الأدب في خدمة الدعاة
جاري تجهيز الصوت…
جاء في كتاب " فيض القدير على شرح الجامع الصغير" للعلامة المناوي هذا الحديث : عن كعب بن مالك رضي الله عنه: " لما نزلت " والشعراء يتبعهم الغاوون " : أتيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقلت : ما ترى في الشعر ؟ قال:(إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه)، وهناك رواية أخرى للحديث أوردها الدكتور محمد عبد القادر أحمد في كتاب " دراسات في أدب ونصوص العصر الإسلامي " تقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ قال لكعب بن مالك:(إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل).
ومعنى ذلك أن الدعوة الإسلامية في حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بصفة خاصة ، قد قامت على هذين الأمرين : الجهاد بالسنان، والدفاع عنها باللسان من جهة أخرى .
مكانة الشعر والشعراء
ولهذا وجدنا هذنا هذين الجانبين المهمين يتمثلان في أشخاص المؤمنين الأوائل وأفعالهم في آن ، ولن نتتبع كل ما روي في هذا الصدد ، وإنما سنكتفي بمثال واحد عن الصحابي الجليل عبد الله بن جحش ، فقد كان هذا الصحابي من المسلمين الأوائل الذين هاجروا إلى الحبشة ، ثم عاد إلى مكة ليهاجر هجرته الثانية إلى المدينة ملتحقـًا بالمسلمين هناك، وكان عبد الله مقربـًا من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، أثيرًا عنده يحبه ويقدمه ويعتمد عليه ، فكان يوجهه في مهمات ينجزها على خير وجه، وقد بعثه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليترصد قريشـًا مع ثمانية نفر من المهاجرين ، وكتم له أمره على ألا ينظر فيه إلا بعد مسيرة يومين ليمضي فيما أمر به ولا يكره أحدًا من أصحابه ، ففعل عبد الله ، وأثناء سيرهم مرت بهم عير لقريش تحمل زبيبـًا وأدمـًا وتجارة وفيهم عمرو بن الحضرمي وتردد المسلمون في قتال القوم؛ لأنهم في الشهر الحرام، ثم اختلفوا في حقيقة اليوم، ولكن انتهى أمرهم إلى قتل عمرو بن الحضرمي ، وأسروا عثمان بن عبد الله ، والحكم بن كيسان ، وهرب منهم نوفل بن عبد الله ، فلما رجع عبد الله بالعير والأسيرين إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ استنكر الرسول قتالهم في الشهر الحرم ، فأنزل الله تعالى قوله : (يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(البقرة:217) .
وقد قالت قريش في ذلك: قد أحل محمد وأصحابه الشهر الحرام ، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه المال، وأسروا فيه الرجال ، فقال عبدالله في ذلك يرد على قريش مستفيدًا مما أنزل الله في هذا من آياته البيانات :
تعدون قتلا في الحرام عظيمة وأعظم منه لو يرى الرشد راشد
صدودكــم عما يقــول محمد وكفـر به والله راء وشــاهـد
وإخراجكم من مسجـد الله أهله لئـلا يُرى لله في البيت ساجـد
فإنا وإن عيــرتمونا بقتله وأرجف بالإســلام باغ وحاسـد
سقينا من ابن الحضرمي رماحنا*بنخلة لما أوقد الحرب واقد
دمًا وابن عبدالله عثمان بيننا* ينازعه غل من القيـد واقـد
وقد كتب الكثير من الشعر في عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وخلفائه من بعده ، وعرض الكثيرون لتفسير بعض الآيات القرآنية على نحو يتفق مع الروح العامة حول الشعر، حيث كان ـ كما رأينا ـ طرفـًا مهمـًا في الصراع مع أعداء الإسلام ، ومن هذه الآيات قوله تعالى : (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ)(يـس:69) ، وقوله تعالى : (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) (الشعراء:224) .
وقد عقد ابن رشيق في كتابه الشهير " العمدة " بابًا (هو الباب رقم 1) في فضل الشعر ، وجاء الباب الثاني تحت عنوان " باب في الرد على من يكره الشعر " ، ومما جاء في هذا الباب الثاني ما روي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : " إنما الشعر كم مؤلف ، فما وافق الحق منه فهو حسن ، وما لم يوافق الحق منه فلا خير فيه " ، وقال عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ : " الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أعلم منه"، وقال علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ:" الشعر ميزان القول " ، ورواه بعضهم : " الشعر ميزان القوم " .
ويروى عن أسماء بنت أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ قالت :" مر الزبير بن العوام ـ رضي الله عنه ـ بمجلس لأصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وحسان ينشدهم ، وهم غير آذنين لما يسمعون من شعره ، فقال : ما لي أراكم غير آذنين لما تسمعون من شعر ابن الفريعة ؟ لقد كان ينشد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيُحسن استماعه ، ويجزل عليه ثوابه ، ولا يشتغل عنه إذا أنشده.
ويروى أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ مر بحسَّان ، وهو ينشد الشعر في مسجد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ،ثم قال : أرغاء كرغاء البكر ؟ فقال حسان : دعني عنك يا عمر ، فوالله إنك لتعلم لقد كنت أنشد في هذا المسجد من هو خير منك فما يغيِّر عليَّ ذلك ، فقال عمر : صدقت ، وكتب عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ إلى أبي موسى الأشعري : مُر مَنْ قبلك بتعلم الشعر ؛ فإنه يدل على معالي الأخلاق ، وصَواب الرأي ، ومعرفة الأنساب .
وقيل لسعيد بن المسيب : إن قومـًا بالعراق يكرهون الشعر ، فقال : نسكوا نسكـًا أعجميـًا .
وكان أبو السائب المخزومي ـ على شرفه وجلالته ، وفضله في الدين والعلم يقول: " أما والله لو كان الشعر محرمـًا لوردنا الرحبة كل يوم مرارًا " ، والرحبة الموضع الذي تقام فيه الحدود ، ويريد أنه لا يستطيع الصبر عنه فيحد في كل يوم مرارًا ولا يتركه .
وقد جاء الباب الثالث من كتاب ابن رشيق تحت عنوان " باب في أشعار الخلفاء والقضاة والفقهاء " ، وفيه نقرأ أشعارا لأبي بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ،وعلي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، والعباس بن عبد المطلب ، وعبد الله بن عباس ، وأبي سفيان بن الحارث ، والسيدة فاطمة الزهراء ، وعمر بن عبد العزيز ، وسواهم نكتفي هنا بأبيات قليلة من خمسة عشر بيتـًا للصديق أبي بكر ، رواها ابن رشيق عن ابن إسحاق وغيره ، وفيها ذود واضح عن الإسلام والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:
أمن طيف سلمى بالبطاح الدمانثأرقت ، أو أمرٍ في العشيرة حادث ؟
ترى من لؤي فرقة لا يصــدها عن الكفر تذكيـر ولا بعث باعــث
رسول أتاهم صادق فتكــذبوا عليـه ، وقالوا : لست فينا بماكــث
إذا ما دعوناهم إلى الحق أدبرواوهرُّوا هريــر المجْحرات اللواهـث
فكم قد متتنا فيهم بقــرابـة وترك التقـي شيء لهم غير كــارث
فإذا يرجعـوا عن كفرهم وعقوقهم فما طيبات الحــل مثلَ الخبــائـث
ثم انتقل ابن رشيق إلى باب من رفعه الشعر ومن وضعه ، ونتوقف في هذا الباب عند حادثة واحدة تدل ـ مثلما يدل الباب كله ـ على أن الشعر قديمـًا كان يمارس دورًا لا يقل في أهميته وخطورته وتأثيره عن الدور الذي تمارسه الصحافة وأجهزة الإعلام المسموعة والمرئية في عصرنا الحاضر ، يقول ابن رشيق : " كان بنو أنف الناقة يفرقون من هذا الاسم حتى إن الرجل منهم يُسال : ممن هو ؟ فيقول : من بني قريع ، فيتجاوز جعفرًا أنف الناقة بن قريع بن عوف بن مالك ، ويُلغي ذكره فرارًا من هذا اللقب ، إلى أن نقل الحطئة ـ واسمه جرول بن أوس ـ أحدهم وهو بغيض بن عامر بن لؤي بن شماس بن جعفر أنف الناقة من ضيافة الزبرقان بن بدر إلى ضيافته ، وأحسن إليه فقال :
سيري أُمامُ فإن الأكثرين حصـًا قوم هم الأنف والأذناب غيرهم
والأكرمين إذا ما يُنسبون أبا ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا
فصاروا يتطاولون بهذا النسب، ويمدون به أصواتهم في جهارة .
