بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ تسنيم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -ابنتنا العزيزة- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك دوام تواصلك بالموقع، ونسأل الله تعالى أن يزيدك هدًى وصلاحًا، وأن يُيَسِّر لك الخير ويعينك على التفقه في دينك.
ولقد سعدنا جدًّا -ابنتنا الكريمة- حين قرأنا في هذه السطور التي كتبتها ما يدل على حرصك الشديد على حفظ دينك والابتعاد به عن كل ما قد يُشوش عليه، أو ينقصه، أو يفسده؛ وهذا من توفيق الله تعالى لك.
وممَّا لا شك فيه أن من جملة المؤثرات على الإنسان وعلى دينه الصحبة والرفقة التي يعيش معهم، والحكماء يقولون: "الصاحب ساحب"، والرسول ﷺ يقول: "الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ".
وضرب مثلًا لصاحب الخير ولصاحب السوء بحامل المسك ونافخ الكير (يعني الحدَّاد)، فحامل المسك إمَّا أن تشتري منه مسكًا، وإمَّا أن يُحذيك -أي يعطيك منه- وإِمَّا أَنْ تَجِدْ مِنْهُ رِيحًا طَيَّبَة، بخلاف الحدَّاد، فإمَّا أَنْ يَحْرِقك ويحرق ثيابك، وإمَّا أن تجد منه ريحًا خبيثة.
وهذا المثل ظاهر جدًّا في تقريب هذه المعاني، وحثّ المسلم على اختيار الأصحاب والرفقاء الذين ينتفع بهم في دينه ودنياه، وأن يبتعد عن مرافقة مَن يضرُّه في دينه أو في دنياه.
ولكن هذه الصحبة قد تكون نافعة للإنسان المنحرف أو الإنسان الفاسد، إذا كان الإنسان الصالح قادرًا على التأثير عليه؛ فحينها ينبغي له أن يحتسب أجره عند الله تعالى، ويحاول إصلاح ما أمكن إصلاحه في الناس، فـ "الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من الذي لا يُخالط الناس ولا يصبر على أذاهم"، هكذا قال الرسول ﷺ.
ولهذا نحن ننصحك بأن تكوني حكيمة في معالجة كل موقف على حدة، فإنك ستجدين بلا شك تفاوتًا كبيرًا بين صديقاتك؛ بعضهنَّ قريبات التأثر وينتفعن بك وبتذكيرك وبنصيحتك، فهذا النوع ينبغي أن تحرصي على دوام الصحبة لهنَّ والتذكير والنصح، فهو من أفضل الأعمال التي تتقربين بها إلى الله -سبحانه وتعالى-، وقد قال الرسول ﷺ: "لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحَدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النِّعَم".
أمَّا من ترين أنك ستتضررين بمجالستها ولن تستفيد هي من مجالستك لها، وربما تضررت أنت، ففي هذا الحال الأفضل بلا شك أن تبتعدي عنها لتحافظي على نفسك، ولكن هذا لا يعني الهجر التام والقطيعة الكاملة، فإن الأصل في علاقة الإنسان المسلم بأخيه المسلم أن يكون وَصُولًا له، غير قاطع، كما قال الرسول ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام مسلم وهو كذلك في البخاري مع اختلاف في الألفاظ: قال ﷺ: "حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِت: قِيَلَ مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ"، وقال في الحديث الآخر: "لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاث، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيَعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ".
فالقاعدة الأصلية أن المسلم لا يهجر أخاه المسلم وإن كان عاصيًا، لكن الهجر من أجل ارتكاب المسلم معصية من المعاصي شرعه الرسول ﷺ إذا كان فيه مصلحة، فإذا كان في هذا الهجر مصلحة شرعية، مثل أن يرتدع هذا العاصي بسبب هذا الهجر ويرجع عن فسقه ومعصيته؛ فهذا الهجر مشروع، لأنه وسيلة لتغيير المنكر، وإصلاح الحال، فإذا لم يكن من وراء هذا الهجر مصلحة متحققة؛ فإنه لا يجوز، والأصل -كما قلنا-: المسلم إذا لقي أخاه المسلم يُسلِّم عليه ويحسن إليه، لعل في إحسانه ما يؤلّف قلبه ويرده إلى الحق والخير.
فهذه هي الضوابط الشرعية لهذه المسألة، وأنت بعد ذلك ينبغي أن تتصرفي تصرف الطبيب الذي يضع من الدواء بقدر المرض، ولا يصرف الدواء إلَّا إذا كان فيه منفعة.
استعيني بالله -سبحانه وتعالى- وأكثري من دعائه أن ينفعك ويفقهك في دينك، وأن ينفع بك، وخير ما نوصيك وننصحك به هو تعلُّم الدين والتفقُّه فيه، ومعرفة أحكام الله تعالى، فإذا تعلَّمت دينك فإنك ستمضين في طريقك على بصيرة ونور، وقد قال الله -سبحانه وتعالى- موجهًا خطابه لنبيه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾.
نسأل الله أن يُفقهك في الدين، وأن ينفع بك.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)