الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فلا شك أن مصادرة أملاك الناس على النحو المذكور مضاد لحكم الشريعة الغراء، وهو محض ظلم وغصب وعدوان وأكل لأموال الناس بالباطل، ولا تخرج بهذه المصادرة عن ملك أصحابها بل هي باقية على ملكهم، لا يجوز لأحد الانتفاع بها ، وراجع لذلك الفتاوى ذات الأرقام التالية: 9660، 10621، 15190، 23644، 49868، 60033.
ولكن إذا كانت هناك ضرورة إلى السكنى فيها، فالذي يظهر لنا -والله أعلم- هو جواز ذلك دون الانتفاع بتأجيرها أو تملكها لكن بشرط أن لا تتعلق بها حاجة أصحابها كأن يحتاجوا إلى سكناها، فإن الضرر لا يزال بالضرر، ويشترط أيضا دفع أجرة المثل إلى أصحابها إن علموا أو أمكنت معرفتهم، وإلا فالواجب الصدقة بها عنهم كما هو مبين في الفتوى رقم: 67775، وهذا لعدة وجوه:
الأول: أن منع الناس من السكنى بها مع اضطرارهم إليها وعدم وجود البديل عنها كما جاء في السؤال يؤدي إلى الإضرار بالناس وإيقاعهم في الحرج البالغ وقد قال تعالى: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ {الأنعام: 119} وقال تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ {الحج: 78} وهذا الضرر والحرج يرفعان بالسكنى في هذه البيوت ودفع أجرة المثل لأصحابها دون التأجير الذي لا ضرورة إليه أو البيع لما هو غير مملوك وهو محض تكريس للظلم والغصب.
الثاني: أن هذه الأملاك المصادرة باقية كما هي في يد الظالم المغتصب لا يستطيع أصحابها استردادها منه، وفي انتفاع الناس بها بالسكن ودفع أجرة المثل لأصحابها منفعة للناس ولهم، والشريعة لا تنهى عن ذلك، فإن من مقاصدها المرعية تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها.
الثالث: أن الفقهاء قد نصوا على أن للمضطر أن ينتفع بمال غيره إذا لم تندفع ضرورته إلا بذلك، قال ابن القيم: إذا قدر أن قوما اضطروا إلى السكنى في بيت إنسان ولا يجدون سواه أو النزول في خان مملوك أو استعارة ثياب يستدفئون بها أو رحى للطحن أو دلو لنزع الماء أو قدر أو فأس أو غير ذلك وجب على صاحبه بذله بلا نزاع، لكن هل له أن يأخذ عليه أجرا فيه قولان للعلماء، وهما وجهان لأصحاب أحمد، ومن جوز له أخذ الأجرة حرم عليه أن يطلب زيادة على أجرة المثل.
وقد رجحنا في هذه الحالة وجوب بذل أجرة المثل، إما إلى أصحابها وإما بالصدقة بها عنهم إذا لم يمكن الوصول إليهم لوجهين:
الأول: أن الأصل هو عصمة أموال الناس إلا لدليل لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. متفق عليه. والضرورة وإن سوغت الانتفاع بمال الغير أو استهلاكه فإنها لا تسوغ عدم ضمانه ورد بدله.
الثاني: لئلا تتخذ النظم الظالمة ذلك ذريعة إلى مصادرة أملاك بعض الناس بحجة دفع ضرورة آخرين.
وأما بالنسبة للمحل الذي اشتريتموه فلا يجوز لكم الانتفاع به إذا كان مملوكا لآخرين إلا بعد استرضاء أصحابه علما بأن الثمن الذي دفعتموه للحكومة وكذلك أجرة السكن التي تدفع لها لا يعتد بها في استرضاء المالكين لأنه دفع للغاصب وليس لهم، ونسأل الله أن يصلح حال المسلمين وأن يهيئ لهم أمر رشد تعلو فيه كلمته، ويحكم فيه بكتابه وسنة نبيه، وتصان فيه الحقوق وترد إلى أصحابها إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والله أعلم.