السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، ونشكر لكِ تواصلكِ بالموقع.
بدايةً نقول -أيتها البنت العزيزة-: إن حق الوالد عظيم، وقد جعل الله -سبحانه وتعالى- حق الوالدين قرينًا لحقه سبحانه وتعالى، فقال: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلّا تَعبُدوا إِلّا إِيّاهُ وَبِالوالِدَينِ إِحسانًا﴾ [الإسراء:٢٣]، ومهما بلغت إساءة الوالد إلى ولده، فإن الولد مأمورٌ بإحسان المعاملة بقدر استطاعته مع والده؛ امتثالًا لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن جاهَداكَ عَلى أَن تُشرِكَ بي ما لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ فَلا تُطِعهُما وَصاحِبهُما فِي الدُّنيا مَعروفًا﴾ [لقمان:١٥].
ففي مثل هذه الحالة التي يكون الوالد فيها مجرمًا محاربًا لله ولِدينه، ويبذل أقصى ما في وُسعه في محاربة ولده، ومحاولاته لحرفه وصرفه عن دينه، فإن الله تعالى في هذه الحالة أمر الولد بأن يتمسّك بالدين ولا يطيع الوالد في المحرم والمعصية، ولكنه أمره مع ذلك كله بإحسان المعاملة مع الوالد، قال: ﴿وَصاحِبهُما فِي الدُّنيا مَعروفًا﴾.
وبهذا يتبيَّن لكِ عظيم حق الوالد على ولده، فالوالد كان سببًا في وجود هذا الولد في هذه الدنيا، فكلُّ نعمة ينعم بها الإنسان فهي في الحقيقة فرعٌ عن نعمة الوجود، ونعمة الوجود كان الوالد سببًا فيها؛ لهذا قال الرسول ﷺ: «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا»، فلا يقدر الولد على رد الجميل إلى الوالد ومكافأته بإحسانه إليه، ولكن هذا لا يعني أن نطيعه في كل ما يأمر به، بل الطاعة مقيدة بألَّا تكون في معصية الله، كما قال الرسول ﷺ: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ».
هذه الضوابط العامة -أيتها البنت الكريمة- تُحدِّد لكِ كيفية التعامل مع الوالد، ومخالفة الوالد لا تعتبر عقوقًا إلَّا إذا كان يتأذى بهذه المخالفة أذىً معتبرًا عند الناس، بحيث يرى الناس أنه معذور في هذا التأذي، وأن تأذِّيه بهذا الفعل ليس مجرد حماقة منه، فهذا هو الضابط الذي يضعه الفقهاء لمعرفة عقوق الوالد المحرم، وبهذا تستطيعين -بإذن الله تعالى- الحكم على كثير من الجزئيات التي تتساءلين عنها، والتي لا يتسع الوقت للإجابة عنها تفصيلاً كُلًا على حدة.
ولا يجوز للولد أن يهجر والده ويمتنع عن معاشرته وصلته ونحو ذلك من الأمور التي يجري بها العرف، فصلة الرحم واجبة، وأولى الرحم بالوصل الوالدان.
ولا يجب على الولد أن يبذل ماله لوالده ما دام هذا الوالد غنيًا بماله، ولا يجب عليه أن يُطيعه إذا أمر بشيءٍ تكون مخالفته غير مؤذية للوالد أذىً بيِّنًا معتبرًا عند الناس.
وأمَّا الحلف بالطلاق، فهذا أمرٌ راجع إلى نيته عند كثير من العلماء؛ فإذا نوى وقوع الطلاق يقع، وإذا نوى اليمين فهي يمين، وكثيرٌ من العلماء يرى بأن الطلاق يقع مطلقًا سواء قصد اليمين أو لم يقصد، وإنما نقول هذا الكلام حتى تعلمي أن مسائل الطلاق لا بد فيها من أن يكون هو السائل، وأن يتوجه إلى من يفتيه ويبين له ما صدر منه وما هي نيته.
خير ما نوصيكم به -ابنتنا الكريمة- هي الاستمرار وتكرار المحاولة في نصح الوالد، وتذكيره بالله -سبحانه وتعالى- وإبداء حرصكم على طاعته ومصلحته، ومحاولة استمالة قلبه بكل ما من شأنه أن يؤثر عليه من المواعظ، أو بتسليط مَن له كلمة مقبولة عنده، ولا تيأسوا من هذا؛ فإن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
أكثروا من دعاء الله -سبحانه وتعالى- واستعينوا به على إصلاح الحال، ولن يخيب الله تعالى مساعيكم.
نسأل الله تعالى أن يُقدِّر لكم الخير.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)