، وبالفضل بن سهل (ت 202هـ/ 818م)، وهذا يعني أن عمر بن الفرُّخان توفي في خلافة المأمون (218هـ/ 833م).
4- أحمد بن محمد النهواندي الحاسب:
لا يُعرف مِن أمره - كما يذكر ابن النَّديم - أكثرُ من هذا، وله من الكتب "كتاب المدخل إلى علم النجوم"، و"كتاب إلى محمد بن موسى في النيل".
ويذكر "سزكين" أنه عاش في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي، وإلى النصف الأول من القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي.
5- يحيى بن أبي منصور الفارسي المنجم (ت 230هـ/ 845م):
كان مجوسيًّا وأسلم على يدِ المأمون وخصَّ به، ولَمَّا عزم المأمونُ على رصد الكواكب تقدَّم إليه وإلى جماعة آخرين، وأَمَرَهم بالرَّصد وإصلاح آلاته، ففعلوا ذلك بالشماسية ببغداد وجبل قاسيون بدمشق سنة 215هـ، واستمر العملُ إلى أن توفي المأمون، وكان له منزلةٌ رفيعة بين أقرانه، ترجع إلى أن المأمونَ كلَّفه أن يتفحَّصَ أرصادَ ثوابتِ زيج بطليموس والمجسطي، وقد دَوَّن نتائجَ عمله في الزيج الذي عمله بعنوان "الزيج الممتَحَن الرصدي المأموني".
6- العباس بن سعيد الجوهري المنجِّم (توفي في الربع الأول من القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي):
خبيرٌ بصناعة التسيير وحساب الفَلك، قيِّمٌ بأعمال الأرصاد، صحِب المأمون، وندبه إلى مباشرة الرَّصد في جملة الجماعة المتولِّين لذلك بالشماسية ببغداد[3]، وحقَّق مواضعَ بعضِ الكواكب السيارة والنَّيِّرَيْن (الشمس والقمر)، وعمِل زيجًا مشهورًا سماه "كتاب الزيج"، فهو ورُفْقَتُه أول من رصد في الملَّة الإسلامية، ثم تبِعهم الناس بعد ذلك.
ويورد سزكين أن أبا بكر الفارسي ذكر أن القيمةَ التي أثبتها الجَوهريُّ بالنسبة للحركة المتوسطة لكلٍّ من الشمس والقمر أكَّدها أرصادُ أبي الحسن علي بن عبدالكريم الفهاد (عاش في القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي).
وللعباس مقالةٌ في معرفة بُعْدِ الشمس عن مركز الأرض.
7- محمد بن موسى الخُوارزمي، أبو عبدالله (ت بعد 232هـ/ 847م):
رياضي فَلكي جغرافي، من أهل خُوارزم، أقامه المأمون العباسي قيِّمًا على خزانة كتبه، وعهِد إليه بجمع الكتب اليونانية وترجمتها، وأمَرَه باختصار "المجسطي" لبطليموس، فاختصره وسماه "السند هند"؛ أي: الدهر الداهر، فكان هذا الكتاب - كما ينقل الزِّرِكْلي صاحب "الأعلام" عن ملتبرون الجغرافي (Maite Brun) - أساسًا لعلم الفَلك بعد الإسلام.
وكان الناس - كما يذكر ابن النديم والقفطي - قبل الرَّصد وبعده يعوِّلون على زيجَيْه الأول والثاني، ويعرفان بالسند هند، وهذا ما جعل كُتبَه تنتشر ويُحفظ بعضُها، إما بأصولها العربية، أو بترجمتها اللاتينية والعبرية، أما زيجه "الزيج" أو "زيج السند هند"، فقد اقتَبس البيروني في كتابه "إفراد المقال" - على ما يبدو - الجزء الثاني منه، كما ورد جزءٌ منه في كتاب "المغني" لابن هبنتا.
وقد حرَّر الزيجَ هذا أبو أسامة المجريطي (ت 398هـ/ 1007م)، وترجمه إلى اللاتينية أَتِلْهارد الباثي (Athelhard von Bath).
وللخُوارزمي "كتاب العمل بالإسطرلاب"، وصل إلينا في كتاب "الكامل في الإسطرلاب" للفرغاني، وقد تُرجم إلى الألمانية عام 1342هـ/ 1922م.
