بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أم رؤيا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله الكريم أن يبارك فيك، وأن يحفظك، وأن يعينك على بر والديك، وأن يكتب لك السعادة في الدنيا، والفوز في الآخرة، إنه جواد كريم.
أختنا: دعينا ابتداء نحمد الله إليك هذا الجهد وهذا البر، فما فعلتيه هو ما تفعله الفتاة الصالحة البارة التقية، التي ترجو رحمة الله وتخشى عقابه، وتطمع أن تكون من المرضي عنهم في الدنيا والآخرة.
هنيئاً لك أن عافاك الله في بدنك، فاستطعت أن تقومي بعمل عظيم هكذا، وغيرك ابتلاها الله في جسدها، فلا تقوى على بر والديها، هنيئاً لك أن رزقك الله الصبر على التحمل، لتنالي الأجر كاملاً، وغيرك رجعت في منتصف الطريق، فحرمت مرضاة الله تعالى.
أختنا الكريمة: اعلمي أن حصاد البر لا يتوقف على صلاح دنياك، بل يتعدى ذلك إلى ربح آخرتك، واعلمي أن الله سيعلي شأنك بالبر، وسيطيب ذكرك بين الخلق، وسيبارك في عمرك ورزقك، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ له فِي رِزْقِهِ، وأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)، ومعنى ينسأ: أي يؤخر، وقد أخبر أهل العلم أن التأخير هذا على الحقيقة -أختنا الكريمة-، ثم تمام الفضل في سعة الرزق، وهذا ما وعد النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن تعب في بر والديه.
أختنا الفاضلة: نحن نقول ذلك ونعلم قطعاً ما تعانينه من ألم وتعب، ونقول لك: الأجر على قدر المشقة، وما تفعلينه مع الوالد أمر يرضي الله تعالى عنك، فهذا هو البر العظيم، بل هو من كمال الإيمان، ومن أحبّ الأعمال إلى الله -سبحانه-، وهو سبب في مغفرة الذنوب، للحديث الذي رواه ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: (أنَّ رجلًا أتَى النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ-، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ إنِّي أصَبتُ ذنبًا عظيمًا فَهَل لي مِن تَوبةٍ، قالَ: هل لَكَ مِن أمٍّ؟ قالَ: لا، قالَ: هل لَكَ من خالةٍ؟ قالَ: نعَم، قالَ: فبِرَّها)، فإذا كان هذا مع الخالة فكيف بالوالد؟!
بل نقول لك مع ذلك -أختنا-: إن صاحب البر لا يصاب بالضيم، وإن وقع في كربة فإن بره ينجيه، ولعلك قرأت قصة الثلاثة الذين حُبسوا بالغار بسبب صخرةٍ ضخمةٍ سدّت عليهم الطريق، فكان دعاء الرّجل البارّ بوالدته سبباً لانفراج هذه الصّخرة عن الغار وخروجهم منها.
أما عن سؤالك -أختنا-، فاعلمي -بارك الله فيك- أن الله لن يحاسبك على ما عجزت عنه على الحقيقة، فإذا كنت تودين بر والدك، لكن مثلاً لم يكن معك القدرة المادية، فلن تحاسبي على ذلك، ووالدتك ليست ملزمة بدفع مال ضيوف أبيك.
وبخصوص سؤالك الآخر عن حكم الضيافة، فاعلمي أن العلماء اختلفوا، هل هي واجبة أم مستحبة؟ وذلك لما جاء في الحديث عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزاعِي -رضي الله عنه- قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ، وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ)، قَالَ: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهْوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ) رواه البخاري.
وسئل مالك بن أنس عن كيفية الضيافة فقال: يُكرمه، ويتحفه، ويخصه، ويحفظه، يوماً وليلة، وثلاثة أيام ضيافة، قلت: يريد أنه يتكلف له في اليوم الأول بما اتسع له من بِر، وألطاف، ويقدِّم له في اليوم الثاني والثالث ما كان بحضرته، ولا يزيد على عادته، وما كان بعد الثلاثة: فهو صدقة ومعروف، إن شاء فعل وإن شاء ترك، "معالم السنن" (4/238).
وقال ابن القيم -رحمه الله-: إن للضيف حقّاً على مَن نزل به، وهو ثلاث مراتب:
- حق واجب.
- وتمام مستحب.
- وصدقة من الصدقات.
فالحق الواجب: يوم وليلة، وقد ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- المراتب الثلاث في الحديث المتفق، ولكن هذا -أختنا- يلزم والدك في النفقة، ويلزمك في الإعانة قدر الاستطاعة، واحتسابك للأجر عند الله يخفف عنك -أختنا الفاضلة-.
ونحن نوصيك أن تجلسي مع الوالد، وأن تحدثيه عن تعبك في ذلك بطريقة لطيفة ودودة، بحيث يكون أمر الضيافة معتدلاً لا غلو فيه ولا مبالغة.
نسأل الله لكم تمام العافية والستر، والله الموفق.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)