روى الامام أحمد في المسند والبخاري ومسلم في صحيحيهما والترمذي وابن ماجة في السنن عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (ان الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى اذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلَّوا وأضلوا) ، ولقد شهدنا في العام الهجري الحالي رحيل عددٍ من علماء الاسلام في العالم الاسلامي كانوا أعلامًا في مجاهيل الجاهلية، وكان من أواخر العلماء الراحلين عالم من علماء ليبيا وعلم من أعلامها وشاهد على تاريخ هذه البلاد لحقبة طويلة، حيث شهد الغزو الصليبي الايطالي لليبيا، ثم خروج إيطاليا منكسرة خائبة، ومجيئ الانجليز ثم قيام ما عُرف بالمملكة الليبية ثم انقلاب القذافي وعصابته .. الامتداد الطبيعي للاستعمار الغربي لبلادنا المسلمة.
هذا الشاهد هو العلامة الشيخ (عيسى بلقاسم الفاخري) رحمه الله، الذي لم تبرزه أجهزة الإعلام ولا فضائياته بل أبرزه علمه وجهاده في سبيل دعوته.
مولده:
ولد الشيخ عيسى بلقاسم الفاخري عام 1904 بمنطقة الابيار، وهو من قبيلة (الفواخر) إحدى قبائل المرابطين التي تسكن (برقة) شرق ليبيا، وقد فقد الشيخ بصره وهو في الخامسة من العمر، ثم انتقلت أسرته حيث استقر بها المقام في مدينة (اجدابيا) بوسط ليبيا.
وفي عام 1911 م شهد الشيخ وأسرته قدوم جيوش الغزو الصليبي الايطالي لليبيا وكان وأسرته من ضحايا هذا الغزو، حيث شردت أسرته وفقد إخوانه الذين لم يعلم عنهم شيء منذ ذلك التاريخ.
يقول الشيخ عن تلك المرحلة (عندما اكتسحت إيطاليا فلول الحامية التركية، ووقعت مهمة الجهاد على رؤوس القبائل والأهالي، اجتمعت القبائل بمنطقة اجدابيا لتنظيم الجهاد فيما بينهم وهو مايعرف في تاريخ ليبيا بأدوار الجهاد، فكانت الريادة في قبائل المغاربة والزوية وأولاد الشيخ والقبائل والفواخر وغيرهم، فقرر إخوتي الجهاد في سبيل الله تعالىلاعلاء كلمته، بينما أنا لم أتمكن من ذلك لإعاقتي لكُفٍ في بصري، وعرج في رجلي، ومن ثم تفرغت لطلب العلم) .اهـ
وهكذا تفرغ الشيخ لرحلة الطلب وهو في التاسعة من عمره، وفي عام 1916م نفت إيطاليا والده وهو عائله الوحيد مع 18 ألف أسير ليبي إلى جزرها النائية لمدة عام ووضع الشيخ وهو في الثانية عشرة من عمره في ملجأ الأيتام، وكان يتردد على الكُتَّاب لتعلم القرآن الكريم فدرس على يد الفقيه الشيخ يوسف بحرية والشيخ سيدي بالحمودة الفزاني رحمهما الله، والشيخ أحمد بن موسى السيوي الذي قتل شهيدًا - نحسبه كذلك - في معركة (الرحيبة) بسلوق، جنوب بنغازي ضد القوات الايطالية في عام 1924م
هجرته:
وفي عام 1925م هاجر الشيخ إلى مصر قاصدًا المعهد الأزهري بالاسكندرية فطلب منه مديره أن يحضر رسالة موافقة من القنصلية الإيطالية بمصر.
لكن الشيخ رفض الطلب وقال (إن إيطاليا لا تمثلني وأنا هارب من جحيم إيطاليا بليبيا) فرُفض طلبه بالالتحاق بالمعهد.