مفاهيم صحيحة ومغلوطة :
ولعل من أهم الكتب المحدثة التي كتبت عن الشعر (وكان في القديم ديوان العرب الأوحد تقريبـًا) في ظل الإسلام ، كتاب الدكتور إخلاص فخري عمارة " الإسلام والشعر ـ دراسة موضوعية " ، وتأتي أهمية هذا الكتاب ـ في رأيي بناء على جملة أسباب ، من أبرزها أنها جمعت معظم ما قيل في هذا الموضوع ، ووثقت الأقوال بالعودة في غالب الأحيان إلى مصادرها الأولى ، ثم إنها رتبت هذه الأقوال وقسمتها ضمن رؤية شمولية تحاول الإحاطة بجوانب الموضوع ، خاصة إذا كان موضوعـًا شائكـًا بجوانب مثل هذا، وذلك لكي تلجأ إلى مناقشة كل قضية أوكل مسألة على حدة ، كذلك فإنها انطلقت في هذا البحث من منطلق منهجي موضوعي خالص ، لا يقع تحت أي تأثير إيديولوجي ، ومعروف أن المواقف الإيديولوجية تمارس في بعض الأحيان تأثيرات قوية تؤدي إلى التحيز المقيت ، وقد تدرجت في بحثها من موقف القرآن الكريم من الشعر ، إلى موقف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قولاً وفعلاً ، إلى موقف الصحابة والخلفاء الراشدين ، إلى حالة الشعر في عهد النبوة والخلفاء الراشدين .. إلخ .
وهي في كل ذلك حريصة على مناقشة الأفكار المناقضة للشعر أو المحرضة ضده ، وهي أفكار أعتقد أنها جزء من طبيعة الحياة في مجتمعاتنا التي تدفع أحيانـًا إلى الغلو الشديد في القبول أو الرفض ، ولعل المغالاة في الرفض استنادًا إلى بعض آيات القرآن الكريم ، وبعض أحاديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانت هي الدافع الأول وراء تخصيص نقادنا القدامى لفصول من كتبهم للرد على هؤلاء المغالين ، وتخصيص نقادنا المحدثين كتبـًا كاملة ـ مثل كتاب " الإسلام والشعر " ـ لبحث هذا الموضوع والوصول فيه إلى درجة الاطمئنان الكامل ، وينبغي في هذا الصدد ان نشير إلى أن مغالاة بعض أبناء العالم العربي الإسلامي في التأثر بكل وافد غريب على بيئتنا وثقافتنا كانت هي السبب الأول وراء ظهور تيار " الأدب الإسلامي " الذي صار له الآن أنصار ومشايعون ومنظرون وكتاب في كل أنحاء العالم الإسلامي ، ومن ثم فإني قد رأيت أن أتوجه بهذه المقاربة وجهتين : وجهة أولى تبرز دور الأدب ، وبخاصة الشعر في خدمة الدعوة الإسلامية قديمـًا وحديثـًا ، ووجهة ثانية تعمل على مناقشة بعض القضايا والأفكار المطروحة في ساحة الأدب الإسلامي .
نعود إلى كتاب" الإسلام والشعر " لنتوقف معه فقط عند الفصل الثاني عن موقف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الشعر قولاً وفعلاً ، والجديد ـ حسب معلوماتنا ـ في هذا الشأن هو أن المؤلفة قسمت مواقف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى ثلاثة ، تندرج تحت ما أسمته : الكراهة ، والموضوعية المحايدة ، والترحيب ، أما الكراهية فقد وردت فيها نصوص رأت الدكتورة إخلاص أنها قليلة ومحدودة ، ومن ذلك ما روي عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ من أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : ((لأن يمتلئ جوف رجل قيحـًا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرًا)) ،وعلى أية حال فهناك مجموعة من أقوال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأفعاله تغض من شأن الشعر ، ولكن المؤلفة ترى لكل قول أو لكل فعل مخرجا ، ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن هذا الحديث نفسه روته السيدة عائشة أم المؤمنين بطريقة أخرى ، فقد قالت ـ رضي الله عنها ـ حين سمعت رواية أبي هريرة : " لم يحفظ أبو هريرة الحديث ، إنما قال رسول الله : ((لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحـًا ودمـًا خير له من أن يمتلئ شعرًا هجيت به)) .
وبذلك تكون السيدة عائشة قد حددت المذموم من الشعر ، وهو ما هجي به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان المشركون ـ كما هو معروف ـ يلجؤون إلى ذلك كثيرًا ، وقد أهدر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ دم بعضهم، ومنهم كعب بن زهير قبل إسلامه ، وقصته في هذا الشأن ذائعة ومشهورة ، ومتصلة اتصالاً وثيقـًا بقصيدته التي استعطف فيها الرسول ومدحه، فعفا عنه وخلع عليه بردته ، أما الموقف الموضوعي المحايد ففيه أقوال كثيرة ، نذكر من بينها ما روته السيدة عائشة ـ رضي الله عنها : " الشعر بمنزلة الكلام ، فحسنه كحسن الكلام ، وقبيحه كقبيح الكلام " وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( لا تدع العرب الشعر حتى تدع الإبل الحنين )) .
