بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أبو أوس حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكركم لتواصلكم معنا، وثقتكم بموقعنا، ونسأل الله أن يبارك في ذريتكم، ويجعلهم قرة عين لكم. لقد قرأتُ رسالتكم بعناية، ولفت انتباهي حرصكم الشديد وتفانيكم في رعاية أبنائكم، رغم مشاغل الحياة، وهذا بحد ذاته جهادٌ تؤجرون عليه.
إن التحديات التي طرحتموها تتنوع بين السلوكي والاجتماعي والنفسي، وهي جزء طبيعي من رحلة التربية، دعنا نتناول كل سؤال من أسئلتكم بالتحليل والنصح العملي، مستعينين بالله.
أولاً: مشكلة الابن الذي عمره (4 سنوات ونصف)، والألفاظ والعدوانية، فهمنا من رسالتكم أن هذا الابن الكريم اكتسب سلوكيات سلبية (ألفاظ، ضرب) عن طريق المحاكاة من ابن خالته، لكن المشكلة استمرت، وتحولت إلى وسيلة ضغط عليكم.
يمكننا النظر للمشكلة، وتحليلها كالتالي:
الطفل في هذا العمر ذكي جداً عاطفياً؛ لقد اكتشف أن هذه السلوكيات تمنحه السلطة، عندما يضربكم وتوبخونه، ثم يأتي ليحضنكم، ويطلب الاعتذار، وتعتذرون له، فهنا تكمن العقدة.
اعتذاركم له يرسل رسالة مفادها: أنتَ كنتَ محقاً، ونحن أخطأنا في تأديبك؛ مما يعزز سلوكه السيئ، ويجعله يشعر بالانتصار والسيطرة.
إليكم خطة عملية للتعامل معه:
• لا تعتذر للطفل عن قيامك بدورك التربوي، عندما تعاقبه (بحرمان أو توبيخ) بسبب خطئه، ثم يطلب الاعتذار، قل له بهدوء وحزم: أنا أحبك، ولكني لا أعتذر عن منعك من الخطأ، أنت من يجب أن يتوقف عن قول هذه الكلمات.
• بالنسبة للألفاظ البذيئة، أحياناً يكون الرد القوي (بالصدمة، أو الضحك، أو الغضب الشديد) مكافأة للطفل؛ لأنه جذب انتباهكم.
جربوا أن تتجاهلوا اللفظ تماماً، وكأنكم لم تسمعوه، مع عبوس بسيط، وحين يتكلم بأدب التفتوا إليه واهتموا به؛ سيتعلم أن الأدب هو ما يجلب الانتباه لا السوء.
• الضرب خط أحمر؛ إذا قام بضربكم، أمسكوا يديه بحزم (دون إيلام، ولكن بقوة تمنعه من الحركة)، وانزلوا لمستوى عينه وقولوا بلهجة صارمة: ممنوع الضرب، الضرب يؤذي، لن أسمح لك بضربي، ولا تفلتوه حتى يهدأ.
• عندما يأتي ليحضنكم بعد نوبة الغضب، اقبلوه واحضنوه، فهذا احتياج عاطفي، ولكن أكدوا له: أنا أحبك جداً يا بني، ولكني أكره التصرفات السيئة والكلمات المؤذية.
• بما أن المؤثر الخارجي (ابن الخالة) ابتعد، فأنتم الآن المصدر الوحيد، استمروا في الثبات، وسيختفي السلوك تدريجياً بإذن الله، فالأمر يحتاج إلى صبر ومجاهدة.
ثانياً: مشكلة الابن الأكبر (9 سنوات) وتفضيله للأقران:
من الطبيعي جداً في مرحلة الطفولة المتأخرة (بين 9 و 12 سنة) أن يبدأ الطفل في الميل نحو الاستقلال الاجتماعي، وتفضيل قضاء الوقت مع الأقران (الأصحاب) على الوالدين، وهذا مؤشر نمو صحي، وليس دليلاً على كرهه لكم، نصيحتنا هي الموازنة بين الحاجة والواجب.
