بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد
فبارك الله فيكم على مشاعركم النبيلة ، وعاطفتكم الإيمانية ، وحرصكم على التزام أحكام الشرع في المنشط والمكره .
أما ماسألتم عنه من رغبتكم القيام بمظاهرة تضامنا مع إخوانكم في فلسطين فإننا نقول :
إن هذه المظاهرات وغيرها من طرائق التعبير عن الرأي ، وقنوات التأثير على الآخر هي وسائل يتوصل بها إلى غايات ، وليست غاية في ذاتها . وما كان على هذا النحو فإنه ينظر إليه من جهتين :
الأولى: من جهة الوسيلة المستخدمة في التعبير عن الغرض ، المتوصل بها إلى الغاية ، هل هي مأمور بها شرعا ، أم مباحة ، أم ممنوعة .
ـ فإن كان مأمورا بها فلا شك في جواز استخدامها، وذلك مثل المشي لشهود الصلاة في المسجد مع جماعة المسلمين ، أو السعي في طلب الرزق أو زيارة الأقارب والأرحام أو في الدعوة إلى الله .. ونحو ذلك .
ـ وإن كانت الوسيلة ممنوعة ، فإن كان منع تحريم فإنه يحرم اتخاذها أو التوصل بها إلى أي غاية ، حتى وإن كانت الغاية مطلوبة شرعا ، وذلك كمن يسرق ليتصدق ، أو يودع ماله بفائدة بنية التبرع بهذه الفائدة في المشاريع الخيرية ، أو ينشىء مشروعا سياحيا في بلاد المسلمين ، تمارس فيه الرذيلة ويباع فيه الخمر ويجلب إليه العاهرات .. بغرض التجارة .. ونحو ذلك ، فهذا ونحوه لايلتفت فيه إلى الغاية ، لأن الطريق الموصل إليها ممنوع في ذاته.
وإن كانت ممنوعة منع كراهة فإنه يكره اتخاذها تبعا لذلك .
ـ وإن كانت الوسيلة مباحة ، فهذه مسألة اختلفت فيها أنظار أهل العلم بين مجيز ومانع .
ومستمسك المانعين أنهم جعلوا الوسائل تعبدية ، فلا يتجاوز فيها المنصوص أو المقيس عليه .
والصواب إن شاء الله تعالى أن الوسائل ، وهي الطرق إلى المقاصد غير منحصرة ، وأنها تأخذ حكم مقاصدها ، وأن النظر في الوسائل يكون من جهة : هل هي ممنوعة أولا . وليس : هل هي مأمور بها أو لا.
أي أننا في باب الوسائل ننظر : هل نهى الشارع عن هذه الوسيلة أو لا ، ولانحتاج إلى البحث في : هل أمر بها الشارع أو لا. بل يكفي في الوسائل أن يكون الشارع قد أباحها أو سكت عنها .
الثانية : من جهة المقاصد ، وذلك أننا لانحكم للوسائل ـ على التفصيل السابق ـ بحكم منفصل عن الغاية المقصودة من ورائها ، لأنه قد تقرر أن الوسائل لها أحكام المقاصد. فإذا كان القصد مطلوبا شرعا ، والغاية مأمورا بها من حيث هي ، فإنه يشرع التوصل والتوسل إليها بكل وسيلة غير ممنوعة شرعا .. فنصرة المسلم المظلوم مطلوبة شرعا . قال تعالى : ( وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ) متفق عليه. فكل وسيلة قديمة أو مستحدثة غير ممنوعة شرعا ، يغلب على الظن أنها تحقق المقصود ، وهو النصرة ورفع الظلم أو تخفيفه ، فإنها جائزة ، بل مأمور بها ، بحسب مالها من أثر .
ومعلوم أن الشعوب لها طرائق مختلفة في التعبير عن آرائها ، والشرع لايمنع من استخدام تلك الطرائق ، ولا يحصر معتنقيه على وسائل بعينها ، وليس مع من ادعى ذلك حجة نقلية ولاعقلية ، بل مقاصد الشرع وقواعده ، ووقائع تاريخ المسلمين في الصدر الأول تشهد بخلاف ذلك .
إذا تقرر هذا فإننا لانرى مانعا من تنظيم المظاهرات والاحتجاجات على المذابح التي يتعرض لها إخواننا في فلسطين وغيرها من بلاد المسلمين ، فإن هذا أضعف الإيمان وأقل الواجب . والله المستعان . وهو حسبنا ونعم الوكيل. والله أعلم .