وما روي عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ : " أشعر كلمة تكلمت به العريب كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل " .
وقوله صلى الله عليه وسلم ـ عن امرئ القيس : ((إنه قائد الشعراء إلى النار ؛ لأنه أول من أحكم قوافيها)) وحين سمع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قول طرفة بن العبد :
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهـلاًويأتيك بالأخبار من لم تزود
قال : ((هذا من كلام النبوة)) .
أما عن موقف الترحيب والإثابة ، فقد أفردت المؤلفة مساحة واسعة لما ورد من أقوال وأفعال في هذا الموقف كلها يحتفي بالشعر ، ويحض الشعراء على القول دفاعـًا عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودعوته ، ومن ذلك هذا الحديث الذي ورد في صحيح البخاري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع حسان بن ثابت الأنصاري يستشهد أبا هريرة فيقول : يا أبا هريرة نشدتك بالله ، هل سمعت رسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : يا حسان أجب عن رسول الله اللهم أيده بروح القدس ؟ قال أبو هريرة : نعم .
ومما يروى أنه بعد هجرة الرسول ـ صلى الله عليه
وسلم ـ إلى المدينة المنورة اشتد هجاء الشعراء المشركين له ، مثل عبد الله الزبعري ، وضرار بن الخطاب ، وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، وعمرو بن العاص ، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للأنصار : (( ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم ؟)) فقال حسان : " أنا لها يا رسول الله ، قال الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ((كيف تهجوهم وأنا منهم ؟)) فقال : " والله لأسلّنك منهم كما تُسل الشعرة من العجين " ، فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ((اذهب إلى أبي بكر فليحدثك حديث القوم وأيامهم وأحسابهم ثم اهجهم وجبريل معك )) .
وحين أنشد حسان قصيدته التي رد بها على أبي سفيان بن الحارث دعا له الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالجنة مرتين ، وعندما قال :
هجـوت محمدًا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجــزاء
قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ((جزاؤك عند الله الجنة يا حسان)).
ولما وصل إلى قوله :
فإن أبي ووالــده وعرضي لعـرض محمـد منكم وقـاء
قال النبي الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ((وقاك الله حر النار)) .
حادثة ذات دلالة :
وسوف نختم هذه الأقوال التي نعتبرها مجرد أمثلة قليلة تشبهها وتردفها أقوال وأفعال أخرى كثيرة موجودة في بطون الكتب ، بهذه الواقعة الدالة أبلغ دلالة على ما كان للشعر بخاصة (ومن ثم للأدب) من دور عظيم في الدفاع عن الدعوة الإسلامية والرد على خصومها ، أو على الأقل مقارعة الحجة بما هو أقوى منها ، والعرب ـ كما هو شائع ومعلوم كانوا أهل فصاحة وبلاغة يؤثر فيهم الكلام الجميل ، ويستميلهم المعنى الحسن واللفظ الرشيق ، والواقعة التي نحن بصددها مشهورة وذُكرت في معظم كتب الأدب القديم منها والحديث ، ومن ثم نكتفي بتلخيصها على النحو الذي تتضح معه دلالتها ، فبعد غزوة حنين أخذت وفود العرب تتدفق على المدينة ،وقد أسلم بعضهم وحسن إسلامه ، وبعضهم جاول ونافق ، وبعضهم ارتد ، من بين هذه الوفود وفد بني تميم الذين حضروا وفيهم نفر من أشرافهم منهم الأقرع بن حابس ، والزبرقان بن بدر ، وعطارد بن حاجب بن زرارة ، وعمرو بن الأهتم ، والحبحاب بن يزيد ، وقد طلبوا من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم أن يأذن لخطيبهم وشاعرهم في القول ، فأذن له الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتكلم خطيبهم عطارد ابن حاجب مفتخرًا بقومه ، فأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثابت بن قيس بن الشماس من الخزرج أن يجيبه فرد عليه بكلام يدور معظمه حول الإيمان والورع ، ثم تقدم شاعرهم الزبرقان فقال :
نحن الكـرام فلا حي يعادلنا منا الملوك وفينا يُقسم الربع
وكم قسرنا من الأحياء كلهم عند النهاب وفضل العـز يُتَّبـع
إنا أبينا ولم يأب لنا أحدإنَّـا كذلك عند الفخـر نرتفـع
وعندئذ بعث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى حسان بن ثابت ـ ولم يكن بالمجلس ـ فحضر وسمع قول الزبرقان ، فاترحل على نفس الوزن والروي قصيدته المشهورة :
إن الذوائب من فهر وإخوتهمقد بيَّنـوا سنة للناس تتبــع
يرضى بها كل من كانت سريرتهتقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا
جاء في كتاب " فيض القدير على شرح الجامع الصغير" للعلامة المناوي هذا الحديث : عن كعب بن مالك رضي الله عنه: " لما نزلت " والشعراء يتبعهم الغاوون " : أتيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقلت : ما ترى في الشعر ؟ قال:(إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه)، وهناك رواية أخرى للحديث أوردها الدكتور محمد عبد القادر أحمد في كتاب " دراسات في أدب ونصوص العصر الإسلامي " تقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ قال لكعب بن مالك:(إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل).