• ذكرت نقطة جوهرية وخطيرة، وهي بقاؤه مع العاملة بمفردهما لمدة 4 أو 5 ساعات، هذا الأمر غير مقبول شرعاً، ولا تربوياً ولا أمنياً، صحيح أنه لا يزال في نهاية الطفولة، ولكن سن 9- 12 سنة هي بدايات مرحلة المراهقة، وبدايات البلوغ، وقد يتعلم مع الخادمة سلوكيات غير لائقة، والواقع يعج بقصص مؤسفة، فلا تتركوه وحده أبداً كخيار بديل، ماذا تفعل؟ حاوره كرجل صغير، قل له: يا بني، نحن نتفهم حبك للعب الكرة، ولكننا نشتاق إليك ونحب وجودك معنا، كما أننا لا نأمن عليك البقاء وحيداً.
• حلول وسط:
1. اسمح له باللعب مع الجيران لوقت محدد (ساعة مثلاً) قبل موعد الخروج العائلي، ثم يذهب معكم.
2. في بعض الأحيان، اسمح له باصطحاب أحد أصدقائه المقربين (من أبناء الجيران) معكم في النزهة؛ فهذا يجمع له بين الأنس بكم والأنس بصاحبه.
3. اجعل له دوراً قيادياً في النزهة (مسؤول الشواء، مسؤول اختيار المكان، مسؤول التصوير)، ليشعر بأهميته ولا يكون مجرد تابع.
عليكم بالتحلي بالصبر، ولا تظهروا الإحباط أمامه؛ فهذا جزء من بناء شخصيته، واستمر في قربه منك حتى لو أبدى تمنعاً، فوجودك صمام أمان له.
ثالثاً: مشكلة الابنة (6 سنوات) وحركة النوم:
أتفهم قلقكم ومخاوفكم كأب، وهذا الحرص دليل وعي، الحركة التي وصفتها (الاحتكاك أثناء النوم) تسمى في علم النفس بـ الاستمناء الطفولي، أو العادات المطمئنة، وهي غالباً سلوك بريء يكتشفه الطفل صدفة للشعور بالراحة أو الاسترخاء قبل النوم، ولا يرتبط بالضرورة بالتعرض للتحرش، أو تعليم من خادمة، فلا تدع الشك يفسد حياتكم ما لم يكن هناك دليل مادي آخر.
أفضل طريقة للتعامل معها:
• قبل التفسير النفسي، يجب التأكد من عدم وجود سبب عضوي مثل (ديدان البطن، التهابات بولية، حساسية، ملابس ضيقة)، تسبب لها الحكة في هذه المنطقة، وتدفعها لهذا الفعل.
• استمروا فيما تفعلونه من توجيهها للنوم على جنبها الأيمن (السنة النبوية) أو ظهرها، ولكن دون توبيخ، أو صراخ، أو إشعارها بأنها تفعل جريمة، أو عيباً كبيراً؛ لأن التركيز المبالغ فيه قد يثبت السلوك.
• اجلسوا بجانبها عند النوم، اقرؤوا لها قصة، أو امسحوا على رأسها وظهرها، حتى تغفو؛ فهذا يمنحها الأمان ويغنيها عن البحث عن وسيلة أخرى للتهدئة الذاتية.
• كونوا يقظين مع العمالة في المنزل دون وسوسة قهرية، وعلموها بأسلوب مبسط (حدود الجسم)، وأن جسدها خاص بها لا يلمسه أحد، وذلك لزرع الحصانة الذاتية لديها.
ختاماً: أخي الكريم، التربية كالغرس، تحتاج لماء الصبر، وسماد التوجيه، وشمس الدعاء، أكثروا من الدعاء لهم: (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا).
نسأل الله أن يحفظ أبناءكم من كل سوء، وأن يعينكم على تربيتهم، ويجعل بيتك عامراً بالطاعة والمودة.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)