بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ الأخت حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -أختنا الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياكِ لصالح القول والعمل.
بدايةً، نهنئكِ على هذا السعي المبارك، وهذه الرغبة الصادقة في إصلاح النفس، والاستقامة على أمر الله تعالى؛ فذلك دليل خيرٍ عظيم في نفسكِ، وعلامة على يقظة القلب، وهو من آثار النفس اللوّامة التي تدفع صاحبها إلى الخير، وتحضّه عليه.
وعليه، فلا بد أن تتحول هذه الرغبة إلى عملٍ حقيقي، واجتهادٍ مستمر، وخطةٍ واضحة لتزكية النفس؛ حتى تجدي ثمرة هذه الرغبة وتحققي ما تتطلعين إليه من إصلاح نفسكِ وتهذيبها؛ فمجرد الرغبة والتمنّي بلا سعي وعمل من مزالق الشيطان وخطواته، قال تعالى: (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا).
إذًا -أختي الفاضلة-: الخطوة الأولى لتغيير ذاتكِ، وتحقيق الاستقامة في نفسك هي الانتقال من مرحلة التمنّي والرغبة إلى مرحلة العمل، والاجتهاد، والسعي الجاد، ومع الصبر والمثابرة تصلين إلى تحقيق ما تريدين، فهذه سنّة الله تعالى في إصلاح النفوس، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ )، ومع المجاهدة، والصبر، والعمل، تكون النتيجة ما وعد الله بها، قال سبحانه: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ).
ولتحقيق تلك الخطوة لا بد أن نبدأ بتنقية القلب من شوائب المعاصي والذنوب، وكل ما يدعو إليها؛ حتى يقوى على العمل الصالح، وهذه خطوة في غاية الأهمية؛ لأن غيابها يُعد من أبرز أسباب الضعف والتراجع، ويجعل النفس عرضة للانتكاسة أمام المعاصي والشهوات.
ويكون تنظيف القلب وتقويته من خلال الأمور التالية:
أولًا: التوبة النصوح؛ وهي التوبة الخالصة الصادقة، التي تتحقق فيها شروط التوبة الثلاثة: الندم على فعل المعصية، والعزم الصادق على عدم الرجوع إليها، والمبادرة إلى تركها فورًا، وإن كان الذنب متعلقًا بحق إنسان، فيُضاف شرط رابع، وهو ردّ الحق إليه، أو طلب المسامحة منه.
ثانيًا: المبادرة إلى الإكثار من العبادات؛ وذلك بالالتزام بالفرائض الواجبة، والإكثار من النوافل؛ فقد جاء في الحديث: (يقولُ اللَّهُ تبارك وتعالى: ما تقرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أفضل من أداء ما افترضتُ عليه، وما يزالُ يتقرَّبُ عبدي إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه...).
ثالثًا: اختيار الرفقة الصالحة، وتجنب الرفقة السيئة؛ فالصديق يؤثر في الإنسان تأثيرًا بالغًا، فإما أن يقوّي همته في الخير، ويعينه عليه، أو يضعف همته، ويدفعه إلى التهاون والتفريط، لذلك فإن اختيار الصديق الصالح من أعظم ما يعين على الطاعات، ويحقق الاستقامة.
رابعًا: هجر وسائل المعاصي، وأماكنها، وأدواتها؛ فكل ما يقربكِ من المعصية لا بد أن تبتعدي عنه؛ لأن القلب في هذه المرحلة يكون في طور التعافي، ويحتاج إلى فترة حتى يستعيد قوته في مواجهة الشهوات، والبقاء قريبًا من رفقاء السوء، ووسائل المعصية، وكل ما يضعف القلب، ويسهم في إضعاف همتكِ في الطاعة، ويعيدكِ إلى حالة العجز عن الاستقامة، فلا بد أن تفارقي كل ما يقرب المعصية إليكِ، ويذكركِ بها، ويعينكِ عليها، وفي المقابل ابحثي عن صديقات صالحات، وبيئة طيبة تعينكِ على الثبات.
خامسًا: إحاطة نفسكِ ببيئة الخير والصلاح: من خلال المبادرة إلى أنشطة نافعة تشغل وقتكِ بالخير، والعمل الصالح، والدعوة إلى الله تعالى؛ فكونكِ صالحةً مصلحةً في الوقت ذاته يعزز شعوركِ بقيمتكِ، ويقوي ثقتكِ بنفسكِ، ويمنحكِ إحساسًا حقيقيًا بالإنجاز من خلال نفع الآخرين، لذلك بادري إلى تعلم العلم الشرعي، وحفظ القرآن، ودعوة غيركِ من النساء، ولا يمنعكِ من الدعوة والنصيحة كونك مقصرة؛ فلعل النصيحة والدعوة تدفعك للخير والإصلاح.
أختي الفاضلة: يقول النبي -محمد صلى الله عليه وسلم-: (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، فكل البشر يقع منهم الخطأ والزلل والتقصير، ولكن الإنسان الصالح لا يقنط من رحمة الله، ولا ييأس، بل يجتهد في إصلاح نفسه، ويسارع إلى طاعة ربه دون تردد أو عجز، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ).
إن تعلقكِ بهذه الصديقة يحتاج إلى تصحيح ومراجعة جادة؛ حتى لا يكون سببًا في ضعفكِ وتراجعكِ؛ فحقيقة تعلقك بها هو خوفكِ من الوحدة والعزلة نتيجة تركها، وهو أمر طبيعي، لكنه في حقيقته ناتج عن غياب البديل الصالح الذي يملأ هذا الفراغ.
لكن هذه الفتاة تمثل سببًا مباشرًا في تراجعكِ عن طاعة الله، ولا تعينكِ على الخير، بل تضعفكِ، وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ فهي من أبرز أسباب ضعف استقامتكِ، وخاصةً أنها لا تستجيب للنصيحة، ولا تحاول الابتعاد عن المعاصي، مما يجعلكِ تضعفين أمامها، وتجارينها، وتجاملينها بحكم قربها منكِ.
استمعي إلى قول الله تعالى عندما يصف أُثر الصديق: ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل).
لذلك، إذا تبين لكِ أن هذه الفتاة لا تستجيب للنصيحة، وتدفعكِ إلى التقصير، فعليكِ بتركها؛ حفاظًا على دينكِ واستقامتكِ.
ويمكن أن يكون هذا الترك تدريجيًا، مع الاستمرار في نصحها، وبيان الحق لها بأسلوب مشفق ولطيف، فإن لم تستجب، أو بدأت بالمراوغة، فلا بد من الحسم وتركها؛ حتى لا تضعف قربكِ من الله تعالى، وتعيدكِ إلى المعاصي، وأبشري، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (إنك لن تدع شيئًا ابتغاء الله إلا آتاك خيرًا منه)، فسيعوضكِ الله خيرًا مما تركتِ، لأنكِ تركتِ ذلك لوجهه الكريم.
وفي المقابل، بادري إلى ارتياد المساجد، وحلق العلم، ومجالس الدعوة إلى الله تعالى، فستجدين هناك -بإذن الله- النساء الصالحات اللاتي يقفن إلى جانبكِ، ويأخذن بيدكِ نحو الثبات والخير.
وأخيرًا: إذا قويت صلتكِ بالله، وتعلّق قلبكِ به سبحانه، وقدّمتِ مراد الله على كل شيء، فإن استقامتكِ على طاعته هي التي ستمنح حياتكِ معناها الحقيقي، وتضفي على وجودكِ قيمة راسخة، وعندها يضعف تعلّقكِ بالبشر، وتأثيرهم السلبي عليك.
فأكثري من العمل الصالح، وداومي على تلاوة القرآن، والإكثار من ذكر الله تعالى، وألحّي في الدعاء في كل وقت وحين؛ فهذه الأعمال تغذّي القلب، وتقويه على مقاومة الشهوات، وتثبّته على الطاعات.
وستجدين في حلاوة الإيمان، وأُنس الطاعة، ولذة القرب من الله تعالى ما يملأ قلبكِ سعادةً وطمأنينةً ورضًا -بإذن الله تعالى-.
وفقكِ الله ويسّر أمركِ.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)