ومعنى ذلك أن الدعوة الإسلامية في حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بصفة خاصة ، قد قامت على هذين الأمرين : الجهاد بالسنان، والدفاع عنها باللسان من جهة أخرى .
مكانة الشعر والشعراء
ولهذا وجدنا هذنا هذين الجانبين المهمين يتمثلان في أشخاص المؤمنين الأوائل وأفعالهم في آن ، ولن نتتبع كل ما روي في هذا الصدد ، وإنما سنكتفي بمثال واحد عن الصحابي الجليل عبد الله بن جحش ، فقد كان هذا الصحابي من المسلمين الأوائل الذين هاجروا إلى الحبشة ، ثم عاد إلى مكة ليهاجر هجرته الثانية إلى المدينة ملتحقـًا بالمسلمين هناك، وكان عبد الله مقربـًا من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، أثيرًا عنده يحبه ويقدمه ويعتمد عليه ، فكان يوجهه في مهمات ينجزها على خير وجه، وقد بعثه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليترصد قريشـًا مع ثمانية نفر من المهاجرين ، وكتم له أمره على ألا ينظر فيه إلا بعد مسيرة يومين ليمضي فيما أمر به ولا يكره أحدًا من أصحابه ، ففعل عبد الله ، وأثناء سيرهم مرت بهم عير لقريش تحمل زبيبـًا وأدمـًا وتجارة وفيهم عمرو بن الحضرمي وتردد المسلمون في قتال القوم؛ لأنهم في الشهر الحرام، ثم اختلفوا في حقيقة اليوم، ولكن انتهى أمرهم إلى قتل عمرو بن الحضرمي ، وأسروا عثمان بن عبد الله ، والحكم بن كيسان ، وهرب منهم نوفل بن عبد الله ، فلما رجع عبد الله بالعير والأسيرين إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ استنكر الرسول قتالهم في الشهر الحرم ، فأنزل الله تعالى قوله : (يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(البقرة:217) .
وقد قالت قريش في ذلك: قد أحل محمد وأصحابه الشهر الحرام ، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه المال، وأسروا فيه الرجال ، فقال عبدالله في ذلك يرد على قريش مستفيدًا مما أنزل الله في هذا من آياته البيانات :
تعدون قتلا في الحرام عظيمة وأعظم منه لو يرى الرشد راشد
صدودكــم عما يقــول محمد وكفـر به والله راء وشــاهـد
وإخراجكم من مسجـد الله أهله لئـلا يُرى لله في البيت ساجـد
فإنا وإن عيــرتمونا بقتله وأرجف بالإســلام باغ وحاسـد
سقينا من ابن الحضرمي رماحنا*بنخلة لما أوقد الحرب واقد
دمًا وابن عبدالله عثمان بيننا* ينازعه غل من القيـد واقـد
وقد كتب الكثير من الشعر في عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وخلفائه من بعده ، وعرض الكثيرون لتفسير بعض الآيات القرآنية على نحو يتفق مع الروح العامة حول الشعر، حيث كان ـ كما رأينا ـ طرفـًا مهمـًا في الصراع مع أعداء الإسلام ، ومن هذه الآيات قوله تعالى : (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ)(يـس:69) ، وقوله تعالى : (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) (الشعراء:224) .
وقد عقد ابن رشيق في كتابه الشهير " العمدة " بابًا (هو الباب رقم 1) في فضل الشعر ، وجاء الباب الثاني تحت عنوان " باب في الرد على من يكره الشعر " ، ومما جاء في هذا الباب الثاني ما روي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : " إنما الشعر كم مؤلف ، فما وافق الحق منه فهو حسن ، وما لم يوافق الحق منه فلا خير فيه " ، وقال عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ : " الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أعلم منه"، وقال علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ:" الشعر ميزان القول " ، ورواه بعضهم : " الشعر ميزان القوم " .
