عشت مع زوجي وأولادي الثمانية ما يقرب من 18 عاماً في إحدى دول الخليج، ومع دخول الأولاد الجامعة اضطررت للرجوع إلى بلدنا لكي لا أترك أبنائي وحدهم بدون رعايتي مما قد يعرضهم للخطر، واتفقت مع زوجي على أن يستمر هو لعامين أو ثلاثة على الأكثر لإكمال البيت الذي قمنا ببنائه، وأصبحت العامان 10 أعوام، ومنذ أربع سنوات أو خمس وأنا أحاول مع زوجي للعودة إلينا لكنه رافض وبشدة وبإصرار عودته إلينا إلا عندما يتزوج جميع الأبناء، والمشكلة تنحصر كالآتي:
أنا وقع علي ضرر نفسي شديد لغياب زوجي عني كل هذه السنوات الطوال متحملة فيها جميع أعباء الحياة، فالأولاد جميعاً تخرجوا من الكليات وتزوج منهم أربعة، ولم يبق إلا اثنان في التعليم في المرحلة الإعدادية والثانوية، وأعاني معهم أشد العناء للحفاظ عليهم من تيار الفساد المنتشر في كل مكان وكل لحظة، وطالبته بالرجوع إلينا ولكنه رفض الرجوع؛ فعرضت عليه أخذ الولدين عنده حتى يكونوا تحت مراقبته ورعايته فهم أحوج الآن لرعايته مني؛ لأني لا أستطيع أن أتحكم في أفعالهم ومطالبهم، وأعاني الكثير من صراخي معهم، فكل يومهم في النادي والشارع والمحلات وأكشاك المشروبات، ولكنه رفض أيضاً وبشدة تكاد تخنقني!
وبالفعل انخنقت من هذا التسلط، ونفسيتي تدمرت فعلاً، ولا أكف عن البكاء ليل نهار من شدة شوقي لرؤية زوجي والجلوس معه والحديث إليه، فهو لي ـ مع سنين البعد الطوال ـ أنيسي وفرحتي، وبدونه كل فرحة تدخل علي مكسورة، فلا أفرح لنجاح ولا أفرح بزواج ولا أفرح بشيء!
طال غيابه وطال بعده، وأصبحت لا أشعر بفرحة حضوره لأنها ستعقبها حزن فراقه، وكلما عبرت له عن هذه المشاعر الطيبة التي أودعها الله في قلب زوجة مخلصة لزوجها عاشت معه على الحلو والمر هاجمني قائلاً: اتركيني أربي أولادي، اتركيني ماذا تريدين مني! فأسكت باكية حزينة فترة من الزمن، ولكن داخلى يشتعل ناراً شوقاً له؛ فأعود ثانية أبوح له باشتياقي له وحنيني إلى الجلوس معه، والتسامر في شئون أولادنا وقرة أعيننا، والتسامر في لحظات وذكريات جمعت بيننا بفضل الله وحده، ولكن لا فائدة!
صد غريب رهيب! وكلما شكوت له حال الولدين الآخرين زاد غضبه، واتهمني بعدم السيطرة على البيت وعدم التحكم فيهم، ويعلم الله وحده كم أراعيهم وأحوطهم جميعاً بدم قلبي ودموع عيني! وهو يعلم ذلك جيداً!
أطلت الحديث ولكن ـ للأسف ـ هذا قليل من كثير مما أعاني منه بسبب غياب زوجي وصاحب بيتي ورب أسرتي! اللهم احفظه وأعده لي سالما غانماً يستقر معي في بلدنا، واحفظ أولادي وأولاد المسلمين أجمعين من الضلال والفساد.
دلوني ـ لو سمحتم ـ وأكون لكم شاكرة جداً كيف أعيد زوجي لبيتي، فنفسيتي متدمرة لبعده عني ولن أستطيع تعود هذا الوضع مع ما مر عليه من العمر، أنا مستسلمة لله سبحانه وتعالى، والحمد لله!
والأمر الثاني: شعوري بالحزن الرهيب على أولادي الصغار؛ لأنهم لم يعيشوا مع والدهم منذ أن كانت أعمارهم 4 سنوات و3 سنوات، ودائماً يشعرون بأنهم ينقصهم شيء، بداية كانوا يحزنون لسفر والدهم، والآن لا يهتمون بسفره ولا بعودته؛ ولكن هذا ظاهرياً فقط، أما داخلهم فظاهر على وجههم.