8- أبو عبدالله محمد بن جابر بن سنان البتَّاني (ت 317هـ/ 929م):
يقول عنه القِفطي: "ولا يُعلم أحدٌ في الإسلام بلغ مبلغَه في تصحيح أرصاد الكواكب وامتحان حركاتها"، وكان يرصد في الرقَّة على الضِّفة اليسرى من الفرات، وهو أول من كشف السَّمت (Azimuth) والنظير (Nadir)، وحدَّد نقطتيهما في السماء، واكتشف حركةَ الأوج الشمسي، وتقدُّم المدار الشمسي وانحرافه، والجيب الهندسي والأوتار.
يقول نلِّينو: "إن للبتَّاني رصودًا جليلةً للكسوف والخسوف، اعتمد عليها دنتورن (Dunthorne) سنة 1163هـ/ 1749م في تحديد تسارع القمر في حركته خلال قرنٍ من الزمان".
وقال لالند (Lalande) الفَلكي الفرنسي: "البتَّاني أحدُ الفلكيِّين العشرين الأئمة الذين ظهروا في العالَم كلِّه".
9- أبو الحسن علي بن عبدالرحمن بن أحمد بن يونس الصدفي المصري (ت 398هـ/ 1007م):
الذي صحِب الحاكم الفاطمي، وعمل زيجًا سماه "الزيج الحاكمي" في أربعة مجلدات، صحَّح به أغلاطَ مَن سبقه من مصنِّفي الأزياج.
وفي كتاب "حضارة العرب" لغوستاف لوبون: "وضع ابن يونس في القاهرة زيجه الحاكمي المشهور، فأنسى كلَّ زيجٍ قبله في العالم، حتى عُني به فلكيو الصين، فذكره أحدُهم "كوشيو كنغ" سنة 679هـ/ 1280م"، وقد أشرف ابن يونس على الأرصاد في مرصد جبل المقطم قرب الفسطاط.
10- أبو القاسم مسلمة بن أحمد المجريطي (ت 398هـ/ 1007م):
يَذكر عنه صاعد الأندلسيُّ أنه كان إمام الرياضيين بالأندلس، وأوسَعَهم إحاطةً بعلم الأفلاك وحركات النُّجوم، يقول عنه القفطي: "كانت له عنايةٌ بأرصادِ الكواكب، وشغفٌ بتفهُّم كتاب المجسطي"، ومما وصل من كُتبِه تحريرُه لزيج الخُوارزمي: "نقل تأريخَه الفارسيَّ إلى التاريخ العربي، ووضع أوساط الكواكب لأول تاريخ الهجرةِ، وزاد فيه جداولَ حسنة"، وصل باللغة اللاتينية.
ولِمَسلمة المجريطي كتابٌ اختصر فيه تعديلَ الكواكب من زيج البتَّاني.
11- غياث الدين جمشيد الكاشي (ت 832هـ/ 1429م):
الذي عمل في مرصد مراغة في عهد أولغ بك[4]، ووضع زيجًا سماه "الزيج الخاقاني"، فيه من البراهينِ الرياضية والأدلَّة الفَلكية ما لا يوجدُ في الأزياج التي عُمِلت قبله، وقد أهداه إلى أولغ بك.


[1] وَيْجن بن رستم الكوهي، أبو سهل (ت نحو 390هـ/ 1000م): متميز بالرياضيات، وحسَنُ المعرفة بالهندسة وعلم الهيئة، متقدمٌ فيهما إلى الغاية المتناهية، من أهل جبال طَبَرستان، تقدم في الدولة البُوَيْهية والأيام العضدية وما بعدها، وهو الذي بنى "بيت المرصد" لشرف الدولة ببغداد، وأحكم أساسه وقواعده، ورصد فيه الكواكبَ السبعة في سَيْرها وتنقُّلها في بروجها، على مثل ما كان المأمون قد فعله في الشماسية في أيامه، وله كتب، أكثرها رسائل، منها: "كتاب صنعة الإسطرلاب بالبرهان"، ويوجد منه مخطوطة في لايدن، و"رسالة في معرفة مقدار البُعد من مركز الأرض ومكان الكواكب الذي ينقضُّ بالدليل"، ومنها مخطوطة في باريس.
[2] الميل: أربعة آلاف ذراع، وهي الذِّراع التي وضعها أمير المؤمنين المأمون لذَرع الثياب ومساحة البناء، وقسمة المنازل، والذراع 120 إصبعًا.
[3] وقد كان من جملة هذه الجماعة: سند بن علي، وخالد بن عبدالملك المروذي، ويحيى بن أبي منصور.
[4] انظر ما ورد عنه في حاشية ترجمة الكاشي، في بحث علوم الرياضيات.
