بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ كريمة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -أيتها الفاضلة- في الموقع، ونشكر لكِ هذا الحرص على الخير، والحرص على استقرار الأسرة، ونسأل الله أن يهدي هذا الزوج وأمه لأحسن الأخلاق والأعمال، فإنه لا يهدي لأحسنها إلَّا هو.
عندما يكون الأذى من أطراف خارجية؛ فإننا نطالب بمزيدٍ من الصبر؛ لأن الدنيا لا تستمر، وفي الدنيا الناس يجتمعون ثم يتفرقون، وكون هذا الزوج لا يعمل ولا يترككِ تعملين؛ كل ذلك من السلبيات التي صبرتِ عليها، وأعتقد أن الدواعي التي جعلتكِ تصبرين مستمرة، وتحاولين دائمًا تفادي الدخول معه في مشاكل أو صدامات.
حاولي أن تصدقي محاولة التحسُّن، فالذي حصل منه لما رأى إصراركِ على الانفصال من تحسُّن، وما أشرتِ إليه إلى أنه متأرجح يتحسن ثم يعود، إلى غير ذلك من التصرفات المتقلبة، كل هذا قد يبدو عندكِ مظهر إزعاج، لكنه يعطينا مؤشرات أن هناك أشياء يمكن أن تؤثر عليه.
وإذا كنتِ قد صبرتِ هذه المدة، فأرجو ألَّا تستعجلي في طلب الانفصال، وإن كان الشرع لا يمنع، فهذا خيار بالنسبة لكِ، ولكن لا بد أن تنظري في المستقبل؛ مستقبل الأبناء، ماذا يحدث بعد ذلك؟ ما هي الفرص المتاحة أمامكِ؟ إذا كان مقصراً في حق أبنائه، فمثل هذا النوع قد يؤذي أبناءه وبناته أذىً أكثر بعد الطلاق.
الطلاق أحيانًا قد لا يكون هو الحل، بل قد يكون بداية المشكلات الفعلية الأليمة، خاصةً على هذا النمط الذي يتحرك بالعناد، ويستمع لكلام غيره، فالقرار الصحيح يحتاج إلى دراسة متأنية، والطلاق لا يفرح سوى عدونا الشيطان، وإذا كانت الحياة متوفرة بطريقة صحيحة، ولو عن طريق والدته، أو عن طريق مساعدة أهلكِ، فأرجو أن تُكملي مشوار الصبر، مع الاجتهاد في تحسين الظروف، مع إدخال الأهل والمؤثِّرين، حتى يقنعوه بأهمية أن تعملي.
واعتراضه على العمل ما سببه؟ هل لأنه يشعر أنه مقصر؟ هل لأنه لا يرضى أن تذهبي لعملٍ معين؟ نحن نحتاج إلى أن نعرف أسباب هذا العناد، فمن الغرابة ألَّا ينفق، ويمنعكِ أيضًا من أن تعملي لتنفقي على أسرتكِ.
حاولي دائمًا تفادي الخصام في وجود الأطفال، إذا كان هو لا يحسن التصرف، واجتهدي أيضًا في حسن التعامل مع والدته، لأنها كبيرة في السن، وبالصبر عليها ستنالين أرفع المنازل، وتقصيرها ستحاسب عليه، حتى مجرد الغيبة والأذية لكِ، هي عبارة عن حسنات تأتيكِ منهم، أرجو أن تنظري لهذا من معيار شرعي.
الصبر نصف الإيمان، والله وعد الصابرين بأجر مفتوح عنده سبحانه وتعالى، وأعتقد أنكِ تستطيعين أن تحسِّني الوضع بأن تتفادي الاحتكاك مع والدته، تتفادي مناقشته أمام الأبناء، تقومي بما عليكِ، ويكون عندكِ نوع من المرونة، مثلاً: إذا كان الطعام الذي طلبته الأم التي لا تأكل عندك، فما المانع أن تقولي: "خيرًا إن شاء الله"، وتحاولي أن تلبي هذا الطلب، أو تحاولي أن تعتذري اعتذارًا لطيفًا، فلا يحملكِ سوء المعاملة على العناد؛ لأن هذه عبارة عن أنبوبة اختبار، يريدون أن يفتعلوا بها مشكلات، وإذا كان الطعام المطلوب لا يحبه الأبناء فقولي: "حاضر، لكن أبناءنا يفضلون كذا، أو لأجل كذا"، الاعتذار اللطيف له أثر كبير، والاستجابة أحيانًا لأمه قد يكون فيه كف للأذى، الإنسان مطالب أن يسد أبواب الشر التي يأتيه منها الشر.
أيضًا كنا نريد أن نعرف رأي الأسرة، رأي أهلكِ في الاستمرار والاستقرار، والفرص المتاحة أمامكِ، هذه قضية لا بد أن ننظر إليها من كافة أبعادها، فحبذا لو تواصلتِ مرة ثانية ووضعتِ الخيارات البديلة، ردة الفعل المتوقعة، مستقبل الأبناء بعد خروجهم، أعمار الأبناء أيضًا، رأي الأبناء إذا كانوا كبارًا في هذا الذي يحدث، هذه أمور تهمنا، حتى يكون القرار قد نظرنا إليه من كافة الأبعاد.
وأيضًا علينا أن نُدرك عندما يكون هناك أطفال أنهم شركاء، وأنهم قد يكونون ضحية للفراق، خاصة عندما يكون هناك نوع من العناد والتجاذب والمحاكم والإشكالات، ومسألة الحضانة التي قد تكون سببًا للأذية، هذه كلها ينبغي أن نفكر فيها.
القرار الصحيح دائمًا هو القرار الذي يقوم بعد دراسة واسعة، بعد استخارة، وبعد استشارة لمحارمكِ لمن حولكِ، بعد نظر في مآلات الأمور، توقعات ردة الفعل، الفرص المتاحة أمامكِ لتستأنفي حياتكِ من جديد، حياة مستقرة بعيدة عن الأذى، كل هذا مما ينبغي أن ننظر فيه.
وكونه عاد إلى الصواب أو إلى بعض التحسُّن لما شعر أنكِ جادة، دليل على أنه يعرف قيمتكِ، وأنه لا يريد أن يُفرِّط فيكِ، مهما كانت دوافعه وأسبابه، فهذا يعطي مؤشرًا بأننا نملك أدوات ضغط، قد تكون سببًا في تحسين المعاملة.
نحزن لِمَا يحصل منه، وأنتِ في مقام بناتنا، وقطعًا ما تواجهينه ليس سهلاً، ولكننا أيضاً فخورون بهذا الصبر وبهذا الاجتهاد، ونتمنى ألَّا يُختم هذا المشروع الأسري إلَّا على خير وبخير، وفق خطوات مدروسة.
نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)