ثلاث ليالٍ، وهذا ليس محمودًا إنما هو مباح، وإذا تجاوزت ثلاث ليالٍ أثمت، وظلمت نفسك، وآذيت غيرك، وعصيت ربك، وخالفت سنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم (ولا تدابروا) أي -ابتعدوا عن الأسباب الجالبة للتدابر- وهي كثيرة جدًا، وعلى حسب قوة إيمان الرجل، و وفور عقله، يبتعد عن أسباب الخصومة، وأسباب التدابر مع الآخرين، فمن الضروري أن يكون هناك عقل يحمي التدين، الذي يحمله الإنسان، فقد يحمل تدين وصلاح، فيحمله هذا التدين الذي لم يصاحبه عقل راجح إلى أذية الآخرين، وهجرهم، والبغي عليهم، فنحن لا نتهم نيات الآخرين بأن كل من هجرك فهو حاسد، أو كل من رد عليك فهو حاسد، قد يكون مخلصًا لله، والباعث له على ذلك التدين، ولكن عنده نقص عقل.
ألم تر أن العقل زين لأهله *** ولكن تمام العقل طول التجارب
التدابر نوعان: النوع الأول المحمود، والنوع الثاني المذموم، فالمحمود: أن تُدَابِر أعداء الله وأعداء رسوله صلى الله عليه وسلم وأن تبتعد عنهم وأن تجافيهم ولا تحضر مجالسهم ولا تركن إلى الذين ظلموا كما قال تعالى (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ومالكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون) وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه) فقوله صلى الله عليه وسلم (لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام) فهذا نهي عن بُداءة اليهود والنصارى بالسلام، والأصل في النهي أن يكون للتحريم، وهذا رأي أكثر العلماء، والقول الثاني: أنه لا بأس ببداءة اليهود والنصارى بالسلام، قال الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى: إن سلمت فقد سلم الصالحون قبلك، وإن تركت فقد ترك الصالحون قبلك، القول الثالث: إن رُجي إسلامه فلا بأس بالسلام عليه وإلا فلا، والصحيح منع بدأ اليهود والنصارى بالسلام، لأن الحديث في صحيح مسلم، وهو قاضٍ على خلاف من خالف في هذه المسألة، وهذا من هجرهم والبعد عنهم، ولأن السلام اسم من أسماء الله جل وعلا، ولا يصح بذله بين أعداء الله جل وعلا، قوله: (وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه) يسيء بعض الناس فهم هذا الحديث، ويتصور أن المعنى أن تعتدي عليه، وأن تؤذيه في الطريق، وأن تحاول أن تلصقه بجنبتي الطريق، وهذا فهم سيء للحديث، فالمعنى من الحديث باتفاق أكابر المحققين: أي خذوا بوسط الطريق الذي يضطرهم إلى أخذ جنبتي الطريق وأفهم الناس للأحاديث هم الصحابة رضي الله