إنجازات المسلمين في علم الفلك
لقد دفع اهتمام المسلمين بعلم الفلك إلى نقلِ كتب الأمم الأخرى إلى اللغة العربية.
فكانت الترجمةُ عن اللغة اليونانية أو السَّنْسِكريتية أو السُّريانية أو الكَلدانية من أُولى الإنجازات الرئيسية التي قام بها المسلمون في العلوم الكونية بعامة، وعلم الفَلَك بخاصة.
وكان لمؤلَّفات إقليدس وأرخميدس وبطليموس الأثرُ الكبير على تفكير العاملين بحقل الرياضيات، والفَلَك، والجغرافية، لسنين عديدة.
وما لبث المسلمون - بعد مدة وجيزة - أن بدؤوا في تصحيحِ وتنقيح تلك الكتب التي نقلوها عن اللغات الأخرى، حتى إذا اكتمل هضمُ وتمثُّل تلك الكتب المترجمة، أخذ الإبداعُ دوره عند المسلمين في هذا الحقل أو ذاك من حقول العلوم التجريبية.
ولما كان المعوَّل في علم الفَلَك على رصد النجوم والكواكب، فقد شرَعوا في بناء المراصد، وهكذا بُني في عهد الخليفة المأمون (ت 218هـ/ 833م) مرصدٌ في دمشق على جبل قاسيون (سنة 214هـ/ 829م)، وفي الشماسية ببغداد.
وقد عمِل في مرصد بغداد كثيرٌ من العلماء المشهورين من أمثال "ما شاء الله" الذي ألَّف في الإسطرلاب ودوائره النُّحاسية، و"يحيى بن أبي منصور"، الذي عهِد إليه المأمونُ التحقُّقَ من البيانات والأرصاد التي وردت في زيج بطليموس، الأمر الذي أدى إلى وضع "الزيج الممتحن الرصدي المأموني".
وعمل في مرصد بغداد "سند بن علي"، وكان ممن كَلَّفهم المأمونُ بالقيام بمساحة درجة جغرافية بين الفرات ودجلة، كما كان ممَّن اشترك في الأرصاد التي أُجريت في بغداد ودمشقَ ما بين عامي (214 -217هـ/ 829 -832م).
وعمِل في مرصد بغداد - كذلك - أحمد بن محمد بن كثير الفرغاني، صاحب كتاب: "جوامع علم النجوم وأصول الحركات السماوية"، وكتاب: "الكامل في صنعة الإسطرلاب الشمالي والجنوبي وعللها بالهندسة والحساب" الذي مرَّ ذكره، وقد درس الكتابَ الأخير هذا كلٌّ من العالِم الفيزيائي الألماني فيدمان (E.Wiedemann) وفرانك (J.Frank)، اللذان أشادا بالفرغاني، وعدَّاه أولَ من أشار إلى أنَّ تحديدَ ظهور الفجر والشَّفق يتوقَّف على تغيُّرات الهواء، وعلى ازدياد الهلال ونقصانه، وأنه أولُ من افترض ارتفاعاتٍ شمسية مختلفةً للظاهرتين.
ولم يتوقَّفْ بناءُ المراصد على هذين المرصدين؛ وإنما استمر بناؤها هنا وهناك، وفي سائر الأمصار الإسلامية، وذلك على امتداد نحو ستة قرون، كان آخرها مرصد سمرقند في مراغة.
ويجدر الإشارةُ - بهذا الصدد - إلى المرصد الذي ابتناه أبناء موسى بن شاكر في سامراء؛ فقد امتاز هذا المرصد - كما تذكر هونكه مؤلفة كتاب "شمس الإسلام تسطع على الغرب" نقلًا عن كتاب الطبيب ابن ربن الطبري - بوجودِ آلةٍ ابتناها الأخوان محمد وأحمد بن موسى، لها شكل الكرة، رُسم عليها صور النجوم، وعلامات البروج، وتعمل بدفع الماء.
إذا غاب نجمٌ في السماء، اختفت صورتُه في الوقت نفسه من الآلة، تحت خطٍّ دائري، يمثِّل وجهَ البرج المطابق، وإذا ما بزغ النجمُ نفسُه في السماء من جديد، ظهرت صورتُه على الآلةِ فوق خط الأُفق... وهكذا.
