بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الرحمن حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحباً بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، واعلم أخي -وفقك الله- أن وجود الرغبة في إصلاح النفس وتهذيبها يعد بحد ذاته خيراً يسوقه الله لك، فوجود الرغبة هي أول خطوات التغيير، والتوبة إلى الله تعالى، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الندم توبة).
همتك العالية في التشبه بالسلف الصالح، والإكثار من الأعمال الصالحة أمر حسن بلا شك، ولكن ينبغي أن تدرك أن الحرص على النوافل وفضائل الأعمال لا ينبغي أن يكون على حساب الفرائض، ففي الحديث القدسي: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه..) رواه البخاري، فالفرائض أولاً قبل أي شيء، ثم النوافل بعدها.
كذلك -أخي العزيز- ينبغي أن تعلم أن بلوغ الغايات وتحقيق التزكية للنفس، والاستقامة على طاعة الله تحتاج إلى مجاهدة وصبر، ومع المجاهدة والصبر ستبلغ -بعون الله- الغاية، يقول تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين).
عليك بالتوبة من التقصير في الفرائض أولاً، ثم ضع لنفسك هدفاً في طاعة الله تعالى، يعتمد على التدرج في بناء النفس، والتخلي عن فعل المعاصي، والمداومة على الطاعات، وحتى تحقق ذلك ننصحك بمجموعة من الأمور:
أولاً: عليك بالتدرج مع الصبر، فلا تثقل على النفس بكثير الأعمال حتى لا تمل أو تتعب، ولكن تدرج قليلاً قليلاً، لتعتاد النفس وتستعد، فالتشديد على النفس قد يسبب نتائج عكسية.
ثانياً: المداومة على القليل أحب إلى الله من الكثير المنقطع، وهذا ما بينه النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما سأله الصحابة: (أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أدومها وإن قل).
ثالثاً: عليك بما تطيق من الأعمال، فكثير من الناس بسبب الاندفاع والرغبة في تعويض ما فاته، قد يسلك أعمالاً ترهقه، أو تأخذ وقتاً وجهداً كبيراً منه، وقد بين النبي ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: (اكلَفوا منَ العمَلِ ما تطيقونَ، فإنَّ اللَّهَ لا يملُّ حتَّى تملُّوا، وإنَّ أحبَّ العملِ إلى اللَّهِ أدومُهُ وإن قلَّ، وَكانَ إذا عمِلَ عملًا أثبتَه) فالعبرة بتأثير العمل على القلب، حتى وإن كان يسيراً قليلاً.
رابعاً: عليك بفقه مرونة الشرع، فمن رحمة الله أن جعل الأعمال على مراتب، تتناسب مع جهد الإنسان وفراغه واستطاعته وقدرته، والمسلم يتقلب بين هذه الأحوال في حياته، فينزل من مرتبة إلى أخرى، ثم يعود متى ما وجد في نفسه سعة ونشاطاً، فيتقلب بين العزيمة والرخصة، ولا يشدد على نفسه فتمل، يقول تعالى: (فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه) راوه ابن حبان وحسنه الألباني.
خامساً: إقبال النفس وإدبارها، فللنفس ساعات من الأقبال تنشط فيها في الأعمال والتزكية، كمواسم الخيرات، مثل: رمضان وغيره، فعلى المسلم أن يستغل هذا الإقبال ويزيد من همته في الأعمال الصالحة، جاء في الحديث: (لِكُلِّ عملٍ شِرَّةٌ، ولِكُلِّ شرَّةٍ فَترةٌ، فمن كانَت فَترتُهُ إلى سنَّتي، فَقد أفلحَ، ومَن كانت إلى غيرِ ذلِكَ فقد هلَكَ) رواه أحمد، وصححه الألباني.
أخي الكريم: الصحابة والسلف الصالح بشر مثلنا، لهم أعمالهم الخاصة وتجارتهم التي يسترزقون منها، فلم يكونوا متفرغين للعبادة طوال يومهم، كما قد يظن البعض، لكن اختلاف أعباء الحياة ونمط العيش اليوم تنعكس آثاره على حياتنا بلا شك، فالسهر والإكثار من الملهيات تضعف النشاط للطاعات، وتشوش القلب، لذلك عليك بقليل العمل، مع الحرص على الإخلاص فيه والصدق في أدائه.
كما ننصحك أن تجتهد في أعمال القلوب التي أثرها عظيم في النفس، والجهد فيها قليل، ومن أعظمها ذكر الله بحضور القلب، ومداومة الدعاء بضراعة ورغبة، وتدبر معاني ومقاصد القرآن، والتدبر في خلق الله وملكوته، كل هذه الأعمال يتجاهلها الكثير، رغم تأثيرها العميق في تزكية النفس ودفعها للخير.
كذلك ننصحك ببذل الأسباب المادية، فتنظم وقتك، وتجعل لنفسك مهام وأهدافاً يومية، وترافق أصحاب الهمم العالية، وتجالس الصالحين ومن يعينك على الخير.
أخي الكريم: إن الشيطان يقذف في قلبك أن الله لن يقبل توبتك، أو أنك لست مقبولاُ عند الله، فلا تسترسل مع أفكار الشيطان، فكل هذا مما يريد الشيطان أن يوقعك فيه، ليضعف حسن ظنك بالله وبفضله وكرمه، وحتى يصل بك لليأس من رحمة الله، فما دام قلبك معلقاً بالله مجتهداً بالعبادات والقربات قدر الاستطاعة، متجنباً للفواحش والمعاصي والمنكرات، ودائم الذكر لله على كل الأحوال، فهذا خير عظيم أنت فيه، فاحرص على المداومة عليه والزيادة منه.
وفقك الله وسدد أمرك.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)