ثالثًا: النحو واللغة:

اللغة والنحو من أهمِّ عُلوم اللسان العربي التي تطوَّرت وازدهرَتْ في مدينة الفسطاط، والنحو يظهَر بشكلٍ طبعيٍّ على لسان كلِّ متكلم؛ لأنَّ الإنسان يستخدم النحو وهو يتعلَّم النطق لكي يُحسِن التعبير عن أفكاره[1].

 

وقد تطوَّرت الدراسات اللغويَّة والنحويَّة في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، فقد ازدهرت العلوم وتطوَّرت[2]، وفي هذا القرن تخلَّص علم اللغة من طريقة الفُقَهاء حتى من الناحية الشكليَّة؛ فقد شعر علماء اللغة في هذا القَرن بأنهم في حاجةٍ إلى منهج يسيرون عليه، وإلى اتِّباع طريقة منظَّمة في تناوُل مادَّة بحثهم[3].

 

وتُشِير كثيرٌ من الأدلَّة إلى انتشار اللغة العربيَّة في مصر في القرن الرابع الهجري[4]، وقد ظهَر بوضوحٍ نُفور الناس من اللحن؛ فقد اعتبَرَه كثيرٌ منهم نوعًا من اللحن والعيب الكبير، ومن ذلك "أنَّ الفضل بن عباس دخَل على كافور فقال له: أدام الله أيَّامِ مولانا "بكسر الميم" فأنكر كافور ذلك، فقام رجلٌ من الحاضرين، وهو النجيرمي، وأنشد معتذرًا عن لحن الفضل بن عباس، عسى أن يعفو كافور:

 

لاَ غَرْوَ أَنْ لَحَنَ الدَّاعِي لِسَيِّدِنَا
أَوْ غَصَّ مِنْ هَيْبَةٍ بِالرِّيقِ أَوْ بَهَرِ

فَمِثْلُ سَيِّدِنَا حَالَتْ مَهَابَتُهُ
بَيْنَ البَلِيغِ، وَبَيْنَ القَوْلِ بِالْحَضَرِ

فَإِنْ يَكُنْ خَفَضَ الأَيَّامَ عَنْ دَهَشٍ
مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ، لاَ مِنْ قِلَّةِ البَصَرِ

فَقَدْ تَفَاءَلْتُ فِي هَذَا لِسَيِّدِنَا
وَالْفَأْلُ مَأْثُورَةٌ عَنْ سَيِّدِ البَشَرِ

بِأَنَّ أَيَّامَهُ خَفْضٌ بِلاَ نَصَبٍ
وَأَنَّ دَوْلَتَهُ صَفْوٌ بِلاَ كَدَرِ[5]

 

وهذا الموقف يدلُّ على أنَّ الناس - وعلى رأسهم الولاةُ - كانوا يعدُّون اللحن والخطأ في اللغة من العُيوب التي تعيب صاحبها، ويدلُّ أيضًا على وجود الذوق اللغوي عند الكثير منهم.

 

وكان هناك علماء قد توفَّروا على اللغة والنحو في مدينة الفسطاط في العصر الإخْشيدي، ويأتي على رأس هؤلاء أبو العباس بن ولاد، وأبو جعفر النحاس[6].

 

وكان ابن ولاد - أبو العباس - أحمد بن محمد بن الوليد التميمي المصري نحويَّ مصر، وقد ظلَّ بها يفيد ويُصنِّف إلى أنْ مات سنة 332هـ[7]، وهو من أسرة بني ولاد التي توفَّر أهلها على اللغة والنحو، وقد أخذ العلم على أيدي علماء الفسطاط، فسمع من أبيه، ثم رحل إلى بغداد، فأخذ عن الزجاج[8]، وكان الزجاج يُفضِّله على ابن النحاس، ويثني عليه عند مَن يقدم بغداد من المصريين، فكان يقول: "عندكم تلميذ من صفته كذا وكذا... فيُقال له: أبو جعفر النحاس؟ فيقول: بل أبو العباس بن ولاد"[9].

 

وقد اشتدَّت المنافسة بينه وبين مُعاصِره أبي جعفر النحاس[10]، وكان لابن ولاد مجالسه العلميَّة التي كان يرتادها طلاب العربيَّة، وكان عبدالله بن يحيى بن سعيد الشاعر المصري أحد مَن لازَموا مجلس ابن ولاد وأخذوا عنه[11]، وكان ابن ولاد على جانبٍ كبيرٍ من العلوم العربيَّة بصيرًا بالنحو خبيرًا بأسرار اللغة عارفًا لتراكيبها ومفرداتها، وقد ألَّف كتاب "الانتصار لسيبويه"، وكتاب "المقصور والممدود"[12]، وهو مُرتَّب على حروف المعجم، ويُعالِج مشكلات الكلمات المقصورة والممدودة، ويذكُر طريقة هجائها ويحصر مفرداتها، وكانت له آراء في كيفيَّة تقعيد القواعد وفي أصول النحو تُعَدُّ من أنضج ما قيل في هذا الموضوع[13].





[1] جورجي زيدان، تاريخ آداب اللغة العربية، ج2، ص148.

[2] المرجع نفسه، ج2، ص220.

[3] متز، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ج1، ص417.

[4] د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط منذ الفتح العربي إلى نهاية الدولة الإخشيدية، ص77، 78.

[5] ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج2، ص285، انظر: ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة، ج4، ص3، د. سيدة إسماعيل كاشف، مصر في عصر الإخشيديين، ص318، د. صفي علي محمد، مرجع سابق، ص445، د. حسن إبراهيم حسن، كافور الإخشيدية، ص38، 39، مجلة كلية الآداب، المجلد الثالث، ج1، مايو، 1942م، مطبعة جامعة القاهرة، ط2، 1953م.

[6] د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص446.

[7] السيوطي، حسن المحاضرة، ج1، ص228، انظر: د. سيدة إسماعيل كاشف، مصر في عصر الإخشيديين، ص326، د. محمود الحويري، مصر في العصور الوسطى، ص138، د. أحمد محمد الحوفي، الطبري، ص22.

[8] د. سيدة إسماعيل كاشف، مصر في عصر الإخشيديين، ص326، انظر: د. محمود الحويري، مصر في العصور الوسطى، ص138.

[9] السيوطي، حسن المحاضرة، ج1، ص228، انظر: د. محمود الحويري، مصر في العصور الوسطى، ص139، د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص446.

[10] د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص447.

[11] السيوطي، حسن المحاضرة، ج1، ص172، انظر: د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص447.

[12] د. سيدة إسماعيل كاشف، مصر في عصر الإخشيديين، ص326، انظر: د. محمود الحويري، مصر في العصور الوسطى، ص138، د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص447.

[13] د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص447.