أحكام الصيام من تمام المنة
(معناه، وفضيلته، والترهيب من إفطارِ شيءٍ من رمضان)
 
معنى الصوم:
الصومُ لغةً: الإمساكُ؛ قال - تعالى - حكايةً عن مريمَ - عليها السلام -: ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ﴾ [مريم: 26].
 
والصومُ شرعًا: هو التعبد لله - سبحانه وتعالى - بالإمساك عن المُفطِرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس.
 
فضيلة الصوم:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((قال الله - عزَّ وجلَّ -: "كلُّ عملِ ابن آدمَ له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به"، والصِّيام جُنَّة، فإذا كان يومُ صومِ أحدِكم، فلا يَرفُث، ولا يَصْخَب، فإن سابَّه أحدٌ أو قاتَله، فليَقل: إني امرؤٌ صائمٌ، والذي نفسُ محمدٍ بيده، لَخُلُوف فمِ الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فَرِح بفِطْره، وإذا لَقِي ربَّه فَرِح بصومه))[1].
ومعنى "جُنَّة": سُتْرَة.
والمراد "بالرَّفَث": الكلام الفاحِش.
و"الصخب": الخصام والصياح.
و"الخلوف": تغيرُ رائحةِ الفمِ؛ لخلوِّ المَعِدة من الطعام.
 
وعن سَهْل بن سعد - رضي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إنَّ في الجنة بابًا يُقَال له الرَّيَّان، يَدخُل منه الصائِمون يومَ القيامة، لا يَدخُل منه أحدٌ غيرهم، يُقَال: أين الصائمون؟ فيَقُومون، لا يَدخُل منه أحدٌ غيرهم، فإذا دَخَلوا أُغلِق، فلم يَدخُل منه أحدٌ))، وفي رواية عند ابن خزيمة: ((... فإذا دَخَل آخرُهم أُغلِق، ومَن دَخَل شَرِب، ومَن شَرِب لم يَظْمَأ أبدًا))[2].
 
وعن عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((الصيامُ والقرآنُ يَشفَعانِ للعبد يومَ القيامة، يَقُول الصيامُ: أَيْ رب: منعته الطعامَ والشهوةَ، فشفِّعني فيه، ويقول القرآن: منعته النومَ بالليل، فشفِّعني فيه))، قال: ((فيَشْفَعان))[3].
 
وعن أبي سعيد الخُدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما من عبدٍ يَصُوم يومًا في سبيلِ الله تعالى، إلا بَاعَد الله بذلك اليوم وجهَه عن النار سبعين خريفًا))[4].
 
والأحاديث في فضل الصيام كثيرة.
 
فضلُ صوم شهر رمضان:
ويُزَاد على ما تقدَّم - لصيامِ رمضان خاصة - بعضُ الفضائل نذكر منها:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((مَن قام ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبِه، ومَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبِه))[5].
 
وعنه - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إذا جاء رمضانُ فتِّحت أبوابُ الجنة، وغُلِّقت أبواب النيران، وصفِّدت الشياطين))، وفي رواية عند الترمذي: ((ويُنَادِي منادٍ: يا بَاغي الخير، أَقبِل، ويا بَاغي الشرِّ، أَقْصِر، ولله عتقاءُ من النارِ وذلك كلَّ ليلةٍ))[6].
ومعنى "صفِّدت": سُلسِلَت.
 
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - رَقِي المنبر، فقال: ((آمينَ، آمينَ، آمينَ))، فقيل له: يا رسول الله، ما كنتَ تَصنَع هذا؟ فقال: ((قال لي جبريلُ: رَغِمَ أنفُ عبدٍ - أو بَعُدَ - دَخَل رمضانُ فلم يُغْفَر له، فقلتُ: آمين، ثم قال: رَغِم أنفُ عبدٍ - أو بَعُدَ - أَدرَك والديه أو أحدَهما لم يَدْخُل الجنَّة، فقلتُ: آمين، ثم قال: رَغِمَ أنفُ عبدٍ - أو بَعُدَ - ذُكِرتَ عنده فلم يُصَلِّ عليك، فقلتُ: آمين))[7].
 
الترهيب من إفطارِ شيءٍ من رمضان:
عن أبي أُمَامة الباهلي - رضي الله عنه - قال: سمِعت رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((بَيْنَا أنا نائمٌ، أتاني رجلانِ، فأخذا بضَبْعِي، فأتيا بي جبلاً وعرًا، فقالا: اصعَد، فقلتُ: إني لا أُطِيقه، فقال: إنا سنُسَهِّله لك، فصعدتُ، حتى إذا كنتُ في سواء الجبل إذا بأصواتٍ شديدةٍ، قلتُ: ما هذه الأصواتُ؟ قالوا: هذا عُوَاءُ أهلِ النارِ، ثم انطلق بي، فإذا أنا بقومٍ معلَّقين بعراقيبِهم، مشقَّقة أشداقُهم، تَسِيل أشداقُهم دمًا، قال: قلتُ: مَن هؤلاء؟ قالا: الذين يَفْطُرون قبل تَحِلَّة صومهم))[8].
 
ومعنى "ضبعي": وسط الذِّرَاع، ويُقَال للإبط ضبع للمجاورة.
ومعنى "عُوَاء"؛ أي: صُرَاخ.
"بعراقيبهم": جمع عرقوب، وهو الوتر الذي خلف الكعبين.
"أشداقُهم": جوانب الفمِ.
والمقصود بقوله: ((قبل تَحِلَّة صومِهم))؛ أي: قبل أن يَحِلَّ لهم ما حرِّم عليهم بسببه، والمراد أنهم يَفْطُرون قبل تمام صومِهم.
 
أقسام الصوم:
الصومُ يَنقَسم إلى صومٍ واجبٍ، وصومِ تطوُّعٍ. والواجبُ يَنقَسِم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: واجبٌ للزمان، وهو صوم رمضان.
الثاني: واجبٌ لعلَّةٍ، وهو صومُ الكفَّارات والقضاء.
الثالث: ما يُوجِبه الإنسان على نفسه، وهو صومُ النذرِ.
 
المصدر: كتاب تمام المنة



[1] البخاري (1904)، ومسلم (1151)، والترمذي (764)، والنسائي (4/163)، وابن ماجه (1638).


[2] البخاري (1896)، ومسلم (1152)، والترمذي (765)، وابن ماجه (1640)، والنسائي (4/168)، وابن خزيمة (1902).


[3] صحيح؛ رواه أحمد (2/174)، والحاكم (1/740)، وقال: صحيح على شرط مسلم، وصحَّحه الشيخ الألباني؛ انظر: صحيح الجامع (3882).


[4] البخاري (2840)، ومسلم (1153)، والترمذي (1622)، والنسائي (4/173).


[5] البخاري (38)، (1901)، ومسلم (759)، والترمذي (683)، النسائي (4/157)، وابن ماجه (1641).


[6] البخاري (1898)، ومسلم (1079)، والنسائي (4/126)، والزيادة عند الترمذي (682) بإسناد قوي.


[7] حسن؛ رواه ابن خزيمة (1888)، وابن حبان (907)، والبخاري في الأدب المفرد (646)، وقال الشيخ الألباني: حديث حسن صحيح، ورواه الترمذي (3545) بدون ذكر صعوده المنبر.


[8] صحيح؛ رواه حبان (7491)، وابن خزيمة (1986).