الصفحة 3 من 6

جاء في الصحيحين وغيرهما من رواية الإمام مالك بن أنس عن الزهري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تَباغضوا، ولا تَحاسدوا، ولا تَدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا، لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) ورواه عن الزهري جمعٌ غفير، منهم الزبيدي، وشعيب وجماعة وقد اشتمل هذا الحديث على معاني كثيرة، وفرائد من الفوائد، وعلى أساسيات التعامل مع الآخرين، وعلى الأسباب المؤدية لنقاوة القلوب وسلامتها، وبعدها عن الحسد، والبغي والعدوان على الآخرين، وقد اشتمل قوله صلى الله عليه وسلم (لا تباغضوا) على الابتعاد عن الأسباب المؤدية للبغضاء، من البيع على بيع أخيه، والنجش، والخطبة على خطبة أخيه، والبغي، والظلم، والعدوان، ونحو ذلك، فقوله صلى الله عليه وسلم (لا تباغضوا) ليس المعنى لا تبتدئوا البغضاء، لأن البغضاء لا تنتج تلقائيًا، إنما تنتج عن أسباب، فالمعنى لا تستجلبوا لأنفسكم أسباب البغضاء، بل اعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وإذا بدر من أخيك شيء ما من ذلك فالزم جانب العفو، والصفح، فإن الله جل وعلا يقول (فليعفوا وليصفحوا) والله جل وعلا يقول (والعافين عن الناس) والله جل وعلا يقول (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) وقد ورد عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، بسند فيه مقال، أنه قال ما عقبت من عصى الله فيك، بمثل أن تطيع الله فيه، وعقاب هذا أولى من عقابه بالاعتداء عليه، أو بمجازاته بمثل ما فعل، ولاسيما أن الإحسان إلى الآخرين يحصل به استعباد القلوب، وعلى الأقل الكف عن شرهم، والابتعاد عن أذيتهم، ومن جميل ما يُروى عن الإمام الشافعي أنه قال

فلما عفوت ولم أحقد على أحد *** أرحت نفسي من هم العداوات

إني أحيي عدوي عند رؤيته *** لأدفع الشر عني بالتحيات

بينما حين يستجلب لك أخوك أسباب البغضاء، وتعامله بمثل ذلك، ينتج بينكما عداوة، وبغضاء، وبغي، واستطالة، ومحاولة للأذية، وحسد، وقد يتعاظم الأمر ويتطور، وعِوضا أن يكون بين اثنين، يكون بين أربعة أو ستة، أو بين عائلتين، أو بين قبيلتين، أو بين دولتين، فإن النار من مستصغر الشرر، وقد لقي الإمام الشافعي رحمه الله تعالى عناءً كبيرا من أعداءه، وخصومه، وقد كان يصفح، ويسكت، ويحلم، وحين قيل له ألا ترد عليهم؟ ألا تتحدث عنهم؟ فرفض ولزم الصمت، والسكوت، ورأى أن هذا خير علاج، حتى أنهم من بغيهم وعدوانهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت