السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -ابنتنا الكريمة- ونشكركِ على ثقتكِ بإخوانكِ في إسلام ويب، ومتفهم لمعاناتكِ، وقد اجتهدتُ وسعيتُ في الإجابة لأني أعتبركِ في مقام ابنتي، وتألمتُ من حالتكِ فاهتمي بالجواب وطبقيه لعل الله أن ينفعكِ به، وجوابي لكِ كالآتي:
أولًا: ابنتنا الكريمة، قبل الإجابة على سؤالكِ المتفرع من أسئلة كثيرة أقول: لماذا ينتابكِ الشعور بالبعد عن الله تعالى؟ ولماذا هذه المعاناة من بعدكِ عن الله تعالى؟ ولماذا كل الناس حولكِ علاقتهم مع الله تعالى موصولة إلا أنتِ؟ ألستِ بشرًا مثلهم؟ لماذا هم أحسن حالًا منكِ مع الله؟ أتمنى أن تسألي نفسكِ هذه الأسئلة وأن تبدئي صفحة جديدة مع الله تعالى، وأنتِ فيكِ الخير والنفس اللوامة التي تلوم صاحبها، أليس الله هو الرحمن الرحيم؟ أليس الله أرحم بنا من أمهاتنا؟
إذًا علقي قلبكِ بالواحد الأحد الفرد الصمد وسترين الخير الكثير، ثم ابنتي الكريمة لماذا يكون غيرنا خيرًا منا؟ فلابد أن ننافس الصالحين كما قال بعض السلف: "أيظن أصحاب محمد ﷺ أن يستأثروا به دوننا، كلا والله لنزاحمهم عليه زحامًا حتى يعلموا أنهم قد خلفوا وراءهم رجالًا"، هكذا فلتكن الهمم.
ثانيًا: -ابنتنا الكريمة- لا بد لكِ من معرفة تعظيم قدر الصلاة، فالصلاة لها منزلة عظيمة في الإسلام لا تعدلها منزلة أي عبادة أخرى، فالصلاة صلة بين العبد وبين ربه، والصلاة عماد الدين الذي لا يقوم الدين إلا به، كما قال رسول الله ﷺ: «رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ» (حسنه الألباني) وهي أول ما أوجبه الله تعالى من العبادات، وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، كما جاء في حديث عبد الله ابن قرط -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الصَّلَاةُ، فَإِنْ صَلُحَتْ صَلُحَ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ» (رواه أحمد).
وهي آخر وصية وصى بها رسول الله ﷺ حينما كان يلفظ أنفاسه الأخيرة فقال عليه الصلاة والسلام: «الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ»، وقد حذرنا القرآن الكريم من الانشغال عن الصلاة وتأخيرها فقال تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}، أي يؤخرونها عن أوقاتها، لأن الصلاة لها وقت محدد، كما قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا}، وحذرنا القرآن الكريم أيضًا من إضاعة الصلاة فقال تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا}.
فعليكِ بالمحافظة على الصلاة وقد أمرنا الله بذلك فقال: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]، وفي مسند أحمد عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يومًا فقال: «مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلَا بُرْهَانٌ وَلَا نَجَاةٌ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ».
ثالثًا: أوصيكِ بهذا الدعاء: «اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فكون الإنسان كان محافظًا على الصلاة ثم صار بعد ذلك غير محافظ لها، فهذه مشكلة عظيمة؛ لأن الثبات على الأعمال الصالحة من أهم المهمات في حياة الإنسان.
رابعًا: بالنسبة لشعوركِ بالرغبة في إطلاق الريح بشكل دائم، فلابد أن تغيري هذا الشعور النابع من الوسوسة والظنون، فلا تستسلمي لهذا الشعور وحاولي التغلب عليه، ثم إن صليتِ صلاة فلا تحتاجين إلى إعادتها؛ لأن القيام بالعبادة بشروطها الصحيحة تبرئ ذمة الإنسان فلا يطالب بإعادتها.
وبالنسبة لخروجكِ للجامعة فلا يمنعكِ من الصلاة، والأمر سهل في المحافظة على الصلاة على من سهله الله عليه، وأنتِ إن شاء الله منهم، وموضوع الشك لا داعي له، ولا داعي لإعادة الصلاة.
خامسًا: وأما سبب عدم تركيزكِ في الصلاة والدعاء والذكر بسبب تفكيركِ الزائد في شخص تحبينه؛ فذلك لا يمنع من التركيز في الصلاة والعبادة، وليس كل من تعلق قلبه بمن يحبه نسي الله والدار الآخرة، ثم علاج مسألة التعلق الشديد بهذا الإنسان، هو إن كان بالإمكان الزواج به فلم يُرَ للمتحابين مثل النكاح أو الزواج، وإن كان ليس بالإمكان فالإعراض عنه خير وأرفق بالنفس.
سادسًا: وبالنسبة لسجود التلاوة فهي سنة وليس بواجب، سواء كنتِ تقلبين صفحات القرآن أو رأيتِ أحدًا يسجد للتلاوة، وهكذا وجود السجود في سورتي الانشقاق والعلق، فلا يمنعكِ من قراءة جزء عم، فالسجود سنة وليس بواجب.
سابعًا: وأما عدم البكاء من خشية الله تعالى، فلا شك ولا ريب أن البكاء من خشية الله من أعظم وأجل الطاعات، فأكثري من قراءة القرآن والاستغفار والدعاء في الخلوة بنفسكِ، وتفكري في تقصيركِ وتفكري في الموت والقبر والقيامة وأهوالها، وأسأل الله عز وجل أن يرزقنا جميعًا قلبًا خاشعًا، ونعوذ بالله «مِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ عَيْنٍ لَا تَدْمَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ».
ثامنًا: ابنتنا الكريمة لا تيأسي من رحمة الله تعالى، فكونكِ تسألين إخوانكِ وتريدين المساعدة في حل هذه المشاكل، فهذا دليل الخير العظيم في نفسكِ الطيبة، فتمعني في جوابي واعملي به، وستجدين الخير إن شاء الله.
أسأل الله تعالى أن يمن عليكِ بالخشوع في العبادة كلها، وأن يبعد عنكِ وساوس الشيطان، وأن يقوي إيمانكِ ويشرح صدركِ وأن يعطيكِ ما تتمنين من الخير، اللهم آمين.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)