الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالحديث المذكور رواه أحمد، وابن حبان، والدارمي في سننه، وصححه الألباني، وحسنه الأرناؤوط في صحيح ابن حبان وضعفه حسين سليم أسد في تحقيقه سنن الدارمي، وأما عن المجاهدين المذكورين فيه: فكلاهما قام في قلبه من الإيمان ما دفعه إلى بذل ماله، ونفسه، فلم يُبق شيئاً، وهذه منزلة عظيمة، ففي البخاري عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما العمل في أيام أفضل منها في هذه؟ قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء.
وأما الفرق بين الأول، والثاني: فالثاني مع بذله المال، والنفس، لكن خرج للجهاد مع خطايا لم يتب منها، كما في رواية ابن حبان: ورجل مؤمن قرف على نفسه من الذنوب والخطايا.
قال ابن الأثير في النهاية: قَرَف الذنْبَ واقْتَرفَه إِذَا عَمِله، ولم يُذكر ذلك في الأول، فدل على عدم إصراره على شيء من الكبائر، وقد يكون فعل شيئاً ثم تاب، إذ التائب من الذنب كمن لا ذنب له. كما بينا في الفتوى رقم: 231517.
وخيار الصحابة كانوا كفاراً قبل إسلامهم، ولكن لما أسلموا جبّ الإسلام ما قبله، وكذا التوبة تجُب ما قبلها، فيمكن للإنسان أن يكون من الأولين إذا تاب من ذنوبه التي ارتكبها توبة نصوحاً، والظاهر أن المذكورات كبائر مع الصغائر، لأنها مع كونها لا يسلم منها أحد، إلا أنها تقع مكفرة باجتناب الكبائر، قال تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ {النساء:31}.
وروى مسلم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر.
قال ابن رجب في شرح حديث لبيك اللهم لبيك: والذنب والخطيئة مَعْنَاهُمَا مُتَقَارب أَو مُتحد، وَقد يُرَاد بِأَحَدِهِمَا الصَّغَائِر وبالآخر الْكَبَائِر.
وقال ابن حجر في الفتح: في الكلام على الحدود هل هي كفارة أم لا: ومعلوم أن ما يترتب عليه الحد كبيرة، كالسرقة والزنا... فَإِنَّ الْمَقْتُولَ ظُلْمًا تُكَفَّرُ عَنْهُ ذُنُوبُهُ بِالْقَتْلِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ الَّذِي صَحَّحَهُ بن حِبَّانَ وَغَيْرُهُ: إِنَّ السَّيْفَ مَحَّاءٌ لِلْخَطَايَا ـ وَعَنِ ابن مَسْعُودٍ قَالَ: إِذَا جَاءَ الْقَتْلُ مَحَا كُلَّ شَيْءٍ ـ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَلَهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ نَحْوُهُ، وَلِلْبَزَّارِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: لَا يَمُرُّ الْقَتْلُ بِذَنْبٍ إِلَّا مَحَاهُ ـ فَلَوْلَا الْقَتْلُ مَا كُفِّرَتْ ذُنُوبُهُ، وَأَيُّ حَقٍّ يَصِلُ إِلَيْهِ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا؟.
وقال الملا علي القاري في المرقاة: مَحَتْ ذُنُوبَهُ وَخَطَايَاهُ، إِنَّ السَّيْفَ مَحَّاءٌ ـ أَيْ: كَثِيرُ الْمَحْوِ لِلْخَطَايَا: أَيِ: الصَّغَائِرِ، وَأَمَّا الْكَبَائِرُ: فَتَحْتَ الْمَشِيئَةِ، لَكِنْ وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُكَفِّرُ كُلَّ خَطِيئَةٍ إِلَّا الدَّيْنَ.
وقد شرح الملا علي القاري الحديث في مرقاة المفاتيح برقم: 3859، وبين ابن قتيبة بعض معانيه في غريب الحديث: 1ـ 413ـ فراجعه.
والله أعلم.