الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، أما بعد: فإن أولى ما يَتنافس فيه المُتَنافِسون، وأحَرْى ما يَتسابق في حلقة سِباقه المُتَسَابقون، ما كان بسعادةِ العبد كفيلًا وإلى المعادِ دليلًا، وذلك هو: العِلم النافع والعمل الصالح اللذان لا سعادة للعبد إلا بهما وقد أرسل الله عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بذلك فقال {هُوَ الذِي أَرْسَلَ رَسُوْلَهُ بِالهُدَى وَدِيْنِ الحَق} أي: العلم والعمل، وعلمٌ بلا عمل كشجر بلا ثمر لا فائدة منه، قال تعالى {أوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيَنَاهُ} أي: كان ميتا بالجهل فأحياه الله جل وعلا بالعلم، وقيل: كان ميتا بالكفر فأحياه الله جل وعلا بالإسلام، والعلم منه ما هو فرض عين ومنه ما هو فرض كفاية، ويتأكد في وقت أكثر من وقت، وفي زمن دون زمن، وفي شخص دون شخص، ولذلك قد ذكر الحافظ النووي رحمه الله تعالى بأن العلم يكون فرض عين على رجل آتاه الله حفظًا وفهمًا لأنه في هذه الحالة يستطيع أن يتناول العلم وأن يأخذه وأن يذب عن كتاب الله تحريف المبطلين، وانتحال الجاهلين، فإنه يحمل هذا العلم من كلِّ خلفٍ عُدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وإن الله جل وعلا لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا كان العلماء يموتون، والجُهَّال لا يتعلمون، فإن العلم يندرس، وإذا خفي العلم في مجتمع حل الشرك محل التوحيد، وهذا موجود الآن في كثير من الأمصار، يجعلون الشرك توحيدًا ويجعلون دعاء غير الله وطلب المدد من الأموات والغائبين من الإيمان، وقد يرتكبون الشرك باسم المصلحة كالذين يناصرون الكفار على المسلمين تحت غطاء المصالح ويسمون الأسماء بغير مسمياتها، والعامَّة يتجاوبون مع كثير من هذا الطرح، لأن العلم خَفِيَ عليهم، فحل الكفر والشرك محل التوحيد، وحلت البدعة محل السنة، كالموالد النبوية وهي قد حدثت في حدود عام 360 على أيدي العبيديين الذين يُسَمَّون بالفاطميين كذبًا وزورًا، طبعًا هم ليسوا بفاطميين هؤلاء هم أول من أحدث بدعة المولد، ويرون أن الذي لا يقيم هذه البدعة فإنه لا يحب النبي صلى الله عليه وسلم، فيحلون البدع محل السنن، وحلت المعصية محل الطاعة، وحل الظلم محل العدل، جاء في صحيح البخاري من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في تفسير قول الله تعالى {وَلَا تَذَرُنَّ وَدًا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوْثَ وَيَعُوْقَ وَنَسْرًا} قال ابن عباس هذه أسماء رجالًا صالحين من قوم نوح، أوحى الشيطان إليهم أن انصبوا في مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا ولم تُعْبَد حتى إذا نُسِخَ العلم هذه الرواية الصحيحة من نُسَخ صحيح البخاري جاء في بعض نُسَخ البخاري ونُسِي العلم والنُسَخ الصحيحة ونُسِخ العلم بمعنى: اندرس وذهبت آثاره في هؤلاء فعبدوهم من دون الله لأن الشيطان دبَّ إليهم قال إن أوائلكم ما صَوَرُوا صورهم إلى لأنهم يعبدونهم وإلا لماذا صوروهم؟ فعبدوهم من دون الله، الشأن في ذلك أن ذهاب العلم أدى إلى ظهور الشرك، وأن وجود العلماء يؤدي إلى وَأْد الشِّرك في مَهْدِه وقمع البدع وأهل الضلال، وهذا ليس لكل عِلْم إنما هو للعلم المَوْرُوث عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي تتمثل حقائقه في قلب حامله، وأما إذا كان العلم يُقَرَر نَظَريًا ويُعْزَل عن أرض الواقع فمثل هذا العالم لا نستطيع أن نُمَثِّل صورته أعظم من تمثيل الله له في سورة الأعراف {كَمَثَلِ الكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَث أَو تَتْرُكْهُ يَلْهَث} أو في سورة الجمعة {كَمَثِلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أسْفَارًا}