بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Abdo حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا وثقتك بموقعنا.
فهمنا من رسالتك أخي الكريم أنك تحمل ثلاثة هموم في آنٍ واحد، وقد أحسنت حين أفصحت عنها بهذا الصدق النادر، فالرجل الذي يعترف بضعفه أمام الله، ويطلب المعونة، هو في حقيقته رجل قوي لا ضعيف.
أولاً: نُثني عليك ثناءً صادقًا، فما تفعله من محافظة على الصلوات في الجماعة، والصيام، والصدقة، وقراءة القرآن، لهو أمر يسعد القلب، ويدل على إيمان حي لم يمت، بل هو إيمان يكافح ويقاوم، وهذه المعركة التي تخوضها منذ سنوات، ليست دليلاً على فسادك، بل دليل على أن فيك خيرًا يرفض الاستسلام.
العادة السرية التي تصفها، تعرف نفسياً بأنها نمط سلوكي إدماني، أي أن الدماغ قد تعلّم ربط الوحدة والضغط النفسي بهذا الفعل، كطريقة للتنفيس، وهذا ليس تشخيصًا إكلينيكيًا، وإنما فهم يساعدك على معرفة طبيعة عدوّك، والعدو الذي تعرفه أسهل مواجهةً من العدو المجهول.
لفت انتباهنا أنك ذكرت كلمة واحدة، هي مفتاح الحل، وهي قولك: (كلما خلوت)، الخلوة هي المدخل، وهي الزناد الذي يطلق الضعف، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يخلونَّ رجل بامرأة)، والحكمة في هذا النهي أن الخلوة تُسقط الحواجز، وهي قاعدة تنطبق على خلوة الإنسان مع نفسه في اللحظات الحرجة.
أخي الكريم: أنت جربت كثيرًا من الحلول الروحانية، وهي خير وبركة ولن تذهب سدى، لكن دعنا نضيف إليها أدوات عملية تكمّل ما بنيته:
الأمر الأول: أن تقطع طريق الخلوة من الأساس، وذلك بوضع ضوابط عملية في بيئتك الجديدة، اجعل باب غرفتك مفتوحاً كلما كنت وحدك، ولتكن جلساتك في المكتبة أو المقهى، أو أي مكان عام، بدلاً من غرفتك، الشيطان لا يستطيع أن يفعل شيئاً إذا انعدمت الفرصة قبل أن تنعقد النية.
الأمر الثاني: أن تعرف مُحفّزاتك الشخصية، هل يأتي الضعف عند الفراغ؟ أم عند الضغط الدراسي؟ أم عند الشعور بالوحدة والغربة في البلد الأجنبي؟ غالبًا ما يكون للإدمان السلوكي مُحفّز عاطفي، والغربة التي تعيشها الآن قد تكون رافداً جديداً لهذا الضعف، فانتبه لحالتك العاطفية قبل أن تنتبه للفعل ذاته.
الأمر الثالث: أن تستغل وقتك استغلالاً كاملاً، أنت في بلد جديد وجامعة جديدة، فابحث عن ناد رياضي أو مجموعة دراسية، أو تطوع في نشاط طلابي، الرياضة تحديداً تصرف الطاقة الجسدية، وتُفرز في الجسم مواد تعمل على تقليل الشهوة وتحسين المزاج.
قال أبو الطيب المتنبي:
أَعَزُّ مَكانٍ في الدُّنى سَرجُ سابِحٍ وَخَيرُ جَليسٍ في الزَّمانِ كِتابُ
وخير ما يُجالسك في لحظات الوحدة كتاب الله وورد الذكر، فلا تدع الفراغ ينصب عليك شَرَكه.
الأمر الرابع: أن تغيّر علاقتك بلحظة الانتكاسة، أنت الآن تتوب بعد الفعل، وهذا جيد، لكن حاول أن تطوّر مهارة التوقف قبله، وذلك بأن تُنشئ في ذهنك ما يُعرف (بخطة وقف الطوارئ)، حين تشعر بأنك تقترب من الضعف، قم فوراً وتوضأ وصلِّ ركعتين، أو اخرج من الغرفة، واتصل بأحد أصدقائك، ولو دون أن تخبره بشيء، المهم أن تقطع سلسلة الأحداث في منتصفها.
الأمر الخامس هو: ألّا تجعل من الانتكاسة نهاية القصة، أحد أخطر ما يفعله الشيطان أنه يحوّل الذنب إلى يأس، وهو ما يجعلك تقول: وقعت مرة فلأقع مرات، يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، كلما وقعت قم، وكلما أذنبت تب، ولا تنتظر أن تتوقف تمامًا لتبدأ في الصلاح، بل ابدأ في الصلاح الآن، ومعك ذنبك حتى يغادرك.
الأمر السادس: أن تستعين بمختص، لا نريد أن نُضخّم الأمر، لكن -للأمانة- فإن هذا النمط الذي يمتد لسنوات، ويقاوم كل محاولاتك، قد يستحق منك زيارة واحدة لمستشار نفسي متخصص في السلوكيات الإدمانية، وهو ما يتوفر في كثير من الجامعات الأجنبية مجاناً، ضمن خدمات دعم الطلاب، طلب المساعدة شجاعة وليست ضعفاً.
ثانياً: بخصوص علاقتك ببنت خالتك، أُثني عليك وعليها، أنكما قطعتما التواصل منذ عشرة أشهر، هذا قرار يستحق الاحترام، وفيه من النضج ما يدل على صدق التوبة، النية الصادقة للزواج بعد الاستقرار نية حسنة، وخير ما تفعله الآن هو أن تصون هذه النية في قلبك، وتعمل لتحقيقها بالجد في دراستك، دون أن تفتح قناة تواصل تُعرّض النية للانزلاق.
ثالثاً: موضوع الطهي مع زميلك، هذا الأمر أبسط مما يبدو، وحلّه بكلمات دافئة وصريحة، يمكنك أن تقول له بأسلوب مريح: أنا شخص لديه عادات معينة في المطبخ، وأحب النظام بطريقة خاصة، ولذلك أُفضّل أن أطبخ بشكل مستقل، حتى لا أُتعبك أنت بملاحظاتي، أو أُسبّب لك ضغطاً، ونبقى أصحاباً خارج المطبخ، هذا الأسلوب يُقدّم القرار كحماية له، وليس انتقاداً لشخصه، وهو الأكثر نجاحاً في مثل هذه المواقف، يقول الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، وحسن القول في التعامل اليومي يُصلح الكثير مما يُفسده التهرب والصمت.
لا نريد أن ننهي حديثنا دون أن نقول لك: أنت شاب يحمل همّ دينه ودراسته وأسرته، وبنت خالته، كلها في وقت واحد وهو في التاسعة عشرة من عمره، هذا وحده يستحق التقدير، الطريق طويل، لكنك لست وحدك فيه، ومن كان الله معه فهنيئًا له.
نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)