السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلاً بكِ -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لكِ الاهتمام والحرص على السؤال، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يُعينكِ على تجاوز الصعاب.
وقد لاحظت في الوظيفة أنكِ معلمة "نور البيان"، ونحن ننتظر من المعلِّمات لكتاب الله -تبارك وتعالى- ومن كل معلمة؛ أن تكون قدوة، أن توقن أن ما عند الله خير وأبقى، أن تتذكر أن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، وأن توقن بقول الله: {لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}، وأنه لا يستطيع إنسان أن يضر إنسانًا إلَّا إذا قدر الله تبارك وتعالى.
وإذا وقع الإنسان في الابتلاء فعليه أن يتذكَّر أن أكثر الناس بلاءً الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الأمثل فالأمثل، ونسأل الله أن يجعلنا جميعاً ممن إذا أعطوا شكروا، وإذا ابتلوا صبروا، وإذا أذنبوا استغفروا.
والإنسان المظلوم لا يحتاج أن يحمل في نفسه؛ لأن الله تبارك وتعالى يسمع ويرى؛ ولأنه ينصر المظلوم وينتقم من الظالم، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يُعينكِ على تجاوز هذه المواقف لأنكِ تتألمين، وقد مضى الوالد إلى الله -تبارك وتعالى- وستمضي زوجته وسنمضي جميعًا، وعند الله تجتمع الخصوم.
فلا تشغلي نفسكِ أكثر من اللازم، ولا تحاولي رد الأذى بمثله، ولكن قومي بما عليكِ تجاه الوالد وإن قصّر؛ لأن البر عبادة لله -تبارك وتعالى- ليس لوالد ولا لوالدة، إننا نقوم ببر آبائنا وإن قصّروا، نحسن لأمهاتنا وإن قصّرنَ، لأن البر عبادة لله -تبارك وتعالى- من يقوم بها يجازيه الله، ومن يقصر فيها يحاسبه الله، وإذا قصّر الأب فالله يحاسبه، وإذا أحسن فالله -تبارك وتعالى- يجازيه.
وأنتِ -ولله الحمد- رغم الصعاب عشتِ وتزوجتِ، ونسأل الله أن يكتب لكِ الأجر، وثقي بأنه ما من مصيبة يصاب بها المؤمن، الشوكة فما فوقها إلَّا كفَّر الله بها من خطاياه.
فنسأل الله أن يجعل لكِ المغفرة في كل ما مررتِ به من مواقف صعبة، وأيضًا أن يعوض الوالدة خيرًا، وأن يعجل بشفائها، وأن يعينها ويتقبل عملها الذي قامت به في تربيتكم وفي الصبر على هذا الأذى، وننتقل غدًا إلى ربٍ يقتاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء، لا تضيع عنده الحقوق، ينصب ميزان العدل، {فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ} قال العظيم: {أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ}، فسنقف بين يدي العدل الذي لا تخفى عليه خافية سبحانه وتعالى.
ولذلك أرجو أن تتوقفي عن هذه الكراهية، وهذا الشر الذي يؤججه الشيطان من أجل أن يُحزنكِ، من أجل أن يبعدكِ عن معالي الأمور، من أجل أن يشغلكِ ويؤذيكِ بأمور لا تُقدِّم ولا تؤخر؛ فإن هذه المشاعر السالبة تتعبكِ ولا تضر الآخرين، والله -تبارك وتعالى- هو الذي يقول: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}، الله -تبارك وتعالى- هو الذي يقول: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، الله -تبارك وتعالى- يعوض من يسامح، ويجد الأجر والثواب عند الله تبارك وتعالى.
وحتى المظلوم قال في حقه العظيم: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ}، لكن في ختامها رجح العفو، وأنه الأعلى والأغلى، {وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا * إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} فكيف إذا كان هذا الظالم هو الأب الذي يجب علينا أن نقوم بما علينا تجاهه؟
وتعلمنا من الخليل إبراهيم -عليه السلام- اللطف مع الأب، رغم أنه كان مشركاً بالله، وكان يؤذيه، {يَا أَبَتِ ... يَا أَبَتِ ... يَا أَبَتِ ... يَا أَبَتِ}، حتى قال: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا}، عندها قال الخليل: {سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي}.
فنسأل الله أن يُعينكِ على تجاوز هذه الصعاب، وأرجو أن تعيدي النظر، بناءً على ما سمعتِ من آيات ونصائح، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يعينكِ وأن يقر أعينكم جميعًا بشفاء الوالدة.
ونكرر: كل من ظلم الناس سيعود عليه الظلم بالعواقب الوخيمة في الدنيا مع ما ينتظره في الآخرة، فالظلم مرتعه وَخِيم، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)