السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أختي الكريمة: ما كتبته لا يخرج من قلبٍ ميت، بل من قلبٍ حيٍّ تألّم حين تعثّر، ولو لم يكن فيكِ خيرٌ عظيم لما كان هذا الوجع، ولا هذا الانكسار، ولا هذا الصدق مع النفس، فاهدئي أولًا، وثقي بالله تعالى مولاكِ الذي هو أرحم بكِ من أقرب الناس إليكِ.
أختي الكريمة: أنتِ لم تنقلبِي فجأة، ولم تكوني كما تصفين نفسكِ الآن، ما حصل لم يكن لأنك فاسدة، ولا لأنك خنتِ الله تعالى، أو أهلك، بل لأنك إنسانة طال عليها الصبر، واجتمع عليها ضغطٌ قاسٍ، ووحدة طويلة، وبابٌ مفتوح بلا حراسة، فغلبتك لحظة ضعف لا أكثر، والله تعالى أعلم بعباده، وهو الذي قال: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}، فما خلق ضعفك ليهلكك به، بل ليقودك إليه إذا رجعتِ، فأحسني الظنَّ بربك فهو بداية الأوبة والعودة وتبديل الحال.
أريدك أن تفهمي أمرًا مهمًا: الشعور الذي مررتِ به من “تغيّر التفكير” و”الانفصال عن ذاتك” ثم الإفاقة والصدمة، هذا ليس انقلاب فطرة، بل غلبة شهوة مع غياب الوعي اللحظي، وهذا يقع حتى من الصالحين، وقد قصّ الله تعالى علينا خبر مَن هم خير منا، ثم قال: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ}، ولم يقل: الذين لم يذنبوا.
اعلمي أن الشيطان لا يبدأ مع الإنسان من باب الفاحشة، بل من باب الشعور بالظلم، ثم الوحدة، ثم الفضفضة، ثم الإقناع بأنك مسيطرة، حتى إذا وقع الذنب قال: أنتِ انتهيتِ، ولن تعودي كما كنتِ، وهذه آخر مكيدة له، وهي أخطرها، ولو كان الله تعالى يريد فضيحتك لفضحك، ولو أراد هلاكك لما أيقظك، ولو لم يقبل توبتك لما أورثك هذا الندم القاسي.
أما قولك: لماذا تركني الله تعالى أفعل هذا؟ فاسمعي جواب القرآن: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا}، أي أن الله تعالى يفتح باب التوبة أولًا، ثم يوفق العبد لها، لم يتركك، بل أمهلك وسترك، ثم ردك إليه، والنبي ﷺ يقول: «إن الله أشد فرحًا بتوبة عبده من رجل أضل راحلته بأرض فلاة»، فهل يعقل بعد هذا أن يكون غاضبًا عليكِ وأنتِ بين يديه منكسرة؟
وأما شعورك بالقذارة وفقدان الصفاء؛ فاعلمي أن الطهارة الحقيقية ليست ماضيًا بلا أخطاء، بل هي حاضر صادق مع الله تعالى، كثيرون يعيشون بلا ذنب ظاهر لكن قلوبهم قاسية، وأنتِ ذنبك أورثك انكسارًا ورجوعًا، وهذا عند الله تعالى مقام عظيم، والمرءُ قد يعمل الذنب فيدخل به الجنة، ويعمل الحسنة فيدخل بها النار، والفرق هو ما يصنعه الذنب في القلب من خشية وعجبٍ، وانكسارٍ وتوبة.
وأما تمنيكِ أن يبتليك الله تعالى قبل أن تقعي، فهذا كلامُ موجوعٍ لا مؤاخذة فيه، لكنه ليس صوابًا في الفهم؛ ولا ينبغي أن يقع منكِ مثل هذا الظن بالله تعالى، فالله أرحم بك من أن يكسر جسدك ليحفظ قلبك، وقد حفظ قلبك أصلًا، بدليل أنك عدتِ وتبتِ وكرهتِ ما كان.
أما الآن، فالطريق ليس جلد الذات ولا الانسحاب من الحياة، بل إصلاح واقعي هادئ، وأضعه لك بوضوح في مجموعة من الخطوات العملية:
- أولًا: أغلقي كل باب أوصلك للذنب بلا استثناء، لا تعارف، لا فضفضة مع رجال، لا مساحات رمادية، ولا حوارات بمسميات مستعارة، الشيطان لا يحتاج منك أكثر من باب تفتحينه ليكمل هو الباقي.
- ثانيًا: الهاتف لا يكون معك في الخلوة، ولا قبل النوم، واحذفي أي وسيلة فتحت عليك هذا الطريق، فالنبي ﷺ ذكر أن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
ثالثًا: لا تحاربي الشهوة بالإنكار، بل بالإدارة؛ صيام نافلة، حركة جسدية، إشغال عقلٍ حقيقي، انشغال بدورات ومهارات، أو أي وسيلة لقضاء الوقت في المفيد والنفع وشغل التفكير والذهن عن باب الشهوة، فالنبي ﷺ قال: «ومن لم يستطع؛ فعليه بالصوم فإنه له وجاء».
رابعًا: لا تعيشي وحدك نفسيًا؛ كوني صداقة مع إنسانة صالحة واحدة، رفيقة بكِ، رحيمة في تعاملها، ذات دينٍ، ولا داعي لسرد تفاصيل الذنب معها، بل المقصد كسر العزلة، فالعزلة وقود الخطأ، وبوابته التي تعود بكِ مرة أخرى للذنب، وقد تجدين الصالحات في مراكز القرآن، فخير ما تشغلين به وقتك وعقلك أن تكوني من المهتمات بالقرآن.
خامسًا: اجعلي عبادتك عبادة ترميمٍ لا عقابٍ، قرآنٌ بتدبر، دعاء صادق في السجود، وقولي كما كان النبي ﷺ يقول: «اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها».
وأختم لك أختي الكريمة بهذه الحقيقة التي أريدك أن تحفظيها جيّدًا: أنتِ لم تخوني نفسك، بل أتعبتها، ثم انتبهتِ لها، والله تعالى لا يخذل عبدًا رجع إليه صادقًا، عودتك لنفسك القديمة ليست وهمًا، لكنها ستكون عودة أنضج، وأقرب إلى الله تعالى، وأرحم بذاتك، فثقي بالله تعالى مولاكِ، واصدقي في طلب التوبة والأوبة إليه: (إن يعلم الله في قلوبكم خيرًا يؤتكم خيرًا).
وفقك الله للرجوع إليه، ورزقك حسن الأوبة والتوبة.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)