عنوان الفتوى: الانتخابات .. مشاركة أم مقاطعة

2012-02-05 00:00:00
شيخنا العزيز معك شاب مصري يعيش في الغربة، أعتذر عن الإسهاب إلا أنه وضع محير أحتاج لرأي الدين فيه ورأي رجل حكيم حيث أود سؤالكم بشأن الانتخابات والمرحلة التي تمر بها البلاد، فوجهة نظري الشخصية أن الأمة لم تنحدر وتذل إلا بعد التخلي عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لذا قررت مناصرة فكرة تطبيق شرع الله ومساندة من يطالب به غير مبال بسلبياته التي يروجها الإعلام الليبرالي واليساري من منطلق أن الكمال لله وحده وكل البشر بهم عيوب وإن ظللت أتشكك فيمن يطبق الشريعة فلو نزل ملائكة من السماء سأتشكك فيهم وذلك بشروط طالما أن من أسانده حسبته على خير ولم أر منه شيئا سيئا من خلال معاملتي الشخصية معه أو من قراءتي للتاريخ عنه، حيث إنني وضعت معايير متمثله في أن من سينوب عني في أي انتخابات يجب أن يملك العلم والخبرة والحكمة وقبل كل ذلك يخشى الله وبناء عليه، قد التبست علي أمور كثيرة منها حيرتني أولها رأي الدين في الديمقراطية فقد بدأت أسمع أن آراء تقول إنها حرام والبعض يقول إنها حلال، بالإضافة لرؤية بعض التيارات الإسلامية التي كانت محجمة عن السياسة سابقا مقبلة عليها بداعي تطبيق شرع الله في المرحلة الحالية وإصلاح ما أفسدته الأنظمة السابقة معتذرين عما سبق منهم ومعللين إحجامهم ذلك بسوء المناخ العام، علما بأن منهم قيادات يقال إنها في السابق لها كتابات تحرم هذا الأمر ولا تقبله شكلا وموضوعا ذلك نقلا عن أحد الأصدقاء حيث إنني لم أطلع على هذه الكتابات ولم أقرأ منها شيئا، بالإضافة لذلك، يوجد فصيل آخر كان يمارس العمل الدعوي والسياسي في وقت واحد منذ زمن طويل، وهو عليه أيضا مؤخذات لكن يحسب لهم خلال فترات الطغيان والجبروت أنهم كانوا صامدين على الاعتقال والتعذيب والتعسف ضدهم فهم كانوا الجهة الوحيدة المعارضة للظلم والفساد بالإضافة أنهم كانوا يساعدون ويكفلون آخرين ليسوا منتمين لهم بناء على تكافل المسلم مع أخيه المسلم، وبغض النظر عن انتمائه أو حتى طلب دعم سياسي أو مادي وذلك حدث معي ومع بعض من أعرفهم إلا أن أحد الأصدقاء من محافظة أخرى قال إنهم يعطون الهبات والأطعمة للفقراء عليها شعار الإسلام هو الحل كدعاية ولم يقل إنها لتوصيل فكرة توصيل معلومة للمسلم المحتاج إن الإسلام هو الحل لمشاكل أي إنسان وأضاف إنهم وقت الانتخابات يطلبون منهم انتخاب مرشيحهم إلا أنني لا أثق في كلامه، وحتى إن كان ذلك الكلام صحيحا، فحسب اعتقادي لعلها شذوذ عن القاعدة وليست الأساس فكما أشرت سابقا أنه لا أحد طلب مني شيئا سواء كان سياسيا أو ماديا أو حتى أدبيا، وحسب اعتقادي الشخصي أيضا، أحسب الفصيلين على خير فالكمال لله وحدة وليس هناك بشر منزه عن الخطأ إلا أن ذلك الصديق خوفني من أن الفصيلين لهما اتجاهان مختلفان من حيث وجهات النظر الدينية وإن تم تطبيق التشريع فإن الاثنين سيختلفان على كيفية التطبيق وأي وجهة نظر تطبق، فما الرأي فيما سبق؟ وهل الديمقراطية حرام فعلا؟ وما وجه الحرام والحلال فيها وأيهما الأصح؟ وهل يختلف الحرام والحلال حسب طبيعة المكان والزمان وطبيعة البلاد؟ وهل يجب التشكك فيمن يطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية؟ أم احتسابه على خير وعدم الالتفات لتلك الوساوس؟ وهل فعلا تطبيق الشريعة لها وجهات نظر قد تؤدي إلى التناحر والشقاق بين الإسلاميين أنفسهم؟ أم إن الشريعة منهل واحد والاختلاف فيه سبب للرحمة ولن تحدث خلافات طالما توحدت الرؤية في تطبيق شرع الله، كما كان يتعامل الإمام الشافعي مع الإمام بن حنبل بقولتهما الشهيرة: أنت أعلم مني بنص الحديث ـ ورد الآخر: أنت أعلم مني بتأويله ـ فما رأي الدين؟ وما هي رؤيتكم؟ وهل الإحجام عن العملية السياسة واجب الآن درءا للشبهات وانتظارا لاعتدال الحال؟ أم التدخل والمساهمة ومنع وصول من يقول: الدين للمسجد والسياسة لها شرع آخر ـ فهؤلاء إن ترك لهم المجال ستتحول بلاد الإسلام إلى أسوأ من بلاد الغرب في فسادها وانحلالها الإداري والاخلاقي، أرجو الإفادة وجزاكم الله خيرا.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فأما بالنسبة للديمقراطية وحقيقتها وموقف الإسلام منها والفرق بينها وبين الشورى فقد سبق بيانه بالفتوى رقم: 10238.

وهذا لا يعني أن يقف المسلم منها موقف المتفرج إذا فرضت عليه، بل تجوز المشاركة فيها، وقد تتعين المشاركة عملا بقاعدة أخف الضررين وإعمالا لمقاصد الشرع في مزاحمة الباطل والتخفيف من آثاره، وراجع في حكم المشاركة في الانتخابات الفتاوى التالية أرقامها: 5141، 24252، 18315.

 ومقاطعة الانتخابات وعدم دعم الأصلح قد يكون في مصلحة أعداء الإسلام والعاملين على نشر الفساد، فينبغي للمسلم المشاركة فيها، بل قد تتعين مشاركته واختيار الأصلح، ولا ينبغي أن يكون ما قد يحصل من خلاف بين بعض الإسلاميين في بعض المسائل التي قد يكون للاجتهاد فيها مجال سببا للمقاطعة بالكلية، فإنهم متفقون جميعا على أن الأصل الإسلام وأنه يجب أن يسود الحق ويضمحل الباطل، وكون الإسلام هو الحل فحق، ورفع هذا الشعار ليس بعيب حتى يطعن فيمن رفعه، ولا عبرة بقانون لا يعترف بأن الإسلام هو الحل، قال تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ {المائدة:50}.

ومن يعمل من أجل أن يسود الإسلام في حياة المسلمين فالواجب تأييده ونصرته على مراده لا التشكيك في أمره ونواياه، وأما الزمان والمكان والأحوال وتأثيرها على الأحكام فصحيح، ولكن هذا له ضوابطه، كما هو مبين بالفتوى رقم: 130967

والله أعلم.

(المصدر: الشبكة الإسلامية)
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت