الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فبداية ننبه على أن أمر التركات وسائر الحقوق المشتركة، هي أمور خطيرة وشائكة للغاية، فلا بد من رفعها للمحاكم الشرعية، أو ما ينوب منابها، للنظر والتحقيق والتدقيق والبحث في الأمور الخفية العالقة بالقضية، وإيصال الحقوق لذويها، ولا يمكن الاكتفاء في مثل هذه الأمور بمجرد فتوى أعدها صاحبها طبقاً لسؤال ورد عليه، خاصة إذا كانت متشابكة ومتطاولة الزمان ومتعددة الأطراف، وذات أبعاد لا يمكن أن يحاط بها عن طريق سؤال مكتوب، ولذا فإننا سنكتفي ببيان أصول الموضوع تقريبا للفهم، فنقول:
إن كان السائل يعني بالقسمة التي قسمها والده في حياته، أن مُلْك الأشياء المقسومة قد انتقل بالفعل إلى الأبناء وحازوه وتصرفوا فيه تصرف الملاك، ولم يعد لأبيهم وهو لم يزل حيا حق التصرف في هذه الأشياء فهذه هبة وليست ميراثا، لأن من شروط الإرث المتفق عليها: موت المورث وتحقق حياة الوارث بعده، وهذا لم يحصل، وقد سبق لنا التنبيه على ذلك في الفتوى رقم: 52050.
وإذا تقرر ذلك، فهذا التوزيع إن كان سبيله سبيل الهبات، فلا بأس به بأربعة شروط، سبق ذكرها في الفتوى رقم: 43819، ومنها العدل وعدم تفضيل بعض الأبناء على بعض إلا لمسوغ شرعي، فإن حصل هذا التفضيل دون مسوغ فالهبة باطلة وترد إلى التركة بعد ممات الواهب، كما فصلناه في الفتوى رقم: 107734.
وعلى ذلك، فيرد الأخوة ما فضلوا ويقتسموه مع الورثة الآخرين قسمة الميراث الشرعي، وأما إذا كانت هذه القسمة لا على سبيل الهبة، وإنما على سبيل التركة بمعنى أن الوالد كان لا يزال محتفظا بملكية أمواله في حياته، وإنما مكن أولاده من الانتفاع بها دون تملُّك فإنها بذلك تكون قسمة باطلة، والمال بعد موت الوالد يجب إعادة تقسيمه على حسب الأحكام المعروفة في الميراث الشرعي، فيكون للذكر مثل حظ الأنثيين، كما سبق التنبيه عليه في الفتوى رقم: 24508.
إلا إن رضيت البنات بتك القسمة، أو رضين بأخذ تعويض من الباذل من إخوانهن، وإنما قلنا كذلك، لأن حقهن في عين هذه الأرض الموروثة، فإذا قال بعض إخوانهن لا تنقض القسمة وإنما نقضي من أموالنا لا يتلفت إلى قولهم إلا برضى الأخوات، لأنهم بذلك قصدوا شراء نصيبهن من الأرض فلا يصح إلا برضاهن.
وأما ما تمت زراعته من الأرض وما تم بناؤه عليها فهذا كان بإذن الوالد في حياته، فله حكم العارية، فيكون قيمة هذه المزروعات، وقيمة الأبنية دون الأرض التي بنيت عليها من حق من زرعها، أو بناها دون إخوته ولمن وقعت هذه الأرض في نصيبه أن يأخذها بما عليها، ولكن يدفع للزارع، أو للباني كلفة زرعه، أو بنائه، وتقدر قيمته قائما لا منقوضا، كما سبق تفصيله في الفتوى رقم: 132222، وما أحيل عليه فيها.
وأما عن طريقة قسمة هذه الأراضي بين الورثة في حال توافق الجميع، ففيها إحدى ثلاث طرق، وهي: قسمة المهايأة، وقسمة المراضاة، وقسمة القرعة، كما أن لهم أن يبيعوها ويوزعوا قيمتها على الورثة بحسب الأنصبة الشرعية، وراجع تفصيل ذلك في الفتويين رقم: 66593 119770.
وأما إبراء ذمة والدكم: فإن الذي يسعكم فعله أن تعيدوا القسمة على حسب الأنصبة الشرعية، وأن تكثروا من الاستغفار له والترحم عليه وأن تتصدقوا عنه بما تيسر لكم، ونسأل الله تعالى أن يغفر له ويرحمه رحمة واسعة.
ثم ننصحكم جميعا أن تسرعوا ببذل الحقوق إلى ذويها وأن تتعافوا وتتسامحوا في ما بينكم، ورحم الله من قام فيكم بإصلاح ذات البين ووصل الرحم بينكم.
والله أعلم.