السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يحفظك، وأن يرعاك، وبعد:
لا يخفاك أن المستشار مؤتمن، ونحن لا نعرفك ولا نعرف والديك، لذا نرجو منك أن تسمع منا وأن تحلل ما نقوله جيدًا، ونحن سنجيبك من خلال ما يلي:
أوّلاً: تثبيت الأصل الذي لا يصحّ النقاش بدونه: إذا بلغ الرجل ستّاً وعشرين سنة، فأبواه لا محالة قد دخلا في الكِبَر، وضعفت قدرتهما على الاحتمال، والأصل الشرعي والعقلي والفطري أن تنتقل جهة الاحتمال من الأعلى إلى الأدنى، ومن الوالد إلى الولد، لا العكس، هذا الانتقال ليس عقوبة، ولا ظلماً، ولا قسوة، بل هو سُنّة الحياة، وسُنّة التكليف، ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾، هذه الآية لا تصف مجرّد تغيّرٍ جسديّ، بل تُقرّر انتقال الأدوار: ضعفٌ يُحمَل، ثم قوّةٌ تتحمّل، ثم ضعفٌ يُحمَل من جديد.
ثانياً: البطالة لا تُسقط أصل الواجب، ولا تُبيح قلب الأدوار: عدم وجود عمل مناسب، أو ضعف الدخل، أو العمل عبر الإنترنت براتب محدود، كلّ ذلك قد يُخفّف مقدار النفقة، لكنه لا يُسقط أصل السعي ولا أصل الشعور بالمسؤولية، فالشرع لا يربط الرجولة بالثراء، ولا الكرامة بالمنصب، وإنما يربطها بالمحاولة الصادقة وتحمل التبعات.
ولا عذر لك وأنت الشاب في مثل هذا السن أن تجلس في البيت بلا عمل، النبي ﷺ قال قولاً فاصلًا لا يترك مجالاً للتعلّل: «لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ»، فمن كان يعيش في بيت والديه، ويأكل من طعامهما، ويستظلّ بسقفهما، ثم يرى في ذلك أمراً طبيعياً، فقد أخطأ في فهم موقعه، وإن لم يقصد.
ثالثاً: شتم الأم ليس نتيجة ضغط، بل تجاوز لخطٍّ أحمر: مهما بلغ الغضب، ومهما تراكم الإحباط، ومهما قست الكلمات التي يسمعها الابن، فإن اللسان إذا تجاوز حدّ الأدب مع الأم، فقد تجاوز حدّاً جعله الله محرّماً تحريماً قاطعاً، لا يُستثنى منه حال، ولا يُرخَّص فيه بانفعال، قال الله تعالى بلفظٍ شديد الدلالة: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾، فإذا كان أقلّ لفظ يدلّ على التضجّر محرّماً، فكيف بالسبّ؟ وكيف بالإهانة؟ وكيف بالدفع باليد؟ ولهذا قرن النبي ﷺ عقوق الوالدين بأعظم الكبائر، فقال: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟»، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ».
رابعاً: التصرّف في مال الأب خيانة أمانة لا خطأ تقدير: المال الذي يعطى لغرض محدّد هو أمانة شرعية، لا يجوز التصرّف فيه إلا بإذن صاحبه، مهما كانت الحاجة، ومهما ظنّ الابن أنه سيعوّض لاحقاً، حسن النيّة لا يبيح خرق الأمانة -يا أخي-، إعادتك المال لاحقاً إصلاح محمود بلا شك، لكنه لا يغيّر توصيف الفعل الأصلي، ولا يبيح الغضب عند المحاسبة عليه.
خامساً: جوهر المشكلة ليس القسوة، بل قلب مفهوم الرجولة: الخلل العميق هنا ليس في شدّة الوالدين فقط، ولا في مقارنة الأخ الأصغر، بل في توقّع مكانة الرجل قبل الدخول في أثمان الرجولة، فالرجولة في ميزان الشرع ليست شعوراً داخلياً، بل وظيفة ومسؤولية وتحمل، قال النبي ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».
سادساً: لماذا يشتدّ الوالدان غالباً على الابن العاطل؟ التشديد الذي رأيته ليس نابعاً قطعًا من كراهية؛ لأن حبهما لك فطرة فطرا عليها وستدرك ذلك حين تتزوج ثم تنجب، هو ليس كراهية بل خوف صامت: خوف من المستقبل، خوف من الاعتماد الدائم، خوف من أن يمضي العمر والابن في المكان نفسه.
وهنا يُختبَر الابن: هل يُقابل الخوف بخوف، فيتصاعد الصدام؟ أم يُقابله بصبر وفهم وسعيٍ وصمت يطفئ حدّته مع الزمن؟
سابعاً: ما الواجب على هذا الشاب الآن بلا التفاف؟ الواجب عليك ليس الجدال، ولا المقارنة، ولا تعداد المظالم، بل: أن تتوب توبة صادقة من شتم الأم، ومن التصرّف في المال؛ لأن هذه ذنوب مستقلّة لا تُبرَّر بالسياق، قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾، ثم أن تتحمّل مرحلةً قد تكون مُهينة للنفس، لكنّها منجية للدين: عمل متواضع، دخل قليل، صمت أكثر، احتكاك أقلّ، وبذل أكبر ما استطاع، لأن ذلّ السعي أهون من ذلّ العقوق.
وختامًا: لا تبحث -يا أخي- عن محاولات لتبرير ما يحدث معك، بل وجه البوصلة لإعادة إصلاح نفسك، وساعتها سيعود كل شيء إلى طبيعته، وفقك الله ورعاك.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)