السؤال
شبهة للملاحدة والمستشرقين عن جمع القرآن، والأحرف السبعة. أريد إجابتها.
يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى: الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَةَ هَلْ هِيَ حَرْفٌ مِن الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ أَمْ لَا؟
وَهَذَا النِّزَاعُ لَا بُدَّ أَنْ يُبْنَى عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي سَأَلَ عَنْهُ السَّائِلُ وَهُوَ أَنَّ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَةَ هَلْ هِيَ حَرْفٌ مِن الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ أَمْ لَا؟
فَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِن السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ أَنَّهَا حَرْفٌ مِن الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ؛ بَلْ يَقُولُونَ: إنَّ مُصْحَفَ عُثْمَانَ هُوَ أَحَدُ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ للعرضة الْآخِرَةِ الَّتِي عَرَضَهَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى جِبْرِيلَ، وَالْأَحَادِيثُ، وَالْآثَارُ الْمَشْهُورَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
لكن بالنسبة لهذا القول: هل ترك الأحرف الستة هو من تحريف القرآن أو ضياعه؟ والجواب: لا.
يقول الطبري في تفسيره: فإن قال: فما بال الأحرف الأخَرِ الستة غير موجودة، إن كان الأمر في ذلك على ما وصفتَ، وقد أقرأهن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحابه، وأمر بالقراءة بهنّ، وأنزلهن الله من عنده على نبيه -صلى الله عليه وسلم-؟ أنسخت فرُفعت، فما الدلالة على نسخها ورَفعها؟ أم نسيتهن الأمة، فذلك تضييعُ ما قد أمروا بحفظه؟ أم ما القصةُ في ذلك؟
قيل له: لم تنسخ فترفع، ولا ضيعتها الأمة، وهي مأمورة بحفظها. ولكنّ الأمة أمرت بحفظ القرآن، وخُيِّرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت.
ما الدليل على كلام الطبري أن الأمة ليست مأمورة بحفظ القرآن بجميع الأحرف؟
والجواب: هو إجماع الصحابة والمسلمين على هـذا الأمر. فالشبهة حول صحة الإجماع على هــذا.
وفي المصاحف لابن أبي داود: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} غُلُّوا مَصَاحِفَكُمْ، وَكَيْفَ تَأْمُرُونِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَى قِرَاءَةِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَقَدْ قَرَأْتُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَأَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ لَيَأْتِي مَعَ الْغِلْمَانِ لَهُ ذُؤَابَتَانِ، وَاللَّهِ مَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ فِي أَيِّ شَيْءٍ نَزَلَ، مَا أَحَدٌ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي، وَمَا أَنَا بِخَيْرِكُمْ، وَلَوْ أَعْلَمُ مَكَانًا تَبْلُغُهُ الْإِبِلُ أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي لَأَتَيْتُهُ. قَالَ أَبُو وَائِلٍ: فَلَمَّا نَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ جَلَسْتُ فِي الْحِلَقِ فَمَا أَحَدٌ يُنْكِرُ مَا قَالَ.
والذي يظهر لي ردًا على المستشرقين:
1- أن ابن مسعود -رضي الله عنه- لم يخالف في جواز جمع الناس على حرف واحد، وإنما رفض ترك الحرف الذي تعلمه، فهو لم يكفرهم، ويتهمهم بتحريف القرآن، بل لما كان جمع الناس على حرف واحد جائزا، وعدم الجمع كذلك جائزا، بقي على رأيه.
يقول الشاطبي في الاعتصام: فَلَمْ يُخَالِفْ فِي الْمَسْأَلَةِ إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، فَإِنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ طَرْحِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْقِرَاءَةِ الْمُخَالِفَةِ لِمَصَاحِفِ عُثْمَانَ، … فَتَأَمَّلْ كَلَامَهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ فِي جَمْعِهِ، وَإِنَّمَا خَالَفَ أَمْرًا آخَرَ.
2- أن معارضة ابن مسعود -رضي الله عنه- لم يكن لجمع الناس على حرف واحد، بل لأنه لم يكن من لجنة نسخ المصاحف، بدليل أنه اعترض على ترك قراءته لقراءة زيد، ولو كان في الأمر تحريف وتضييع؛ لكان الاعتراض على عثمان في جمعه على حرف واحد أولى من الاعتراض على اختياره لزيد؛ لأن هذا الاعتراض الجزئي دليل الرضى بالأصل الكلي في الجمع على حرف واحد.