وحريٌّ بهذه المناسبة أن يُذكر أنَّ "أبا سهل الكوهي"[1] عمل آلةَ رصد، وُضعت في مرصد السلطان عضد الدولة، الذي بناه في حديقة قصرِه ببغداد، فلمَّا تولى ولدُه شرف الدولة السلطةَ، عهِد إلى عددٍ من كبار العلماء اختبارَ هذه الآلة، ورفْعَ تقرير بذلك، ولَمَّا تأكد لهؤلاء صحةُ عملها، رفعوا تقريرًا - كما ورد عند القفطي - جاء من جملة ما جاء فيه: "أنَّ الآلةَ التي أخبر عنها أبو سهل دلَّت على صحة مدخلِ الشمس رأس السرطان، بعد مضيِّ ساعة واحدة معتدلة... وقد سلم جميعُ مَن حضر من المنجمين والمهندسين، وغيرهم ممَّن له تعلُّق بهذه الصناعة وخبرةٌ - تسليمًا لا خلاف فيه بينهم: أن هذه الآلةَ جليلةُ الخطر، بديعة المعنى، مُحكَمة الصَّنعة، واضحة الدلالة، زائدة في التدقيق على جميع الآلات التي عُرفت وعهدت، وأنه قد وصل بها إلى أبعدِ الغايات في الأمر المرصود، والغرض المقصود، وأدَّى الرَّصدُ بها إلى أن يكون بُعْدُ سمت الرأس من مدار رأسِ السرطان سبعَ درجات وخمسين دقيقة، وأن يكونَ الميلُ الأعظمُ - الذي هو غاية بُعْدِ منطقة فَلَك البروج عن دائرة معدَّلِ النهار - ثلاثًا وعشرين درجة وإحدى وخمسين دقيقة وثانية".
وكان ممن وقع المحضر الآنف الذكر أبو حامد أحمد بن محمد الصاغاني الأسطرلابي (ت 379هـ/ 990م)، الذي يقول عنه القفطي (ت646هـ/ 1248م): "إنه كان يُحكِم صناعة الأسطرلاب والآلات الرصدية غاية الإحكام، وآلاتُه مذكورة بأيدي أرباب هذا الشأن، معروفةٌ في ذلك الزمان وفي هذا الأوان".
وقد قاس أبو حامد هذا مدةَ السنة الاستوائية وفصول السنة وأوج الشمس، بطريقةٍ مغايرة للطريقة البطليموسية، ووجد عام 376هـ/ 986م أنَّ مقداره يساوي 82 و52 و33، ومما يجدر ذكرُه أن البيروني أشار في كتابه: "استيعاب الوجوه" إلى أنَّ الصاغاني كان مكتشفًا لنوع من أنواع تسطيح الكرة.
وعلى العموم، فقد انتشرت المراصدُ في معظم مدن وأمصار البلاد الإسلامية؛ مما أسفر عن تقدُّمٍ هائل في علم الفلك، وبلوغِه مستوى رفيعًا، تحقق من جرَّائها تعيينُ انحراف سمت الشمس تعيينًا نهائيًّا بالمقدار 23 و33 و52؛ أي: ما يعدِل - كما يذكر غوستاف لوبون - الرقم في الوقت الحاضر.
وعن طريق الأرصاد قِيستْ - كذلك - عروضُ بعض المدن، نذكر منها عَرض مدينة بغداد، الذي وجد أنه يساوي 33 و20؛ أي: يقلُّ عن الرقم الصحيح بعشر ثوانٍ تقريبًا.
ويحسن أن يُذكر - بهذه المناسبة - أن أبا الحسن المرَّاكشي (ت 660هـ/ 1262م)، قد عيَّن - كما يذكر غوستاف لوبون - بضبطٍ لم يسبِقْه إليه أحدٌ العَرضَ والطولَ لإحدى وأربعين مدينة إفريقية، واقعة بين مرَّاكش والقاهرة؛ أي: ما مسافته 900 فرسخ، وأنه قيَّد مشاهداتِه في كتاب بعنوان: "جامع المبادئ والغايات في علم الميقات" يتضمَّن - فيما يتضمن كذلك - معارفَ ثمينة لآلات الرَّصد العربية، وقد قام سيديو بترجمة بعضه.
