بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.
ما طرحتَه -أخي الكريم- يمثل جانبًا كبيرًا ومهمًا في الآداب والتشريعات في الإسلام، الذي يوازن بين حقوق الأقارب، وصلة الأرحام، وبين حرمة البيوت، وخصوصية السكن، ويمكن أن نوضح لك هذه الجوانب، ونجيب على تساؤلاتك في النقاط التالية:
أولاً: حرمة البيوت، ومشروعية الاستئذان:
لقد جعل الله البيوت سكنًا وسترًا، ولم يبح لأحد دخولها إلا بإذن أهلها، وهذا الإذن حق خالص لصاحب البيت القائم عليه كالزوج، ولا يسقط هذا الحق لقرابة أو صداقة، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، وكلمة تستأنسوا في الآية تعني الاستئذان الذي يصحبه طمأنينة من صاحب البيت، فيأنس لمن يزوره، فإذا لم يأنس صاحب البيت بهذه الزيارة -إما لوقت غير مناسب، أو انشغال، أو لمرض، أو لمخاوف ونحوه- فمن حقه الاعتذار، ولا ينبغي للزائر أن يجادل، أو يُشاحن، أو يلحّ في طلب الزيارة لقوله تعالى: (وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ).
ثانيًا: حق الزوج في طلب الاستئذان:
أخي العزيز: الشرع أعطاك الحق الكامل في تقرير من يدخل بيتك، وفي أي وقت؛ لذلك فالزيارة المفاجئة دون موعد، تخالف هدي الإسلام الذي أمر بالاستئذان ثلاثًا، فإن لم يؤذن للطارق فليرجع، لما في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع).
ثالثًا: حكم زيارة الأقارب المحارم وغير المحارم:
أخي الكريم: هناك خلط اجتماعي شائع بين العادات والشرع؛ حيث يظن البعض أن وجود القرابة تبيح التبسط في الدخول والخروج، بينما الشرع شدد في ذلك؛ لحماية العرض والخصوصية، وكذلك لإغلاق منافذ الشيطان، وتزيينه للفواحش والمنكرات التي تفسد العلاقات، وتدمر البيوت؛ فقد جاء في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إياكم والدخول على النساء)، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ -والحمو هو قريب الزوج، أو الزوجة كابن العم، وابن الخال- فقال -صلى الله عليه وسلم-: (الحمو الموت)، ومعنى الحديث أن خطر هؤلاء الأقارب أعظم من الأجانب تمامًا؛ لأنهم يكثرون الدخول بحكم القرابة، فيقع التبسط منهم، وربما الخلوة، أو الفتنة، وهم لا يشعرون، فكان التشبيه بالموت للتحذير الشديد.
أخي الكريم: نعم وجود الأم، أو خالة الزوجة، أو عمتها قد يمنع الخلوة المحرمة شرعًا، لكنه لا يسقط حق صاحب البيت في الاستئذان، ولا يسقط حقه في أن يرفض دخول رجال أجانب لبيته في غيابه، كذلك من المهم أن تعلم أن للزوج حق منع أي شخص، بمن فيهم حتى محارم الزوجة: كالإخوة، والأعمام، والأخوال... إلخ، من دخول بيته إلا بإذنه، وذلك لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه) ومع ذلك، يفصل بعض الفقهاء في شأن الوالدين؛ حيث لا يجوز منعهما إلا إذا خُشي منهما إفساد الزوجة، أو ارتكاب ما لا يجوز شرعًا؛ وذلك لأن المنزل ملك الزوج، وهو القائم عليه وعلى من فيه.
رابعًا: حق الزوج في وضع قواعد البيت، وطاعة الزوجة له:
فالزوج هو رب المنزل، والمسؤول عن رعايته أمام الله، ومن حقه شرعًا تنظيم الدخول والخروج، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيتهم)، ومن تمام الرعاية حماية خصوصية البيت، ومنع ما يراه الزوج غير مناسب.
كذلك يحق للزوج شرعًا أن يمنع زوجته من إدخال من لا يرغب في بيته أو يكره، حتى لو كانوا من أقاربها، ويجب عليها طاعته في ذلك، ما لم يكن في الأمر قطع رحم واصل كالوالدين -دون سبب مقبول شرعًا-.
أيضًا: تنظيم الزيارة بوجود الزوج، أو بإذن مسبق ليس قطعًا للرحم؛ بل هو تنظيم لصلة الرحم لهؤلاء الأقارب، كأولاد العم والخالة، أما الدخول في غيابك، وبشكل مفاجئ، فهو اعتداء على حقك، لا علاقة له بصلة الرحم، ولك الحق بتنظيمه، أو منعه إذا رأيت في ذلك مصلحة راجحة.
خامسًا: الرد على شبهة التعقيد والتشدد:
أخي الفاضل: ما تريد فعله هو من المروءة قبل أن يكون حكمًا شرعيًا؛ فالمؤمن غيور على بيته، والغيرة صفة مدحها الإسلام، والخصوصية حق لضمان الستر، والحشمة، والحياء، ومن يجعلها تشددًا فهو مفتون بثقافة الغرب الذي نزعت منه الغيرة، وانتشرت بينهم الفواحش، لذلك طلبك أن تكون موجودًا لاستقبال الرجال هو أدب رفيع؛ لأن الرجل هو الذي يستضيف الرجال، والزوجة لا ينبغي لها أن تنشغل باستقبال رجال أجانب عنها في غياب زوجها.
كذلك من حقك أن تكون في بيتك متخففًا من ثيابك، أو نائمًا، أو في لحظة خاصة مع زوجتك، أو في عبادة مع ربك، وكذلك زوجتك، وهذا لا يتحقق مع الزيارات المفاجئة، وقد أنزل الله تعالى آيات تضبط ذلك مع الأبناء والخدم الذين يعيشون معنا في بيوتنا، فكيف بمن دونهم؟ يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ...) الآية، وكل ذلك حفظًا للعورات، وصيانة للقلوب من الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
أخي الكريم: حتى تصل إلى ما تريد، لا بد من توعية وتوجيه يرافقه اللين والنصح؛ حتى لا يتحول الأمر إلى صدام، أو مشاكل أسرية، أو تخوين، ونحوه، وفي سبيل ذلك نوصيك بشرح كل هذا لزوجتك، وأن هذا الموقف نابع من حرصك عليها، وعلى حرمة البيت، وليس من سوء ظن بالأقارب، واجعلها هي من تعتذر لهم بلطف، ثم ننصحك بالتدرج في الإبلاغ والرفق؛ حتى لا تجعل أسلوبك في بيان هذا يفسد العلاقات، أو يوغر الصدور، أو يتسبب في قطيعة الرحم، ولكن باللطف واللين تحقق ما تريد، وتحفظ المودة بينك وبين قرابتك.
وفقك الله ويسر أمرك.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)