بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ تسنيم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
بداية: نثمن استمرار تواصلك، وثقتك في موقعك المفضل إسلام ويب، لطلب المساعدة، وواضح مما عرضتِه أنه يدل على قدر كبير من الوعي والمراجعة، لكن يُلاحظ أيضًا أن تكرار طلب الاستشارة في كل ما يخص حياتك، وظروفك النفسية، وتحدياتك المختلفة، مع وجود تاريخ من جلد الذات، قد أسهم في تكوين نظرة قاسية تجاه نفسك، وانعكس كذلك على نظرتك للآخرين، فأصبحتِ تفسّرين كثيرًا من المواقف على أنها انتقاص، أو تقليل، بينما هي في حقيقتها قد لا تكون كذلك.
وأنتِ في جوهرك فتاة تحاول وتجتهد لتصل إلى أفضل صورة يمكن أن يكون عليها الإنسان، وهذا مقصد محمود في أصله، لكن الإشكال حين يتجاوز هذا السعي حدوده الطبيعية، فيتحول إلى سعي نحو كمال مثالي غير واقعي، لا يقبل الخطأ، ولا الاختلاف، لا في النفس ولا في الآخرين، وهنا يبدأ الضغط الداخلي، واستنزاف الطاقة النفسية.
والمطلوب منك الآن: أن تنتقلي إلى حالة من التوازن والوسطية، فتعطي نفسك حقها من الرحمة والتقدير، كما تعطي الآخرين حقهم دون مبالغة في الحكم عليهم، أو تحميلهم ما لا يحتمل، وأن تتخففي من إصدار الأحكام السريعة، سواء على نفسك، أو على غيرك، لأن كثيرًا منها يكون غير دقيق، ويستهلك طاقتك دون فائدة.
ومن الأمور الطيبة أنك أصبحتِ صادقة مع نفسك، في إدراكك أنك كنتِ تسعين للكمال، وهذه خطوة مهمة؛ فالكمال المطلق ليس من طبيعة البشر في هذه الدنيا، بل هو وهم يرهق صاحبه، وطبيعة الحياة أنها تتقلب بين الشدة واللين، وبين ما يرضي النفس وما يثقلها، ومن الحكمة أن يتعلم الإنسان قبول أقدار الله، والرضا بها، حتى يصل إلى قدر من السكينة والاستقرار النفسي.
ولا يغيب عنك أن لك مراحل مشرقة في حياتك، كنتِ فيها مقدِّرة لنفسك، مبادرة في دعم الآخرين ونصحهم، وما زلتِ تحملين هذا الخير، لكن أحيانًا لا يستطيع الإنسان أن يطبق كل ما يقوله أو ينصح به في الحال، وهذا أمر بشري، ومع الاستمرار ومجاهدة النفس، يصل الإنسان تدريجيًا إلى التوافق بين ما يؤمن به وما يطبقه.
ما تمرين به الآن يمكن اعتباره نوعًا من الانتكاسة العابرة، وهي واردة في حياة كل إنسان، لكن المهارة الحقيقية هي في القدرة على تجاوز هذه المرحلة، والنهوض من جديد، وواضح من كلامك أنك تحاولين، وتستمرين في المحاولة، وهذا مؤشر طيب ومبشّر، ولا حرج عليك إن شعرتِ أن الأمر يطول أو يثقل، أن تراجعي مختصًا نفسيًا يساعدك على إعادة بناء تقديرك لذاتك بصورة صحيحة، فهذا من باب الأخذ بالأسباب، وليس فيه ما يُعيب.
ويمكنك الاستفادة من بعض الوسائل العملية مثل: تدوين الأفكار التي تهاجمك، ثم العودة إليها في وقت هادئ لتفكيكها، ومناقشتها بموضوعية، مع استبدال القاسي منها بأفكار أكثر توازنًا، وأن تتعلمي قبول نفسك كما هي؛ فهذا القبول لا يعني التوقف عن التطور، بل هو أساس السلام الداخلي، وكذلك احرصي على كتابة النعم والأشياء الإيجابية في حياتك، وتعظيمها، واستحضار أنك تعيشين في نعم كثيرة، قد يغفل عنها الذهن وقت الضيق.
ومن الوسائل المفيدة أيضًا: تدريب نفسك على إيقاف المقارنة فور بدايتها؛ بتحويل الانتباه لعمل نافع، ووضع حدود للتفكير، عبر تحديد وقت قصير للتأمل ثم الإغلاق، وممارسة أنشطة تعزز الشعور بالإنجاز ولو كانت بسيطة، والاهتمام بصحتك الجسدية من نوم كافٍ، وحركة يومية، وتقليل التعرض للمواقف، أو الحسابات التي تثير المقارنة، وتدريب نفسك على تقبل المديح للآخرين دون ربطه بقيمتك، بل بالدعاء لهم، واستحضار أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
وتذكري أن رحلتك مع نفسك تحتاج إلى صبر ورفق، وأن التغيير الحقيقي يأتي بالتدرج، فاستعيني بالله، وامضي بخطوات هادئة ثابتة، وستجدين -بإذن الله- أنك تستعيدين توازنك، وثقتك بنفسك شيئًا فشيئًا.
نسأل الله أن يشرح صدرك، ويملأ قلبك سكينة ورضا، آمين.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)