الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فنشير هنا مما سأل عنه السائل إلى مسألتين:
الأولى: أن من أخلص نيته لله تعالى في الجهاد، فإنه وإن كان موفور الأجر مع ما يحصل له من الغنيمة، إلا أن هذا الأجر يكون أتم وأعظم في حال عدم حصول غنيمة، ويدل على ذلك: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم. رواه مسلم. قال النووي: وأما معنى الحديث: فالصواب الذي لا يجوز غيره: أن الغزاة إذا سلموا أو غنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم، أو سلم ولم يغنم، وأن الغنيمة هي في مقابلة جزء من أجر غزوهم، فإذا حصلت لهم فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المترتب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة كقوله: "منا من مات ولم يأكل من أجره شيئا، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها" أي: يجتنيها. فهذا الذي ذكرنا هو الصواب، وهو ظاهر الحديث، ولم يأت حديث صريح صحيح يخالف هذا، فتعين حمله على ما ذكرنا. اهـ.
وقال القسطلاني في (إرشاد الساري): القواعد تقضي بأنه عند عدم الغنيمة أفضل منه وأتم أجرًا عند وجودها ـ ثم ذكر الحديث السابق وقال: ـ فهذا صريح ببقاء بعض الأجر مع حصول الغنيمة، فتكون الغنيمة في مقابلة جزء من ثواب الغزو. وفي التعبير بثلثي الأجر حكمة لطيفة، وذلك أن الله تعالى أعدّ للمجاهد ثلاث كرامات: دنيويتان وأُخروية، فالدنيويتان: السلامة والغنيمة، والأخروية: دخول الجنة، فإذا رجع سالمًا غانمًا فقد حصل له ثلثا ما أعدّ الله له، وبقي له عند الله الثلث، وإن رجع بغير غنيمة عوّضه الله عن ذلك ثوابًا في مقابلة ما فاته. اهـ.
وأما المسألة الثانية: فهي أن الاستواء في الأجر، بين العامل بنفسه أو ماله، والناوي للعمل دون أن يعمله، إنما هو في أصل الأجر لا في تمامه أو مضاعفته، وراجع في ذلك الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 121341، 153195، 226630.
وراجع في بقية الأسئلة ما سبق أن أجبناك به في الفتوى رقم: 273142.
والله أعلم.