ومن أَجَلِّ أعمال العلماء المسلمين في الفَلك - كما يذكر نلِّينو - قياسُهم قوسًا من دائرة نصف النهار في أيام الخليفة المأمون العباسي (ت 218هـ/ 833م)، وقد ذُكر هذا القياس في عدة كتب، منها: "الزيج الكبير" لابن يونس المصري (ت 398هـ/ 1007م)، وفي كتاب "وَفَيَات الأعيان" لابن خَلِّكان، وفي كتاب "الزيج في النجوم" لـ: حسين المنجِّم، الذي ذكر عن خالد بن عبدالملك المروزي وغيره - وقد كانوا رصدوا الشمس لأمير المؤمنين المأمون في برية سنجار من بلاد ربيعة - أن الذين قاموا بهذا القياسِ وجدوا أن مقدارَ درجة واحدة من وجه الأرض يبلغ ستة وخمسين ميلاً، وأنه إذا ما ضُرب مقدارُ درجة واحدة في ثلاثمائة وستين، فإنه يُعطي دور كرة الأرض المحيطة بالبَرِّ والبحر، ومقداره عشرون ألف ميل[2] ومائة وستون ميلاً...
وقد استنبط نلِّينو من هذا أن طولَ الدرجة يبلغ عند فلكيِّي المأمون 111815 مترًا، وطول جميع محيط الأرض 41248 كلم، وهو قريبٌ من الحقيقة، دالٌّ على ما كان للعرب من الباع الطويل في الأرصاد وأعمال المساحة، بل يُعَدُّ أولَ قياس حقيقيٍّ لمحيط الأرض.
ومن أعمال فلكيِّي مدرسة بغداد - كذلك - التقاويمُ لأمكنة الكواكب السيَّارة، وتعيينهم بالضبط مبادرة الاعتدالين.
وحريٌّ بهذه المناسبة أن يُشارَ إلى أن المسلمين كانوا يسلِّمون بكروية الأرض، وأن هذه العمليةَ تؤكِّد - من بين ما تؤكد - الحرية الفكريةَ التي حظِي بها رجالُ العلم والفكر في البلاد التي كانت تحت مظلَّةِ الإسلام، خلافًا لِما أصابهم من أذًى ومطاردة في بلاد الظلمات "أوروبا"، التي كانت في ذاك الوقت ترزح تحت سلطان الكنيسة.
فضلاً عن ذلك، يذكر لوبون أن السلطانَ ملك شاه السَّلجوقي، الذي ابتنى مرصدًا في نيسابور شرقي إيران، أمر بالقيام بأرصاد، أسفرت عن إصلاح التقويم السنوي بما هو أفضلُ من التقويم الغريغوري الذي تم في أوروبَّا بعد 600 سنة، فالتقويم الغريغوري يؤدِّي إلى خطأِ ثلاثة أيام في كل عشرة آلاف سنة، بينما يؤدِّي التقويم العربي إلى خطأ يومين فقط في مثلِ ذلك الدور.
ويذهب سيديو إلى أنَّ اكتشافَ الاختلاف القمري الثالث - وهذا يُعَدُّ من نتائج الأرصاد كذلك - يرجع إلى أبي الوفاء البوزجاني (ت 388هـ/ 998م)، وليس إلى تيخو براهى Tycho Brahe (ت 1010هـ/ 1601م) الذي جاء بعد أبي الوفاء بستمائة سنة؛ علمًا أن هذا الاكتشافَ يُعَدُّ أقصى ما يمكِن علم الفَلك الوصول إليه بغير نظارة ومرقب.
ولقد كان من نتائج الأرصادِ على امتداد عدة قرون أنْ عُملت أزياجٌ كثيرة، منها الزيج الفزاري، والزيج الخُوارزمي، والزيج البتَّاني، والزيج السنجري، والزيج الخاقاني... إلخ.
ولهذه الأزياجُ أهمية علمية من حيث البحثُ في تاريخ الكواكب ومواقعها وحركاتها، كما كان لها دورُها في تطور علم الفلك في أوروبَّا.
فقد توصل سيديو - وهو ممن درس الرسائلَ الفلكية، وما ماثلها للملك الأذفونشي العاشر القشتالي - إلى النتائج القائلة: إنَّ العربَ سبقوا كبلر وكوبرنيكوس في اكتشافِ حركات الكواكب السيارة على شكلِ إهليلجي، وفي نظرية دوران الأرض، وأن أزياج الأذفونش العاشر المسماة "الأزياج الأذفونشية"، والتي تسيرُ بمقتضاها تقدير حركات النجوم حسب خط الزوال في طليطلة - مأخوذةٌ عن العرب.