ويروى عن أسماء بنت أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ قالت :" مر الزبير بن العوام ـ رضي الله عنه ـ بمجلس لأصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وحسان ينشدهم ، وهم غير آذنين لما يسمعون من شعره ، فقال : ما لي أراكم غير آذنين لما تسمعون من شعر ابن الفريعة ؟ لقد كان ينشد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيُحسن استماعه ، ويجزل عليه ثوابه ، ولا يشتغل عنه إذا أنشده.
ويروى أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ مر بحسَّان ، وهو ينشد الشعر في مسجد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ،ثم قال : أرغاء كرغاء البكر ؟ فقال حسان : دعني عنك يا عمر ، فوالله إنك لتعلم لقد كنت أنشد في هذا المسجد من هو خير منك فما يغيِّر عليَّ ذلك ، فقال عمر : صدقت ، وكتب عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ إلى أبي موسى الأشعري : مُر مَنْ قبلك بتعلم الشعر ؛ فإنه يدل على معالي الأخلاق ، وصَواب الرأي ، ومعرفة الأنساب .
وقيل لسعيد بن المسيب : إن قومـًا بالعراق يكرهون الشعر ، فقال : نسكوا نسكـًا أعجميـًا .
وكان أبو السائب المخزومي ـ على شرفه وجلالته ، وفضله في الدين والعلم يقول: " أما والله لو كان الشعر محرمـًا لوردنا الرحبة كل يوم مرارًا " ، والرحبة الموضع الذي تقام فيه الحدود ، ويريد أنه لا يستطيع الصبر عنه فيحد في كل يوم مرارًا ولا يتركه .
وقد جاء الباب الثالث من كتاب ابن رشيق تحت عنوان " باب في أشعار الخلفاء والقضاة والفقهاء " ، وفيه نقرأ أشعارا لأبي بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ،وعلي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، والعباس بن عبد المطلب ، وعبد الله بن عباس ، وأبي سفيان بن الحارث ، والسيدة فاطمة الزهراء ، وعمر بن عبد العزيز ، وسواهم نكتفي هنا بأبيات قليلة من خمسة عشر بيتـًا للصديق أبي بكر ، رواها ابن رشيق عن ابن إسحاق وغيره ، وفيها ذود واضح عن الإسلام والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:
أمن طيف سلمى بالبطاح الدمانثأرقت ، أو أمرٍ في العشيرة حادث ؟
ترى من لؤي فرقة لا يصــدها عن الكفر تذكيـر ولا بعث باعــث
رسول أتاهم صادق فتكــذبوا عليـه ، وقالوا : لست فينا بماكــث
إذا ما دعوناهم إلى الحق أدبرواوهرُّوا هريــر المجْحرات اللواهـث
فكم قد متتنا فيهم بقــرابـة وترك التقـي شيء لهم غير كــارث
فإذا يرجعـوا عن كفرهم وعقوقهم فما طيبات الحــل مثلَ الخبــائـث
ثم انتقل ابن رشيق إلى باب من رفعه الشعر ومن وضعه ، ونتوقف في هذا الباب عند حادثة واحدة تدل ـ مثلما يدل الباب كله ـ على أن الشعر قديمـًا كان يمارس دورًا لا يقل في أهميته وخطورته وتأثيره عن الدور الذي تمارسه الصحافة وأجهزة الإعلام المسموعة والمرئية في عصرنا الحاضر ، يقول ابن رشيق : " كان بنو أنف الناقة يفرقون من هذا الاسم حتى إن الرجل منهم يُسال : ممن هو ؟ فيقول : من بني قريع ، فيتجاوز جعفرًا أنف الناقة بن قريع بن عوف بن مالك ، ويُلغي ذكره فرارًا من هذا اللقب ، إلى أن نقل الحطئة ـ واسمه جرول بن أوس ـ أحدهم وهو بغيض بن عامر بن لؤي بن شماس بن جعفر أنف الناقة من ضيافة الزبرقان بن بدر إلى ضيافته ، وأحسن إليه فقال :
سيري أُمامُ فإن الأكثرين حصـًا قوم هم الأنف والأذناب غيرهم
والأكرمين إذا ما يُنسبون أبا ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا
فصاروا يتطاولون بهذا النسب، ويمدون به أصواتهم في جهارة .