قبل نهاية رسالتي أقول: إننا لسنا في حاجة لهذا الاغتراب وتشتيت أسرة كاملة، فالحالة المادية عندنا تكفي وتفيض لزواج كل الأولاد، هذا بخلاف احتياجاتنا اليومية فمتوفرة بوفرة والحمد لله، وجزاكم الله خيراً على هذا الباب الرائع، وجعله الله في ميزان حسناتكم.
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أسماء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،،،
فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك استشارات الشبكة الإسلامية، فأهلاً وسهلاً ومرحباً بك في موقعك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأله جل وعلا أن يجزيك عن زوجك وأولادك خير الجزاء، وأن يجمعكم برب أسرتكم عاجلاً غير آجل، وأن يسعدكم في الدنيا والآخرة.
وبخصوص ما ورد برسالتك، فإن لك الحق كل الحق في الكتابة والشكوى، خاصةً في مثل هذه السن الحرجة بالنسبة لك ولزوجك وأولادك، ومع هذا الوضع المادي الطيب من فضل الله؛ ولأن كل إنسان أو حتى الحيوان من حقه أن يستريح بعد هذه الرحلة الطويلة من المشقة والعناء والتعب والكدر المتواصل، إلا أنه مع الأسف الشديد تجدين في دنيا الناس أناساً كثيرين لا يحبون الراحة والجلوس بلا عمل، حتى وإن كان لديهم أموال أو عندهم ما يكفيهم ويزيد عن حاجتهم؛ لأنهم تعودوا العمل والخروج يومياً من بيوتهم إلى مكان عملهم بصفةٍ روتينية، بل إن بعض الناس يحب عمله أحياناً أكثر من نفسه، ويشعر بمتعةٍ لا توصف وهو يمارس عمله مهما كان، كل هذا موجود في دنيا الناس، وهناك البعض الآخر قد ألِف الغربة وحياة الوحدة، وبرمج حياته برمجةً خاصة لا يريد أن يغيرها، بصرف النظر عن الضرر الذي يلحق بغيره، كل هذا أو أمثاله موجود في دنيا الناس، فزوجك قطعاً من هذه الأصناف الشاذة التفكير التي فهمت بعض الأمور بطريقةٍ معينة، وترى أن غيرها لا يصلح، أو أنه يحقق أهدافاً ومكاسب حتى وإن كانت أدبية أو نفسية، لا يمكن التخلي عنها تحت أي ظرف من الظروف.
وهناك الكثير من أمثال زوجك كما ذكرت، إلا أنهم جميعاً من الفئات الشاذة بلا خلاف، ولا يمكن أن يغيروا وجهة نظرهم إلا تحت الظروف القاهرة، ولذلك أود أن تسألي أحد المقربين من زوجك أو الذين يعرفونه في الغربة عن وصفه وكيفية حياته هناك، ومن هم أصدقاؤه؟ وما هي ارتباطاته في الغربة؟ لاحتمال أن يكون هناك شيءٌ خفي لا تعرفين شدّه ودفعه للإقامة وعدم الاستجابة لصرخاتك واستعاناتك، فحاولي التأكد من هذا.
وأقترح أن تعرضي عليه ذهابك معه ولو لفتراتٍ متقطعة أو بصفةٍ دائمة مع الولدين الصغيرين، أو اطلبي منه زيارتك أو أحد الأولاد الكبار له والإقامة معه ولو لبعض الوقت؛ لأنني أخشى أن يكون لزوجك ارتباطات أخرى جعلته لا يفكر في الاستقرار معكم، وفي نفس الوقت أوصيك بالدعاء والإلحاح على الله، ومواصلة الضغط عليه عسى أن يستجيب يوماً ما.
واعلمي أنك لست وحدك التي تعانين من مثل هذه المعاناة، فهناك مع الأسف الشديد الكثيرات من أمثالك، إلا أنه ليس أمام الجميع إلا الصبر والدعاء، مع محاولة الضغط بنفسك أو بمساعدة غيرك، وواصلي شرح وجهة نظرك وظروف أولادك، واجمعي أولادك معك في الضغط، وشرح أهمية الإقامة معكم، وأنها أفضل بكثيرٍ من الأموال التي تحصلون عليها، وأن ما تخسرونه الآن أضعاف ما تحققونه من مكاسب مادية.
فحاولوا ولا تيأسوا، واصبروا وصابروا، وأكثروا من الدعاء، وتأكدي أن صوتك لن يضيع سدى، وسيؤتي أُكُله مع الأيام إن شاء الله.
مع تمنياتي لك بالتوفيق، ولزوجك بالاقتناع بالعودة، وعسى أن يكون قربياً.