الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فإن هذه العملية داخلة في بيع البراءة الذي ذكره الفقهاء، والذي ذهب أكثرهم إلى عدم لزومه في الجملة.
وعليه؛ فمن اشترى سيارة واشترط عليه بائعها عدم الرد عليه بما سيطلع عليه فيها من العيوب القديمة، فإن له الحق بالقيام بالرد بسبب ما اطلع عليه فيها من عيوب قديمة، ولا أثر للشرط، هذا هو محصل كلام المالكية والشافعية والحنابلة في هذه المسألة، قال الشيخ عليش وهو مالكي في كتابه فتح العلي المالك: إذا اشترط البائع على المشتري في عقدة البيع أنه لا يرد المبيع بما يظهر فيه من العيوب القديمة فإن البيع صحيح، ويبطل الشرط .
وقال صاحب روض الطالب -وهو شافعي- في معرض كلامه على هذا الموضوع : يصح البيع ولو بطل الشرط .
وقال صاحب متن الإقناع-وهو حنبلي- : وإن باع سلعة واشترط البراءة من كل عيب.... فالشرط فاسد لا يبرأ به سواء كان العيب ظاهراً ولم يعلمه المشتري أو باطناً .
والحجة لهؤلاء في صحة البيع بالبراءة مع عدم لزومه هو ما رواه الإمام مالك في الموطإ من أن عبد الله بن عمر باع غلاماً له بثمانمائة درهم وباعه بالبراءة، فقال الذي ابتاعه لعبد الله بن عمر بالغلام داء لم تسمه لي، فاختصما إلى عثمان بن عفان فقال الرجل: باعني عبداً وبه داء لم يسمه، وقال عبد الله :بعته بالبراءة، فقضى عثمان بن عفان على عبد الله بن عمر أن يحلف له لقد باعه العبد، وما به داء يعلمه، فأبى عبد الله أن يحلف وارتجع العبد فصح عنده، فباعه عبد الله بعد ذلك بألف وخمسمائة درهم.
وإذا تقرر هذا.. فإنا نرى أن شراء السيد عبد الفتاح للسيارة المذكورة، والتي اطلع على كونها فاقدة الأوراق -وهذا أمر لا يقل عن العيب- غير لازم، وأن له القيام بردها أو أخذ تعويض عن أوراقها، وهذا إذا لم يصدر من عبد الفتاح تصرف يقتضي رضاه بهذا العيب بعد علمه به.
أما إذا تصرف في السيارة ببيع أو غيره، وهو يعلم أنها لا أوراق لها كما ذكر، فإنه يلزمه الشراء، ولا رجوع له على البائع، وذلك لتوافر النصوص الدالة على أن من موانع الرد بالعيب ظهور ما يدل على الرضى به من قول أو فعل أو سكوت.
وقد لخص بعض علماء المالكية مسألة استعمال المعيب من طرف المشتري فقال:
ذو العيب حيث مشتريه استعملا ==== قبل اطلاعه يرد مسجــلا
وإن يك استعمل بعــدما اطلـع ==== وقبل ما خاصم فالرد امتنـع
وهذا الأخير هو محل الشاهد.
والله أعلم.