بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Heide حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -أختنا الكريمة- في إسلام ويب، وردًا على استشارتك أقول، وبالله تعالى التوفيق:
جزاكِ الله خيرًا -أختي الكريمة- على حرصك على بر والدتك، وصلة رحمك رغم ضيق ذات اليد، وما تحملينه من همٍّ وعبء نفسي يدل على قلب رحيم، وضمير حي، فأسأل الله أن يكتب لك أجر النية الصالحة، والحرص على البر والإحسان.
سأجعل ردي مقسمًا إلى محاور كي يكون واضحًا مطمئنًا لنفسك بإذن الله تعالى:
أولًا: النفقة على والدتك من الناحية الشرعية:
النفقة على والدتك لا تجب عليكِ طالما أنك متزوجة وفقيرة، وأسرتك تعاني من قلة النفقة، سواء كان المال من مالك الخالص، أو من مال زوجك، فالواجب البدء بالنفس، ثم بمن يعوله الشخص، ومما زاد عن الحاجة، فلا بأس أن يعود به الشخص على قرابته، وإنما تجب النفقة على والدتك ومن بقي معها ممن يحتاجون النفقة، على إخوانك الذكور.
الله جل في علاه لا يوجب على عباده ما لا يطيقون، ولا يأثم الإنسان على ما عجز عنه، قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، وعليه فأنت لستِ آثمة لعدم إرسال أي مبلغ لوالدتك، كونك لا تملكين ما يزيد عن حاجتك وحاجة أولادك وزوجك.
ثانيًا: بر والدتك:
برها ليس مقصورًا على إعطائها المال، بل يشمل الكلمة الطيبة، والاتصال بها، والسؤال عنها، والدعاء لها، ومحاولة التخفيف عنها بالكلمة الطيبة، وقد يكون هذا في ميزان الله أعظم من مالٍ يُرسل مع ضيق الحال.
عليك أن تُبلغي والدتك الحال التي أنتم فيها، وتعتذري عن عدم القدرة على مساعدتها، ولعل الظروف تتحسن فتعودين لمساعدتها من جديد، فلو علمت أمك حقيقة ضيقك، وأنك لا تملكين ما ترسلينه، فإنها ستعذرك، بل وسوف تدعو لكِ ولزوجك.
نية المرء قد تكون خيرًا من عمله، فأنت تريدين مساعدة والدتك، لكن ليس عندك القدرة، وهذه النية تُؤجرين عليها، والله تعالى ينظر إلى الأعمال والقلوب، وقد صح في الحديث: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)، فعليك أن تستمري بالتواصل مع والدتك، وأكثري لها من الدعاء، واطلبي منها الدعاء.
ثالثًا: تصرف أختك بمالك بغير إذنك:
تصرف أختك بمالك دون إذنك خطأ شرعي، وأخلاقي، والواجب عليها ردّ المال، وعلى والدتك أن تُحسن التصرف بالمال الذي بيدها، وألا تعطيه للأبناء كونهم لا يعملون، وسوف يتعودون على الاتكال على ما بيد والدتك، وهذا يزيد من أعبائها.
رابعًا: الجانب النفسي والضغوط:
إحساسك بالذنب طبيعي؛ لأنك محبة لأمك، لكن عليك أن تفرقي بين العجز والتقصير؛ فالعجز لا يؤاخذك الله عليه، وأنت غير مقصرة كونك لا تملكين المال الزائد على حاجة أسرتك، فأنتِ بحسب استشارتك عاجزة، والعاجز لا يُؤاخذ ولا يأثم، بل أنتِ كما سبق مأجورة على نيتك.
وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إنما الدنيا لأربعة نفر... وذكر منهم: رجل رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا، فهو يقول: لو أن لي مثل فلان لعملت مثل عمله، فهو بنيته، فهما في الأجر سواء).
خامسًا: نصيحة عملية متوازنة:
1. استمري بالتواصل مع والدتك بالكلمة الطيبة والدعاء، ولا تتركي التواصل مهما ضاق الحال، فذلك نوع من البر.
2. بيّني لوالدتك بلطف أنك الآن تمرين بظرف صعب، وأنك إن وسّع الله عليكِ فلن تتأخري في مساعدتها.
3. لا تطلبي من زوجك المال لمساعدة والدتك إذا كان ذلك يسبب له ضيقًا أو يؤثر على بيتك؛ لأن النفقة على بيتك أولى شرعًا.
4. ذكّري إخوتك الذكور بلطف وبالكلمة الطيبة، مبينةً لهم مسؤوليتهم بين يدي الله تعالى في الإنفاق على والدتهم، وعليهم أن يبحثوا عن أعمال ليكسبوا رزقهم، والمهم أن يكون العمل شريفًا، ولا ينتظروا وظائف الدولة، فذلك شبه محال في بلد تعمّ فيه الحرب.
سادسًا: طمأنة لقلبك:
لا تجعلي وساوس التقصير تسرق منك ابتسامتك لزوجك وأولادك، فالله سبحانه يعلم ما في قلبك من حبٍّ وبرٍّ لوالدتك، ويعلم أنك لو تملكين الفضل من المال لبذلتِ لوالدتك وإخوانك، ويكفيك أن توقني أن الله أرحم بوالدتك منك، وأنه قادر على إصلاح إخوانك ليقوموا بواجبهم.
وصيتنا لكِ أن تُكثري من الدعاء بين يدي الله تعالى وأنتِ ساجدة، أن يوسع الله رزق زوجك، وأن يمنّ عليكِ بعملٍ ملائمٍ تعينين به زوجك ووالدتك، وكوني على ثقة أن الله تعالى سيستجيب دعاءك.
أكثري من دعاء ذي النون: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، فما دعا به أحد في شيء إلا استجاب الله له، يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ).
الزمي الاستغفار، والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فذلك من أسباب تفريج الهموم، وتنفيس الكروب، ومغفرة الذنوب، وجلب القوة الحسية والمعنوية للأبدان، قال هود عليه السلام لقومه: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ)،
وقال عليه الصلاة والسلام: (مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، وقال لمن قال له: أجعل لك صلاتي كلها: (إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُك َ).
رددي دعاء الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم".
نسأل الله تعالى بمنِّه وكرمه أن يوسع رزقك ورزق زوجك، وأن يعينك على بر والدتك، ويكتب لك الأجر والمثوبة.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)