السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، نشكر لكِ تواصلكِ بالموقع، ونسأل الله تعالى أن يعفو عنكِ ما حصل منكِ من تقصير في حق أُمّكِ، ونشكر لكِ حرصكِ على معرفة حدود التعامل مع الوالدين، وحذركِ من الوقوع في العقوق لهما، وهذا من توفيق الله تعالى لكِ.
ولكن فيما حصل مع أُمّكِ فيما ذكرتِه في السؤال تقصيرٌ ظاهر، ومخالفةٌ واضحة، ولهذا نأمل أن تسارعي في تصحيح ما وقع من خطأ، وقبل أن نتحدث عن هذا الخطأ، نود أولًا أن نذكركِ -ابنتنا الكريمة- بمنزلة الأم وعِظم حقها على الإنسان.
ولا يخفى عليكِ أن الله -سبحانه وتعالى- ذكر في القرآن الكريم معاناة الأم مع ولدها من حيث الحمل والولادة والرضاع والقيام بالتربية، فكل هذه معاناة يتبع بعضها بعضًا؛ فقال سبحانه وتعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا}.
ولهذا جعل الله تعالى للأُمِّ ثلاثة أضعاف ما للأب من البر في الحديث النبوي المشهور: ((مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أَبُوكَ)).
وحق الوالدين معًا أن يتأدب الولد معهما في منطِقه، ونظراته، وسائر تصرفاته، ففي الكلام قال الله سبحانه وتعالى: {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}.
يقول العلماء: لو كانت هناك كلمة أقل إيذاءً من كلمة "أُفٍّ" لنهى الله -سبحانه وتعالى- عنها، ولكن لا توجد كلمة أقل منها؛ فإذا نهى عن كلمة "أُفٍّ" التي تُفيد التضجُّر والتضايق من الوالد، فإنه ينهى عما هو أعظم منه من باب أولى. وأمر -سبحانه وتعالى- بأن نقول لهما القول الكريم؛ أي القول الجميل الحسن، ونهى عن نهرهما؛ أي رفع الصوت عليهما، فهذه ثلاثة آداب في موضع واحد متعلقة بالكلام مع الوالدين.
ثم أمر الله -سبحانه وتعالى- بالتواضع لهما والمبالغة في هذا التواضع، قال: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ}؛ فهو يشبه الإنسان بالطائر، يقول له: الطائر مرتفع، وإذا أراد أن ينخفض فإنه يخفض الجناح، وكذلك أنت أيها الإنسان مأمورٌ بأن تنخفض، وتتذلَّل أمام الوالدين، ويجعل -سبحانه وتعالى- الباعث الذي يدعوك إلى التواضع للوالدين والمبالغة في هذا التواضع هو الرحمة بهما؛ قال: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} أي بسبب الرحمة.
وبهذا كلِّه يتبيَّن لكِ أن ما وقع منكِ خطأٌ بَيِّنٌ وظاهر، ولكن بإمكانكِ أن تصححي هذا الخطأ؛ أولًا بالتوبة، بمعنى الندم على هذا الفعل، والعزم على عدم الرجوع إليه في المستقبل، مع تركه وعدم الإصرار عليه، ثم بالاعتذار إلى أُمّكِ وطلب المسامحة منها، وهي بلا شك تُحبُّكِ وتحرص على مصلحتكِ؛ فإذا قلتِ لها إنكِ وقعتِ في خطأ وتخشين عقاب الله تعالى، فإنها سترحمكِ بلا شك وتسامحكِ وتعفو عنكِ؛ فبادري إلى هذا ولا تتساهلي فيه.
وأمَّا ما ينبغي أن تفعليه في المستقبل، فالأمر سهل بسيط، وهو أن تسكتي عما تأمر به أُمّكِ، وتقومين بتنفيذ ما تقدرين عليه، ثم ستجد أُمّكِ نفسها أمام الأمر الواقع؛ أي أنكِ فعلتِ ما تقدرين عليه، وبهذا تسلمين أنتِ من المعارضة لها ورفع الصوت عليها، ونحو ذلك من المخالفات الظاهرة الواضحة.
لا عذر لكِ -ابنتنا الكريمة- فيما فعلت أمكِ لتقابلي هذا الفعل بكل هذه الإساءات التي صدرت منكِ، ولكن نؤكد مرة ثانية أن إصلاح هذا الخطأ سهل بسيط بما بيناه لكِ من الخطوات.
فاستعيني بالله -سبحانه وتعالى- على بر أمكِ والإحسان إليها، وستجدين الأمور -بإذن الله تعالى- تمشي في الاتجاه السليم، وتسعدين -بإذن الله- بتوجيهات أمكِ وإعانتها لكِ، وقبل ذلك بإعانة الله تعالى لكِ.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقكِ لكل خير.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)