ومما يُذكر من إنجازات العلماء المسلمين في الفَلك أيضًا تطويرُهم الإسطرلاب؛ فقد ذكر ابن النديم أنَّ الفزاري (ت نحو 180هـ/ 796م): "هو أول من عمل في الإسلام إسطرلابًا، وعمل إسطرلابًا مبطحًا ومسطحًا". وما لبث المسلمون أن طوَّروا الإسطرلاب المسطَّح هذا، فجعله السِّجزيُّ (ت477هـ/ 1084م) زورقًا ذا قُطبين بدلاً من قطب واحد، كما طوَّره البيروني والزرقالي (ت نحو 480هـ/ 1087م) كذلك، وقد استخدم الإسطرلاب في قياس الزوايا والارتفاعات.
ومن الأعمال المجيدة والإنجازات الرائعة التي عملها المسلمون، وتتعلَّق بعلم الفَلك، وجديرةٌ بالذِّكر - تطويرُهم للمزاول الشمسية؛ إذ استخرجوا علاقةً أَمْكَنهم بها حسابُ مواقعِ أرقام جميع ساعات النهار على لوحة المزولة، ومعرفة أنصاف الساعات وأرباعها، وحتى الدقائق، وذلك بعد أن جرَّبوا معادلاتٍ رياضية بحساب المثلَّثات الكروية... وقد صنَّف البعضُ في المزاول، نذكر منهم: أبا الحسن علي المرَّاكشي، الذي تقدم ذكرُه في حساب عروض بعض المدن الإفريقية، فقد صنَّف كتابًا فيها، ذكر فيه أصناف المزاول ومنافعها.
وقد دخلت هذه المزاول إلى أوروبَّا عن طريق الأندلس.
ومن إنجازات المسلمين الفَلكية كذلك: الرَّسم على سطح الكرة، واكتشافهم كلف الشمس.
هذا، وقد احتفى علمُ الفَلك بأعداد وفيرة من العلماء المرموقين، لا نملِك أن نذكر إلا بعضهم، من هؤلاء على سبيل الذِّكر لا الحصر:
1- يعقوب بن طارق:
كان في عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور (ت 158هـ/ 775م)، ذكره ابن النديم صاحب الفِهرست على أنه من أفاضل المنجِّمين، ووصفه القفطي مؤلِّف كتاب الحكماء بقوله: "كان مشهورًا بين أهل هذه الصناعة"، وذكر من مصنفاته "كتاب الزيج محلول في السند هند لدرجة درجة"، و"كتاب ما ارتفع من قوس نصف النهار"، وكتاب "تقطيع كردجات الجيب"، وله - كما يذكر سزكين - "كتاب تركيب الأفلاك"، وقد حفظ منه مقتطفات في كتاب "المغني في أحكام النجوم" لابن هبنتا (المجلد الأول وبعض من المجلد الثاني موجودٌ في المكتبة الظاهرية بدمشق)، يستفادُ من هذه المقتطفات أنَّ الأرضَ كروية، وتقعُ في مركز الفَلك الخارجي، كما يقع صفار البيض في بياض البيض.
2- "ما شاء الله": ورد عند ابن النديم:
ابن أثري، وعند القفطي: ابن أبري، كان يهوديًّا في زمن المنصور، وعاش إلى أيام المأمون، وكان فاضلاً أوحدَ زمانه في علم الأفلاك، وكان له - كما يورد القفطي - حظٌّ قوي في سهم الغيب، اشتهر ذلك عنه، وقد رُوي أنَّ سفيانَ الثوري لقي "ما شاء الله"، فقال له: "أنت تخاف زُحَل وأنا أخاف ربَّ زُحَل، وأنت ترجو المشتري وأنا أرجو ربَّ المشتري، وأنت تعذو بالاستشارة وأنا أعذو بالاستخارة، فكم بيننا؟" فقال "ما شاء الله": "كثيرٌ ما بيننا، حالُكَ أرجى، وأمرُك أنجحُ وأحجى"، ولـ"ما شاء الله" من التَّصانيف في الفَلك كتاب "صنعة الإسطرلاب والعمل بها"، وكتاب "ذات الحلق".
3- عمر بن الفَرُّخان الطبري، أبو حفص:
من أوائل المنجِّمين والفلكيين المسلمين الذين وصلت إلينا بعضُ مؤلَّفاتهم، قيل: إنه و"ما شاء الله" والفزاري كانوا من المهندسين والمنجِّمين الفلكيين الذين اشتركوا في تأسيس مدينة بغداد لأبي جعفر المنصور، يصِفُه القفطي على أنه أحد رؤساء التراجمة والمتحققين بعلم حركات النجوم وأحكامها، وقد حظِي بمنزلة رفيعة عند هارون الرشيد، واتصل بالوزيرين يحيى بن خالد بن برمك (ت190هـ/ 805م)، وبالفضل بن سهل (ت 202هـ/ 818م)، وهذا يعني أن عمر بن الفرُّخان توفي في خلافة المأمون (218هـ/ 833م).
