الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالإقرار اللفظي من المرتد في توبته من الجحود إنما يلزم عند القاضي ونحوه ممن ينظرون في عقوبة المرتد، أو أثر الردة على الحقوق والعقود، كحق الميراث، وعقد النكاح مثلا.
وأما توبة المرتد فيما بينه وبين الله تعالى – أيًّا كان نوع ردته – فلا يلزم فيها غير النطق بالشهادتين، والتوبة من سبب الردة! وعلى ذلك فلا داعي لتشكك السائل في صحة توبته.
والفتوى التي أشار إليها السائل ونقل رابطها، هي نفسها قد وضحت ذلك، ففيها النص على أن: [الفقهاء حينما يذكرون هذه الأقوال، فإنما يقصدون بذلك المؤاخذة القضائية، بمعنى: هل يكتفي القاضي من المرتد إذا ادعى التوبة بقوله: برئت من كل دين يخالف الإسلام ونحو ذلك، لدرء عقوبة القتل عنه؟ أم يُلزم ببيانٍ أكثر من هذا؟ وهذا معنى قولهم: "تقبل توبته" أو "لا تقبل توبته" أي قضاءً. قال ابن قدامة بعدما ذكر الخلاف في "قبول توبة الزنديق:" وفي الجملة فالخلاف بين الأئمة في قبول توبتهم في الظاهر من أحكام الدنيا من ترك قتلهم وثبوت أحكام الإسلام في حقهم، وأما قبول الله تعالى لها في الباطن وغفرانه لمن تاب وأقلع ظاهرا وباطنا: فلا خلاف فيه، فإن الله تعالى قال في المنافقين : ( إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما )" انتهى من " المغني "].
ومع هذا تجد في هذه الفتوى بعض النقول عن أهل العلم في من كانت ردته بجحد فريضة، أو كتاب، أو نبي، أو ملك، أو نحو ذلك، بأنه لا يكتفى في حقه بالنطق بالشهادتين، بل لا بد من إقراره بما أنكره أو جحده. ولا تعارض في هذا، لأن ذلك إنما يطلب عند القاضي ونحوه ممن ينظرون في عقوبة المرتد، أو أثر الردة على العقود وحقوق العباد، كما قدمنا.
والله أعلم.