الحمد لله
أولا :
أجمع علماء المسلمين على أن الإيمان قول وعمل ، وأنه لا يصح الإيمان إلا بهما
مجتمعين ، فالإيمان قول باللسان ، واعتقاد بالقلب ، وعمل بالجوارح ، يزيد بالطاعة ،
وينقص بالمعصية .
انظر أجوبة الأسئلة أرقام : (59911) ، (119068)
، (131415) .
ثانيا :
عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: ( لَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ
مِنْ إِيمَانٍ ) .
رواه الإمام أحمد (3947) ، والترمذي (1999) وصححه ، وصححه الألباني في " صحيح
الترمذي " .
والمقصود أنه لا يدخلها دخول الكافرين ، فلا يخلد في النار وإن دخلها بمعصيته
وذنوبه .
راجع إجابة السؤال رقم : (170526) .
وفي حديث الشفاعة عند مسلم (193) : ( ... فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ
رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ،
فَأَقُولُ : أُمَّتِي أُمَّتِي ، فَيُقَالُ لِي : انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي
قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا ،
فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَى رَبِّي فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ
الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا ، فَيُقَالُ لِي : يَا مُحَمَّدُ،
ارْفَعْ رَأْسَكَ ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ،
فَأَقُولُ: يَا رَبِّ ، أُمَّتِي أُمَّتِي ، فَيُقَالُ لِي: انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ
فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ
إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ ) .
وحاصل ذلك : أن الله تعالى
يتفضل على عصاة الموحدين ، فيخرج من النار كل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ،
ثم يدخلهم الجنة برحمته ، فلا يخلد في النار وتحرم عليه الجنة إلا الكافر المحض ،
الذي ليس في قلبه مثقال ذرة من إيمان ولا أدنى من ذلك .
وروى البخاري (4203) ، ومسلم (111) عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لاَ
يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ ) .
ثالثا :
تقدم في إجابة السؤال رقم : (145252) أن
من ترك الصلاة بالكلية فقد حبط عمله.
فحيث ثبت بالنصوص الشرعية أن الجنة لا يدخلها إلا مؤمن ، وأن الإيمان قول وعمل ، لا
ينعقد إلا بهما ، وأن من ترك الصلاة بالكلية حبط عمله ، فتحصل من مجموع ذلك : أن من
ترك الصلاة بالكلية ، فليس معه من الإيمان الصحيح ، ما يعصمه من الدخول في النار ،
على ما ورد في الحديث المذكور .
وقد روى الطبراني في "المعجم الكبير" (8941) بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود رضي
الله عنه قال : " من لم يصلّ فلا دين له " .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
" كلَّ إنسان عاقل في قلبه أدنى مثقال ذَرَّة من إيمان ، لا يمكن أن يُدَاوِمَ على
ترك الصَّلاة، وهو يعلَم عِظَمَ شأنها، وأنَّها فُرضت في أعلى مكان وصل إليه البشر،
فكيف يشهد أنْ لا إله إلا الله ، ويُحافظ على ترك الصَّلاة ؟ إنَّ شهادةً كهذه
تستلزم أن يعبده في أعظم العبادات ، فلا بُدَّ من تصديق القول بالفعل ، فلا يمكن
للإنسان أن يَدَّعي شيئاً وهو لا يفعله ، بل هو كاذب عندنا ، ولماذا نكفِّره ، في
النّصوص التي جاءت بتكفيره ، مع أنه يقول: لا إله إلا الله ؛ ولا نكفره بترك
الصَّلاة ، مع أنَّ النصوصَ صريحةٌ في كفره ؟ ما هذا إلا تناقض.
وقوله صلّى الله عليه وسلّم في حديث معاذ: ( ما من أحدٍ يشهد أنْ لا إله إلا الله؛
وأنَّ محمداً رسول الله ـ صِدْقاً من قلبه ـ إلا حَرَّمه الله على النَّار) ، متفق
عليه ، وقوله صلّى الله عليه وسلّم في حديث عِتْبَان بن مالك: ( فإن الله حَرَّم
على النَّار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وَجْهَ الله) ، متفق عليه .
فتقييدُ الإتيان بالشهادتين : بإخلاص القصد ، وصدق القلب ، يمنعه من ترك الصَّلاة ؛
إذ ما من شخص يصدق في ذلك ويُخْلص ، إلا حمله صدقه وإخلاصه على فعل الصَّلاة ولا
بُدّ ، فإن الصَّلاة عَمُود الإسلام ، وهي الصِّلة بين العبد وربِّه ، فإذا كان
صادقاً في ابتغاء وجه الله ، فلا بُدَّ أن يفعل ما يوصله إلى ذلك ، ويتجنَّبَ ما
يحول بينه وبينه .
وكذلك من شهد أنْ لا إله إلا الله ؛ وأنَّ محمداً رسول الله صِدْقاً من قلبه ؛ فلا
بُدَّ أن يحمله ذلك الصِّدق على أداء الصَّلاة مخلصاً بها لله تعالى متَّبعاً فيها
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ لأن ذلك من مستلزمات تلك الشَّهادة الصَّادقة " .
انتهى بتصرف واختصار من " الشرح الممتع" (2/ 31-36) .
وسئل الشيخ ابن جبرين رحمه
الله :
ما هو رد العلماء الذين يرون تكفير تارك الصلاة تهاوناً على أحاديث الشفاعة ، وحديث
صاحب البطاقة ، وأنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان ؟
فأجاب :
" معلوم في أحاديث الشفاعة أنه لا يشفع إلا في أهل التوحي د، أهل (لا إله إلا الله)
وأنهم يعرفونهم بأثر السجود ، وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود ،
وهذا دليل على أنهم يصلون ، فدل على أن من لا يصلي لا يُعرف ؛ فلا تناله شفاعتهم .
وكذلك حديث البطاقة ؛ معلوم أن هذه البطاقة التي فيها الشهادتان حصلت من مؤمن موقن
مصدق بها تصديقاً يقينياً، وهذا التصديق لا شك أنه يحمله على العمل بحقها، لقوله في
الحديث: ( إلا بحقها ) ؛ فيكون بذلك من أهل ( لا إله إلا الله ) ، ومن العاملين
بها، ومن العمل بها أداء الصلاة " انتهى من " شرح أخصر المختصرات " (64/ 39) بترقيم
الشاملة .
بل فوق ذلك : نعلم يقينا أن
أقواما من هذه الأمة ، من الموحدين ، ومن المصلين أيضا ، سيدخلون النار بجرائم
ارتكبوها ، ثم يتفضل عليهم أرحم الراحمين ، فيخرجهم من النار ، ويدخلهم الجنة ،
ولهذا تعرفهم الملائكة في النار ، بعدما احترقوا فيها من طول لبثهم ، وامتحشوا ؛
تعرفهم : بآثار السجود ، وتأكل النار من ابن آدم كل شيء ، إلا آثار السجود .
فكيف يكون حال من لم يصل قط ، بغض النظر عن كفره ، أو عدم كفره ؛ ومعلوم أن الصلاة
هي أعظم مباني الإسلام ، وأعظم ما يتقرب به العبد إلى ربه ، بعد الشهادتين ، وأن
تركها أعظم جرما وإثما ، من كل ذنب يمكن أن يأتي به عصاة الموحدين !!
والله أعلم .