4- أحمد بن محمد النهواندي الحاسب:
لا يُعرف مِن أمره - كما يذكر ابن النَّديم - أكثرُ من هذا، وله من الكتب "كتاب المدخل إلى علم النجوم"، و"كتاب إلى محمد بن موسى في النيل".
ويذكر "سزكين" أنه عاش في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي، وإلى النصف الأول من القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي.
5- يحيى بن أبي منصور الفارسي المنجم (ت 230هـ/ 845م):
كان مجوسيًّا وأسلم على يدِ المأمون وخصَّ به، ولَمَّا عزم المأمونُ على رصد الكواكب تقدَّم إليه وإلى جماعة آخرين، وأَمَرَهم بالرَّصد وإصلاح آلاته، ففعلوا ذلك بالشماسية ببغداد وجبل قاسيون بدمشق سنة 215هـ، واستمر العملُ إلى أن توفي المأمون، وكان له منزلةٌ رفيعة بين أقرانه، ترجع إلى أن المأمونَ كلَّفه أن يتفحَّصَ أرصادَ ثوابتِ زيج بطليموس والمجسطي، وقد دَوَّن نتائجَ عمله في الزيج الذي عمله بعنوان "الزيج الممتَحَن الرصدي المأموني".
6- العباس بن سعيد الجوهري المنجِّم (توفي في الربع الأول من القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي):
خبيرٌ بصناعة التسيير وحساب الفَلك، قيِّمٌ بأعمال الأرصاد، صحِب المأمون، وندبه إلى مباشرة الرَّصد في جملة الجماعة المتولِّين لذلك بالشماسية ببغداد[3]، وحقَّق مواضعَ بعضِ الكواكب السيارة والنَّيِّرَيْن (الشمس والقمر)، وعمِل زيجًا مشهورًا سماه "كتاب الزيج"، فهو ورُفْقَتُه أول من رصد في الملَّة الإسلامية، ثم تبِعهم الناس بعد ذلك.
ويورد سزكين أن أبا بكر الفارسي ذكر أن القيمةَ التي أثبتها الجَوهريُّ بالنسبة للحركة المتوسطة لكلٍّ من الشمس والقمر أكَّدها أرصادُ أبي الحسن علي بن عبدالكريم الفهاد (عاش في القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي).
وللعباس مقالةٌ في معرفة بُعْدِ الشمس عن مركز الأرض.
7- محمد بن موسى الخُوارزمي، أبو عبدالله (ت بعد 232هـ/ 847م):
رياضي فَلكي جغرافي، من أهل خُوارزم، أقامه المأمون العباسي قيِّمًا على خزانة كتبه، وعهِد إليه بجمع الكتب اليونانية وترجمتها، وأمَرَه باختصار "المجسطي" لبطليموس، فاختصره وسماه "السند هند"؛ أي: الدهر الداهر، فكان هذا الكتاب - كما ينقل الزِّرِكْلي صاحب "الأعلام" عن ملتبرون الجغرافي (Maite Brun) - أساسًا لعلم الفَلك بعد الإسلام.
وكان الناس - كما يذكر ابن النديم والقفطي - قبل الرَّصد وبعده يعوِّلون على زيجَيْه الأول والثاني، ويعرفان بالسند هند، وهذا ما جعل كُتبَه تنتشر ويُحفظ بعضُها، إما بأصولها العربية، أو بترجمتها اللاتينية والعبرية، أما زيجه "الزيج" أو "زيج السند هند"، فقد اقتَبس البيروني في كتابه "إفراد المقال" - على ما يبدو - الجزء الثاني منه، كما ورد جزءٌ منه في كتاب "المغني" لابن هبنتا.
وقد حرَّر الزيجَ هذا أبو أسامة المجريطي (ت 398هـ/ 1007م)، وترجمه إلى اللاتينية أَتِلْهارد الباثي (Athelhard von Bath).
وللخُوارزمي "كتاب العمل بالإسطرلاب"، وصل إلينا في كتاب "الكامل في الإسطرلاب" للفرغاني، وقد تُرجم إلى الألمانية عام 1342هـ/ 1922م.