مفاهيم صحيحة ومغلوطة :
ولعل من أهم الكتب المحدثة التي كتبت عن الشعر (وكان في القديم ديوان العرب الأوحد تقريبـًا) في ظل الإسلام ، كتاب الدكتور إخلاص فخري عمارة " الإسلام والشعر ـ دراسة موضوعية " ، وتأتي أهمية هذا الكتاب ـ في رأيي بناء على جملة أسباب ، من أبرزها أنها جمعت معظم ما قيل في هذا الموضوع ، ووثقت الأقوال بالعودة في غالب الأحيان إلى مصادرها الأولى ، ثم إنها رتبت هذه الأقوال وقسمتها ضمن رؤية شمولية تحاول الإحاطة بجوانب الموضوع ، خاصة إذا كان موضوعـًا شائكـًا بجوانب مثل هذا، وذلك لكي تلجأ إلى مناقشة كل قضية أوكل مسألة على حدة ، كذلك فإنها انطلقت في هذا البحث من منطلق منهجي موضوعي خالص ، لا يقع تحت أي تأثير إيديولوجي ، ومعروف أن المواقف الإيديولوجية تمارس في بعض الأحيان تأثيرات قوية تؤدي إلى التحيز المقيت ، وقد تدرجت في بحثها من موقف القرآن الكريم من الشعر ، إلى موقف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قولاً وفعلاً ، إلى موقف الصحابة والخلفاء الراشدين ، إلى حالة الشعر في عهد النبوة والخلفاء الراشدين .. إلخ .
وهي في كل ذلك حريصة على مناقشة الأفكار المناقضة للشعر أو المحرضة ضده ، وهي أفكار أعتقد أنها جزء من طبيعة الحياة في مجتمعاتنا التي تدفع أحيانـًا إلى الغلو الشديد في القبول أو الرفض ، ولعل المغالاة في الرفض استنادًا إلى بعض آيات القرآن الكريم ، وبعض أحاديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانت هي الدافع الأول وراء تخصيص نقادنا القدامى لفصول من كتبهم للرد على هؤلاء المغالين ، وتخصيص نقادنا المحدثين كتبـًا كاملة ـ مثل كتاب " الإسلام والشعر " ـ لبحث هذا الموضوع والوصول فيه إلى درجة الاطمئنان الكامل ، وينبغي في هذا الصدد ان نشير إلى أن مغالاة بعض أبناء العالم العربي الإسلامي في التأثر بكل وافد غريب على بيئتنا وثقافتنا كانت هي السبب الأول وراء ظهور تيار " الأدب الإسلامي " الذي صار له الآن أنصار ومشايعون ومنظرون وكتاب في كل أنحاء العالم الإسلامي ، ومن ثم فإني قد رأيت أن أتوجه بهذه المقاربة وجهتين : وجهة أولى تبرز دور الأدب ، وبخاصة الشعر في خدمة الدعوة الإسلامية قديمـًا وحديثـًا ، ووجهة ثانية تعمل على مناقشة بعض القضايا والأفكار المطروحة في ساحة الأدب الإسلامي .
نعود إلى كتاب" الإسلام والشعر " لنتوقف معه فقط عند الفصل الثاني عن موقف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الشعر قولاً وفعلاً ، والجديد ـ حسب معلوماتنا ـ في هذا الشأن هو أن المؤلفة قسمت مواقف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى ثلاثة ، تندرج تحت ما أسمته : الكراهة ، والموضوعية المحايدة ، والترحيب ، أما الكراهية فقد وردت فيها نصوص رأت الدكتورة إخلاص أنها قليلة ومحدودة ، ومن ذلك ما روي عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ من أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : ((لأن يمتلئ جوف رجل قيحـًا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرًا)) ،وعلى أية حال فهناك مجموعة من أقوال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأفعاله تغض من شأن الشعر ، ولكن المؤلفة ترى لكل قول أو لكل فعل مخرجا ، ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن هذا الحديث نفسه روته السيدة عائشة أم المؤمنين بطريقة أخرى ، فقد قالت ـ رضي الله عنها ـ حين سمعت رواية أبي هريرة : " لم يحفظ أبو هريرة الحديث ، إنما قال رسول الله : ((لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحـًا ودمـًا خير له من أن يمتلئ شعرًا هجيت به)) .
وبذلك تكون السيدة عائشة قد حددت المذموم من الشعر ، وهو ما هجي به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان المشركون ـ كما هو معروف ـ يلجؤون إلى ذلك كثيرًا ، وقد أهدر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ دم بعضهم، ومنهم كعب بن زهير قبل إسلامه ، وقصته في هذا الشأن ذائعة ومشهورة ، ومتصلة اتصالاً وثيقـًا بقصيدته التي استعطف فيها الرسول ومدحه، فعفا عنه وخلع عليه بردته ، أما الموقف الموضوعي المحايد ففيه أقوال كثيرة ، نذكر من بينها ما روته السيدة عائشة ـ رضي الله عنها : " الشعر بمنزلة الكلام ، فحسنه كحسن الكلام ، وقبيحه كقبيح الكلام " وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( لا تدع العرب الشعر حتى تدع الإبل الحنين )) .
