الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فتوزيع التركة ومعرفة نصيب كل وارث كان ينبغي أن يتم مباشرة بعد استكمال الإجراءات المطلوبة للقسمة من حصر الورثة والممتلكات وتنفيذ الوصايا النافذة شرعا. وما كان ينبغي تأخيره، فإذا أخِر القسم وترتب على ذلك مردود مادي من إيجار أو غيره، فإنه يوزع على جميع الورثة كلُ حسب نصيبه المقدر له في كتاب الله تعالى. ووجود القاصرين في الورثة لا يمنع تقسيم التركة، بل تقسم التركة، ويتولى التصرف في أموال القصَّر وصي أبيهم، فإن لم يكن أبوهم قد أوصى لأحد فوصيهم جدهم، فإن لم يكن لهم جد فالقضاء الشرعي. والأم ليس لها ولاية على أموال أطفالها القصر إلا إذا كانت وصية عليهم من أبيهم أو القاضي الشرعي، والوصي يلزمه التصرف في أموالهم بالأصلح لهم ولا يسعه التنازل عن شيء من مالهم أو هبته أو التصدق به ونحو ذلك من التبرعات. والابن البالغ لا وصية لأحد على ماله إن كان رشيدا، وقد سبق لنا تفصيل هذه المسائل في الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 97117، 104948، 133279، 6960.
وإذا تقرر هذا، فجميع الورثة لهم حق في إيجار هذه العمارة بشققها الأربع، وهذا الحق يكون بقدر نصيب كل منهم من أصل التركة. وحق الأيتام لا يسقط بحال، لا بالتقادم ولا بغيره، وأما حق البالغين الرشداء فهو يسقط بتنازلهم طوعا.
والذي يظهر من السؤال أن أحدا لم يتنازل عن حقه، وإن كان تأخر في طلبه، وعلى ذلك فعليكم أن تحسبوا قيمة إجارة كل شقة من هذه العمارة عن السنين الماضية بقيمة مثلها، ويكون لكل وراث من هذه القيمة بقدر نصيبه من التركة، ثم تحصل مقاصَّة بين ما لكل وارث من هذه القيمة وبين ما عليه منها، ويكون حق الأم وهؤلاء الصغار هو الفرق بين ما لهم وما عليهم.
وأما ما أنفقه السائل في بناء الدور الثالث فهو لم ينفقه -كما ظهر لنا من السؤال- إلا بعلم أمه وإخوته وإذنهم، وبنية الرجوع عليهم به ليكون وفاء ما عليه من حق لهم. فهو مستحق لهذه النفقة عليهم، وتدخل في المقاصة التي سبقت الإشارة إليها.
ثم ننبه على أن أمر التركات وسائر الحقوق المشتركة أمر شائك، ولا يصح الاكتفاء في مثل هذه الأمور بمجرد فتوى أعدها صاحبها طبقاً لسؤال ورد عليه، بل لا بد من رفعه للمحاكم الشرعية، للنظر والتحقيق والتدقيق والبحث في الأمور الخفية لإيصال الحقوق لذويها.
والله أعلم.