الجهر بالتلاوة في الصلوات السرية، والقراءة بالمقامات الموسيقية
الإمتاع بفتاوى التلاوة والاستماع (15 و 16)

(فتاوى وأحكام شرعية حول تلاوة وسماع الآيات القرآنية)
عن عبدالله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة سورة، ويسمعنا الآية أحيانًا[1].
 
وعن طلحة بن عبدالله بن عوف، قال: صليت خلف ابن عباس - رضي الله عنهما - على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، قال: ليعلموا أنها سنة[2].
 
ومما سبق يتبيَّن أنه يجوز الجهر بالتلاوة في الصلوات السرية؛ للتعليم، أو لبيان الجواز، أو بغير قصد؛ للاستغراق في التدبر، والله أعلم.
 

القراءة بالمقامات الموسيقية؟
يجب أولاً أن أنبه على أمرين؛ الأمر الأول: أن تحسين الصوت بالقرآن مستحب؛ فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي موسى الأشعري: ((يا أبا موسى لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود))[3].
 
قال القاضي عياض - رحمه الله -:
"أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقراءة وترتيلها"، قال أبو عبيد: "والأحاديث الواردة في ذلك محمولة على التحزين والتشويق"؛ أ. هـ.
 
الأمر الثاني: أجمع علماء السلف على حرمة الموسيقى تعلمًا وتعليمًا؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((ليكونن من أمتي أقوام يستحلون: الحِرَ - الزنا - والحرير، والخمر، والمعازف))[4].
 
وأما عن القراءة بالألحان، فقد ثبت عن معاوية بن قرَّة، عن عبدالله بن المغفَّل أنه قال: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح على ناقة له، يقرأ سورة الفتح - أو من سورة الفتح - قال: فرجع فيها، قال: ثم قرأ معاوية يحكي قراءة ابن مغفَّل، وقال: لولا أن يجتمع الناس عليكم لرجعت كما رجع ابن مغفل، يحكي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت لمعاوية: كيف كان ترجيعه؟ قال: آ آ آ ثلاث مرات"[5].
 
قال القاضي: "واختلفوا في القراءة بالألحان، فكَرِهها مالك والجمهور؛ لخروجها عما جاء القرآن له من الخشوع والتفهُّم، وأباحها أبو حنيفة وجماعة من السلف"؛ ا. هـ.
 
والترجيع: ترديد الصوت في الحلق مع اللحن والنغم.
 
وفي قوله: "لولا أن يجتمع الناس عليكم... إلخ"؛ إشارة إلى أن ذلك مما يستميل القلوب والنفوس إلى الإصغاء.
 
ومما مضى يتبيَّن أنه يجوز للقارئ أن يتعلم المقامات الموسيقية من غير أن يخوض في الموسيقى وآلاتها، وذلك بالتلقي والتقليد للتلاوات التي يَشِيع فيها هذه المقامات، ثم يقرأ بهذه المقامات، بشرط الالتزام الكامل بأحكام التلاوة ومخارج الحروف أثناء التلاوة، وإذا تعارض مقام مع حكم من أحكام التجويد قدم حكم التجويد على المقام الموسيقي، كما قال الشيخ أيمن رشدي سويد حفظه الله[6].
 
ويجب على القارئ أن يخشى الله في تلاوته، وأن يخلص عمله لله فلا يرائي الناس، وأن يحصن نفسه من العجب؛ فإنه محبط للعمل، أسأل الله أن يجنبنا الخطأ والزلل، وبالله التوفيق، والله أعلم.



[1] أثر صحيح: رواه البخاري (743) (1/269)، (725) (1/264)، (728) (1/264)، (745،746) (1/270)، ومسلم (451) (1/333).


[2] أثر صحيح: رواه البخاري (1270) (1/448).


[3] حديث صحيح: رواه البخاري (4761) (4/1925)، ومسلم (236) (1/546)، ولفظه: ((لو رأيتَني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيتَ مزمارًا من مزامير آل داود)).
قوله: ((وأنا أستمع))، الواو فيه للحال، وجواب لو محذوف؛ أي: لأعجبك ذلك.
وفي رواية: فقال أبو موسى: "يا رسول الله، لو علمتُ مكانك لحبَّرت لك تحبيرًا"؛ أثر صحيح: رواه ابن حبان (7197) (16/169)، والحاكم (5966) (3/529)، وأبو يعلى (7279) (13/213)، وعبدالرزاق (4178) (2/485)، وابن أبي شيبة (29947) (6/119)، والبيهقي في الشعب (2149) (2/389)، (2604) ((2/525)، وفي السنن الكبرى (4484) (3/12)، (20843) (10/230)، والنِّسائي في الكبرى (8058) (5/23)، وأبو نعيم في الحلية (1/258)، (8/302)، وابن الجعد (3458) (1/496).


[4] حديث صحيح: رواه البخاري (5268) (5/2123) معلَّق بصيغة الجزم، ووصله بأسانيد صحاح: الإسماعيلي في مستخرجه كما في "الفتح" (10 / 56) و"التغليق" لابن حجر (5 / 19)، والبيهقي في السنن الكبرى من طريق الإسماعيلي (20777) (10/221)، (5895) (3/272)، وأبو داود في سننه (4039) (2/443)، وابن حبان في صحيحه (6754) (15/154)، والطبراني في المعجم الكبير (3417) (3/282)، وفي مسند الشاميين (588) (1/334).


[5] حديث صحيح: رواه البخاري (70102) (6/2742)، (4031) (4/1560)، (4747) (4/1921)، (4555) (4/1830)، (4760) (4/1925)، ورواه مسلم (794) (1/547).


[6] وانظر رسالته: "البيان لحكم قراءة القرآن الكريم بالألحان"؛ طبعة دار الصحابة.