السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لكِ الاهتمام وحسن العرض للسؤال، ونسأل الله أن يُبارك في هذه الوالدة وفي أهلكِ الذين كانوا أوفياء وقاموا بواجبهم، ونحن نوصيكِ بدايةً بمضاعفة البر لهذه الأم، ومعرفة الفضل لأهل الفضل.
وشكرًا لكِ على الإصرار على التواصل مع الوالد رغم تقصيره، ونحب أن ننبه إلى أن برّ الوالدين عبادةٌ لله، وإذا أدركنا هذا المعنى العظيم فإن عبادة الله لا تتوقف حتى لو قصّر الطرف الثاني، وأنتِ مأجورة على الصبر، ومأجورة على الإحسان للوالد، ومأجورة على هذه الروح الطيبة والنوايا الجميلة، لدرجة أنكِ تفكرين أنه إذا عملتِ وأصبحتِ موظفة فإنك لن تقصري في بذل المال من أجل والدٍ كان يقصّر، وهذا دليل على أنكِ في خير وعلى خير.
وأسعدنا ما تقوم به الوالدة من تحريض لكِ على البر، وشرفنا وفرحنا أيضًا بمعرفة هذا النموذج الذي فيه الخوف من الله، وفيه التحريض على برّ الوالد المقصّر، وعليه أتمنى أن يستمر هذا البر.
أمَّا بالنسبة لإخوانكِ من الوالد، فأرجو أن تبقى شعرة العلاقة، أنتِ لستِ مطالبة بأن تتداخلي معهم، أو تزوريهم، أو تُكثري من زيارتهم؛ كل ما يُسبب لكِ أذى لستِ مطالبة به، لكن مسألة السؤال عنهم، ومسألة السلام عليهم إذا حصل تقابل، هذا مما تؤجرين عليه؛ لأن هذه علاقة الرحم، صلة الرحم أيضًا من واجبات الشرع.
وليس الواصل بالمكافئ -أي واحدة بواحدة، أو المعاملة بالمثل- ولكن الواصل من إذا قُطعت رحمه وصلها، فقومي بما عليكِ واستكملي هذا الخير، واعلمي أن مهر الجنة غالٍ، والإنسان لا بد أن يحتكم في مشاعره إلى قواعد الشرع.
لا تُلامين على هذا النفور الحاصل، لكن أرجو ألّا تظهريه، وألّا تعلني هذا الكره، وتعوذي بالله من شيطانٍ يريد أن يحرمكِ من أجر الصلة، ويكفي في الصلة –كما قلنا– السلام، ويكفي فيه تهنئتهم برمضان وبالعيد والمناسبات، ويكفي السؤال عنهم إذا مرضوا، أنتِ لستِ مطالبة أن تتداخلي معهم، لكن أتمنى –وأنتِ بنت هذه الوالدة التي تحضّك على الخير– ألَّا تقصري وإن قصروا.
وتذكّري أن النبي ﷺ جاءه رجل فقال: «إنَّ لي قَرابةً أَصِلُهُم ويَقطَعُونني، وأُحسِنُ إليهم ويُسيئون إليَّ، وأَحلُمُ عنهم ويَجهَلون عليَّ»، فهل قال له نبيّ الصلة والرحمة: اتركهم؟ اقطعهم؟ بل قال ﷺ: «لَئِن كُنتَ كما قُلتَ فكأنَّما تُسِفُّهُمُ المَلَّ» كأنك تُطعمهم الرماد الحار، كناية عمَّا يدخل عليهم من أذى وذنوب وشر، ثم بشره فقال: «ولا يزالُ معكَ من اللهِ ظَهِيرٌ عليهم ما دُمتَ على ذلك».
فالتي تصل رحمها مبشَّرة بتأييد الله، ومبشَّرة بسعة الرزق، ومبشَّرة بطول العمر، ومبشَّرة بالتوفيق والقبول عند الله تبارك وتعالى، فاجعلي همّكِ نيل رضوان الله تبارك وتعالى، واعلمي أن الجنة مهرها غالٍ، تحتاج إلى صبر، تحتاج إلى معاناة، ونسأل الله أن يبلغنا رمضان؛ الإنسان يجوع ويعطش ليبلغ جنة الله، والمجاهد يُقدّم روحه لينال رضوان الله، وأنتِ جعل الله لكِ هذا الباب: الصبر على أرحامك، والصبر على والدك، ومواصلة البر؛ بابٌ إلى جنة الله ورضوانه.
ونتمنى أيضًا ألَّا تفكري بمثل هذا التفكير: أين عدالة الله؟ أين كذا؟ هذه العبارات أرجو ألَّا تعتاديها، والله -تبارك وتعالى- ابتلانا بالخير وابتلانا بالشر، جعل هذا الإنسان يتعرض لمواقف ينبغي أن يحمد الله فيها؛ والشكر والحمد يُوصلان الجنة، ومواقف أخرى يحتاج إلى الصبر فيها، والصبر أيضًا يُوصل إلى الجنة، و«عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ، إنَّ أمرَه كلَّه له خيرٌ، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرَّاء شكرَ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبرَ فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن».
فلا تحزني، وإذا ذكّركِ الشيطان بتقصيرهم فتذكّري مغفرة الله وثواب الله، وتذكّري أنكِ ستحاسبين وحدكِ، وسيحاسبون وحدهم، فلا تقصري وإن قصروا.
نسأل الله لنا ولكِ التوفيق والسداد والنجاح.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)