8- أبو عبدالله محمد بن جابر بن سنان البتَّاني (ت 317هـ/ 929م):
يقول عنه القِفطي: "ولا يُعلم أحدٌ في الإسلام بلغ مبلغَه في تصحيح أرصاد الكواكب وامتحان حركاتها"، وكان يرصد في الرقَّة على الضِّفة اليسرى من الفرات، وهو أول من كشف السَّمت (Azimuth) والنظير (Nadir)، وحدَّد نقطتيهما في السماء، واكتشف حركةَ الأوج الشمسي، وتقدُّم المدار الشمسي وانحرافه، والجيب الهندسي والأوتار.
يقول نلِّينو: "إن للبتَّاني رصودًا جليلةً للكسوف والخسوف، اعتمد عليها دنتورن (Dunthorne) سنة 1163هـ/ 1749م في تحديد تسارع القمر في حركته خلال قرنٍ من الزمان".
وقال لالند (Lalande) الفَلكي الفرنسي: "البتَّاني أحدُ الفلكيِّين العشرين الأئمة الذين ظهروا في العالَم كلِّه".
9- أبو الحسن علي بن عبدالرحمن بن أحمد بن يونس الصدفي المصري (ت 398هـ/ 1007م):
الذي صحِب الحاكم الفاطمي، وعمل زيجًا سماه "الزيج الحاكمي" في أربعة مجلدات، صحَّح به أغلاطَ مَن سبقه من مصنِّفي الأزياج.
وفي كتاب "حضارة العرب" لغوستاف لوبون: "وضع ابن يونس في القاهرة زيجه الحاكمي المشهور، فأنسى كلَّ زيجٍ قبله في العالم، حتى عُني به فلكيو الصين، فذكره أحدُهم "كوشيو كنغ" سنة 679هـ/ 1280م"، وقد أشرف ابن يونس على الأرصاد في مرصد جبل المقطم قرب الفسطاط.
10- أبو القاسم مسلمة بن أحمد المجريطي (ت 398هـ/ 1007م):
يَذكر عنه صاعد الأندلسيُّ أنه كان إمام الرياضيين بالأندلس، وأوسَعَهم إحاطةً بعلم الأفلاك وحركات النُّجوم، يقول عنه القفطي: "كانت له عنايةٌ بأرصادِ الكواكب، وشغفٌ بتفهُّم كتاب المجسطي"، ومما وصل من كُتبِه تحريرُه لزيج الخُوارزمي: "نقل تأريخَه الفارسيَّ إلى التاريخ العربي، ووضع أوساط الكواكب لأول تاريخ الهجرةِ، وزاد فيه جداولَ حسنة"، وصل باللغة اللاتينية.
ولِمَسلمة المجريطي كتابٌ اختصر فيه تعديلَ الكواكب من زيج البتَّاني.
11- غياث الدين جمشيد الكاشي (ت 832هـ/ 1429م):
الذي عمل في مرصد مراغة في عهد أولغ بك[4]، ووضع زيجًا سماه "الزيج الخاقاني"، فيه من البراهينِ الرياضية والأدلَّة الفَلكية ما لا يوجدُ في الأزياج التي عُمِلت قبله، وقد أهداه إلى أولغ بك.
[1] وَيْجن بن رستم الكوهي، أبو سهل (ت نحو 390هـ/ 1000م): متميز بالرياضيات، وحسَنُ المعرفة بالهندسة وعلم الهيئة، متقدمٌ فيهما إلى الغاية المتناهية، من أهل جبال طَبَرستان، تقدم في الدولة البُوَيْهية والأيام العضدية وما بعدها، وهو الذي بنى "بيت المرصد" لشرف الدولة ببغداد، وأحكم أساسه وقواعده، ورصد فيه الكواكبَ السبعة في سَيْرها وتنقُّلها في بروجها، على مثل ما كان المأمون قد فعله في الشماسية في أيامه، وله كتب، أكثرها رسائل، منها: "كتاب صنعة الإسطرلاب بالبرهان"، ويوجد منه مخطوطة في لايدن، و"رسالة في معرفة مقدار البُعد من مركز الأرض ومكان الكواكب الذي ينقضُّ بالدليل"، ومنها مخطوطة في باريس.
[2] الميل: أربعة آلاف ذراع، وهي الذِّراع التي وضعها أمير المؤمنين المأمون لذَرع الثياب ومساحة البناء، وقسمة المنازل، والذراع 120 إصبعًا.
[3] وقد كان من جملة هذه الجماعة: سند بن علي، وخالد بن عبدالملك المروذي، ويحيى بن أبي منصور.
[4] انظر ما ورد عنه في حاشية ترجمة الكاشي، في بحث علوم الرياضيات.
لقراءة المقال كاملاً من مصدره