بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ عنان حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
شكرًا لتواصلك مع موقع إسلام ويب، وبدايةً: نحيي فيكِ –أيتها الأخت الكريمة– هذا الحرص الصادق على تقويم سلوك أخيكِ، وهذا الشعور بالمسؤولية تجاه أسرتكِ، وهو دليل على نضجكِ وطيب معدنكِ، فليس كل أحد ينتبه لمثل هذه التفاصيل، أو يسعى للإصلاح بهذه الجدية.
ومن خلال ما ذكرتِ يتضح أن صورة الوالد –حفظه الله– في نظركم تتسم بشيء من القسوة والحدة، ولا نُذكِّركِ –أيتها الأخت الكريمة– بعِظم برِّ الوالدين، فهو من أجلِّ القربات، قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، فمهما وُجد من صعوبة في طباعهما يبقى حقهما ثابتًا، ويكون التعامل مع ذلك بالصبر والحسنى والدعاء.
كما يُستحسن التخفيف من الجزم بوصف الوالد بأنه “نرجسي”، فمثل هذه الأحكام الدقيقة تحتاج إلى مختص، وقد يكون ما ترينه مجرد شدة في الطبع، أو أسلوب يراه من باب الحرص على الأبناء والخوف عليهم، خاصة البنات، فيظهر ذلك الحرص في صورة شدة، أو تضييق، أو قسوة يراها هو من مصلحتهم، وإن لم يكن موفقًا، وهذا الفهم يعين على التعامل معه بهدوء واتزان.
وأما أمكِ –كما وصفتِها بأنها أم جميلة طيبة وحنونة– فهذه نعمة عظيمة في البيت، ويمكن البناء على هذه الصفة بشكل إيجابي، فهي الأقرب إلى قلب أخيكِ، والأقدر على التأثير عليه إن وُجِّهت التوجيه المناسب، فلو تم إشراكها بلطف في وضع حدود واضحة لسلوكياته، مع الجمع بين الحنان والحزم، وعدم تبرير أخطائه أو الدفاع عنه حين يعتدي؛ فإن لذلك أثرًا كبيرًا في تعديل سلوكه، كما أن دورها مهم أيضًا في التقريب بينه وبين والده، بطريقة تقلل من التوتر وتفتح باب الحوار.
ولا يفوت هنا التذكير بأن الوالدين –في الغالب– ينظران إلى أبنائهما بعين الحماية والخوف عليهم، وقد يخطئان في الوسائل أو الأساليب، لكن هذا لا يسقط حقهما في البر والطاعة في المعروف، ولذلك فالأصل هو محاولة التحاور معهما بهدوء واحترام، واختيار الأوقات المناسبة لطرح القلق حول سلوك الأخ، مع تجنب المواجهة الحادة أو اللوم المباشر.
كما يُحمد لكِ ولأخواتكِ أنكن –بحمد الله– لم تتأثرن بشكل ظاهر بتلك الأجواء، وهذا يدل على قوة داخلية ووعي جيد، حتى وإن كان في الداخل بعض الألم، فالثبات الظاهر والسلوك المتزن نعمة تستحق الشكر، ويمكن أن يكون ذلك عامل توازن داخل الأسرة.
أما أخوكِ الأصغر، فالواضح من وصفكِ أنه يجمع بين صفات العناد، وحب السيطرة، والانفعال، مع ضعف تحمل المسؤولية، وهذه الصفات كثيرًا ما تظهر أو تتضخم في مرحلة المراهقة، خاصة إذا اجتمع معها عامل التدليل الزائد، وكونه الابن الذكر الوحيد قد يجعله يحظى بمعاملة خاصة تُسهم –دون قصد– في تعزيز هذه السلوكيات، كما أن تأثره بنموذج الأب وارد؛ إذ يميل الأبناء في هذه السن إلى تقليد النموذج الأقوى في البيت.
ومع ذلك، فإننا نُقدِّر لكِ جدًا محاولاتكِ المتكررة في احتوائه، سواء بالرفق، أو بالنصح، أو حتى بمحاولة الحزم، وهذا جهد مشكور، لكن من المهم إدراك أن التغيير في مثل هذه الحالات لا يكون سريعًا، ولا يعتمد على شخص واحد فقط، بل يحتاج إلى تكاتف أسري وتدرج وصبر.
ومن الناحية النفسية، فإن ما يحدث داخل الأسرة من تفاعلات –بين شدة الأب، وحنان الأم غير المنضبط أحيانًا، وتمرد الابن– يُنتج دائرة سلوكية متكررة، فيحتاج الأمر إلى كسر هذه الحلقة، عبر أدوار أكثر توازنًا: حزم هادئ من الأم، حضور توجيهي إيجابي من الأب، وتقليل الاحتكاك المباشر الذي يتحول إلى صراع بينكِ وبينه، مع إبقاء باب النصح مفتوحًا، ولكن بأسلوب غير مباشر أحيانًا.
وفي الختام: استمري في دوركِ الإصلاحي ولكن بقدر دون أن تدخلي في مواجهات مباشرة، ووزّعي الجهد، ولا تحمّلي نفسكِ ما لا تطيقين، فإذا كانت النصيحة ستضر بك ولن تنتج إلا مشاكل؛ فدعيها حالياً، ولا تقلقوا؛ فسوف يمر هذا العمر ويتحسن وضع أخيك بإذن الله، خاصة إذا ارتبط بأصدقاء صالحين، وشاركهم حلقات القرآن والعلم، واستمع لمواعظ الدعاة، وكلام المربين؛ ولذلك -كما ذكرنا أيضاً- يمكن مناقشة هذا الأمر مع الوالدين بهدوء، وعرض اندماجه في مثل هذه اللقاءات الشبابية ليتعلم، لكن نعيد ونكرر تكون المناقشة بهدوء مع الوالدين دون لوم ومواجهة، وإنما من باب تذكيرهم بدور العلم وأهمية تعليم الشباب وتحسين ثقافتهم.
واحرصي على الدعاء له بالهداية، فقلوب العباد بين أصابع الرحمن، وما كان عسيرًا على الناس يكون يسيرًا بتوفيق الله.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)