وما روي عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ : " أشعر كلمة تكلمت به العريب كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل " .
وقوله صلى الله عليه وسلم ـ عن امرئ القيس : ((إنه قائد الشعراء إلى النار ؛ لأنه أول من أحكم قوافيها)) وحين سمع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قول طرفة بن العبد :
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهـلاًويأتيك بالأخبار من لم تزود
قال : ((هذا من كلام النبوة)) .
أما عن موقف الترحيب والإثابة ، فقد أفردت المؤلفة مساحة واسعة لما ورد من أقوال وأفعال في هذا الموقف كلها يحتفي بالشعر ، ويحض الشعراء على القول دفاعـًا عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودعوته ، ومن ذلك هذا الحديث الذي ورد في صحيح البخاري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع حسان بن ثابت الأنصاري يستشهد أبا هريرة فيقول : يا أبا هريرة نشدتك بالله ، هل سمعت رسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : يا حسان أجب عن رسول الله اللهم أيده بروح القدس ؟ قال أبو هريرة : نعم .
ومما يروى أنه بعد هجرة الرسول ـ صلى الله عليه
وسلم ـ إلى المدينة المنورة اشتد هجاء الشعراء المشركين له ، مثل عبد الله الزبعري ، وضرار بن الخطاب ، وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، وعمرو بن العاص ، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للأنصار : (( ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم ؟)) فقال حسان : " أنا لها يا رسول الله ، قال الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ((كيف تهجوهم وأنا منهم ؟)) فقال : " والله لأسلّنك منهم كما تُسل الشعرة من العجين " ، فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ((اذهب إلى أبي بكر فليحدثك حديث القوم وأيامهم وأحسابهم ثم اهجهم وجبريل معك )) .
وحين أنشد حسان قصيدته التي رد بها على أبي سفيان بن الحارث دعا له الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالجنة مرتين ، وعندما قال :
هجـوت محمدًا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجــزاء
قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ((جزاؤك عند الله الجنة يا حسان)).
ولما وصل إلى قوله :
فإن أبي ووالــده وعرضي لعـرض محمـد منكم وقـاء
قال النبي الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ((وقاك الله حر النار)) .
حادثة ذات دلالة :
وسوف نختم هذه الأقوال التي نعتبرها مجرد أمثلة قليلة تشبهها وتردفها أقوال وأفعال أخرى كثيرة موجودة في بطون الكتب ، بهذه الواقعة الدالة أبلغ دلالة على ما كان للشعر بخاصة (ومن ثم للأدب) من دور عظيم في الدفاع عن الدعوة الإسلامية والرد على خصومها ، أو على الأقل مقارعة الحجة بما هو أقوى منها ، والعرب ـ كما هو شائع ومعلوم كانوا أهل فصاحة وبلاغة يؤثر فيهم الكلام الجميل ، ويستميلهم المعنى الحسن واللفظ الرشيق ، والواقعة التي نحن بصددها مشهورة وذُكرت في معظم كتب الأدب القديم منها والحديث ، ومن ثم نكتفي بتلخيصها على النحو الذي تتضح معه دلالتها ، فبعد غزوة حنين أخذت وفود العرب تتدفق على المدينة ،وقد أسلم بعضهم وحسن إسلامه ، وبعضهم جاول ونافق ، وبعضهم ارتد ، من بين هذه الوفود وفد بني تميم الذين حضروا وفيهم نفر من أشرافهم منهم الأقرع بن حابس ، والزبرقان بن بدر ، وعطارد بن حاجب بن زرارة ، وعمرو بن الأهتم ، والحبحاب بن يزيد ، وقد طلبوا من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم أن يأذن لخطيبهم وشاعرهم في القول ، فأذن له الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتكلم خطيبهم عطارد ابن حاجب مفتخرًا بقومه ، فأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثابت بن قيس بن الشماس من الخزرج أن يجيبه فرد عليه بكلام يدور معظمه حول الإيمان والورع ، ثم تقدم شاعرهم الزبرقان فقال :
نحن الكـرام فلا حي يعادلنا منا الملوك وفينا يُقسم الربع
وكم قسرنا من الأحياء كلهم عند النهاب وفضل العـز يُتَّبـع
إنا أبينا ولم يأب لنا أحدإنَّـا كذلك عند الفخـر نرتفـع
وعندئذ بعث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى حسان بن ثابت ـ ولم يكن بالمجلس ـ فحضر وسمع قول الزبرقان ، فاترحل على نفس الوزن والروي قصيدته المشهورة :
إن الذوائب من فهر وإخوتهمقد بيَّنـوا سنة للناس تتبــع
يرضى بها كل من كانت سريرتهتقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا