بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سارة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكركم لتواصلكم معنا، وثقتكم بموقعنا.
فهمنا من رسالتكِ أختي الكريمة أنكِ تمرّين بتحديات نفسية بدأت منذ مرحلة الثانوية؛ حيث تعرضتِ لتجربة مؤلمة من التنمر والنقد السلبي من قِبل زميلاتكِ السابقات؛ مما أثر على شعوركِ بالأمان وثقتكِ بنفسكِ وبالآخرين، وتطور الأمر إلى مخاوف من التجمعات والأماكن العامة، وصولاً إلى السعي المفرط للمثالية كدرع حماية.
أولاً: أود أن أحييكِ على شجاعتكِ في طرح مشكلتكِ، وعلى نجاحكِ الباهر وتفوقكِ الدراسي رغم كل هذه الضغوط؛ فحصولكِ على معدل 99% ودخولكِ تخصصاً طبياً هو دليل قاطع على أنكِ تمتلكين إرادة صلبة، وقدرات عقلية متميزة، وهذا بحد ذاته نعمة عظيمة تستحق الشكر والاعتزاز.
ما تمرّين به هو صدمة اجتماعية ناتجة عن تنمر مبرمج ومستمر، أدى إلى ما نسميه بالقلق الاجتماعي الممزوج ببعض أعراض الرهاب من الأماكن أو التجمعات، الكلمات التي كانت تهز كيانكِ تحولت مع الوقت إلى صوت داخلي يجعلكِ تترقبين الأسوأ وتخافين من النقد.
تعرّق اليدين ونبض القلب السريع هي ردود فعل جسدية طبيعية لحالة الاستنفار التي يعيشها جهازك العصبي خوفاً من تكرار الأذى.
تذكري أختي الكريمة أن الله عز وجل يبتلي عباده ليصفي نفوسهم ويرفع درجاتهم، هؤلاء الفتيات اللاتي أسأن إليكِ قد وقعن في إثم السخرية والتنمر، والله عز وجل يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ) [الحجرات:11]، قيمتكِ مستمدة من كونكِ أمة لله، ومن أخلاقكِ وعلمكِ، وليست مستمدة من أفواه الناس الذين قد تملأ قلوبهم الغيرة أو نقص الحكمة.
من الأمور التي سوف تعينكِ -بإذن الله-:
• فك الارتباط بين قيمتكِ ورأي الناس، فأنتِ تسعين للمثالية لكي لا تُنتقدي، ولكن الحقيقة أن رضا الناس غاية لا تُدرك، والكمال لله وحده، كوني على طبيعتكِ الطيبة كما كنتِ، واعلمي أن نقد الحاقدين لا يضركِ إلا أذىً بسيطاً في السمع، ولكنه لا يغير من جوهركِ شيئاً.
• خوفكِ من الشوارع أو التجمعات يحتاج إلى تعريض متدرج، ابدئي بالخروج لأماكن هادئة مع شخص تثقين به جداً، ثم زيدي الجرعة شيئاً فشيئاً، لا تسمحي للانطواء أن يسجنكِ، فالعالم واسع ورحمة الله أوسع.
• اللجوء إلى الله ومناجاته يمنحكِ الأمان الذي تفتقدينه، يقول الله تعالى: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:28]، واظبي على أذكار الصباح والمساء، فهي حصن نفسي وروحاني يجعلكِ تشعرين أنكِ في كنف القوي العزيز، فلا يضركِ من في الأرض جميعاً.
• عندما تشعرين بتعرق اليدين أو سرعة النبض؛ استخدمي التنفس العميق: خذي شهيقاً بطيئاً من الأنف وعدّي للأربعة، ثم أخرجي الزفير ببطء شديد، هذا يهدئ الجهاز العصبي فوراً.
أختي الكريمة: إن دراستكِ للطب تتطلب منكِ توازناً نفسياً؛ لأنكِ ستتعاملين مع آلام البشر، وهذا التوازن يبدأ من داخلكِ أولاً، لا نريد أن نسقط في فخ الإسقاطات التشخيصية، ولكن للأمانة والموضوعية، وبما أن الأعراض وصلت إلى حد الخوف من الخروج، وتأثر حياتكِ الاجتماعية بهذا الشكل، فنحن ننصحكِ بزيارة أخصائية نفسية مؤهلة (علاج معرفي سلوكي CBT) لتساعدكِ في تفكيك تلك الصدمات القديمة وتجاوزها، وهذا ليس ضعفاً، بل هو من باب الأخذ بالأسباب التي أمرنا الله بها.
إن هذه المحنة التي مررتِ بها ستكون هي الجسر الذي تعبرين منه نحو شخصية أكثر نضجاً وقوة، وعطفاً على المرضى والمتألمين، أنتِ فتاة متميزة، وما حدث في الماضي كان مجرد غمامة صيف لن تمنع شمس نجاحكِ من الشروق مجدداً.
نسأل الله أن ييسر أمركِ، وأن يشرح صدركِ، وأن يهديكِ سواء السبيل.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)