ولذلك حين سُئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى من نستفتي بعدك؟ قال: سَلُوا عبد الوهاب الوَرَّاق، قيل: يا أبا عبدِ الله إنه قليل العلم، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: معه ورع، معه ورع يمنعه أن يقول على الله ما لا يعلم، فالورع يمنع الشخص أن يَقْفُ ما ليس له به علم، أو أن يجعل الحلال حرامًا والحرام حلالًا، أو يتجاوب مع الذين يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا ويُلَبِّسُونَ ويُخْفُون الحق ويقولون الباطل، وحين سُئل رحمه الله أيضا عن معروف الكرخي أثنى عليه خيرًا، فقال بعض الحاضرين: يا أبا عبد الله ليس بذاك، لأن بعض الناس يتصور أن من جَمَعَ عِلمًا كثيرًا صار أفضل من غيره هذا غير صحيح فمن جَمَعَ عِلمًا بلا عمل فهذا لا يُغْنِي، ولو كان يُغْنِي عن صاحبه شيئًا لأغنى عن اليهود، والعبادة لو كانت تغني بدون علم لأغنت عن النصارى، وأنتم في كل يوم تقولون {غَيْرِ المَغْضُوْبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِيْن} ومن بدائع كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في التحفة العراقية يقول: إن بعض العباد يقول في اليوم والليلة {غَيْرِ المَغْضُوْبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِيْن} سبعَ عشرة مرة وهو من المغضوب عليهم ومن الضالين ولا يدري.
أثنى الإمام أحمد رحمه الله تعالى على معروف الكرخي خيرًا، فقيل: ليس بذاك - أي في العلم - قال: وهل يراد من العلم إلا ما وصل إليه معروف؟ الله جل وعلا يقول عن أهل الكتاب {قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَى تُقِيْمُوا التَوْرَاةَ وَالإنْجِيْل} فهذا خِطابٌ للذين آمنوا وخِطابٌ لأهل القرآن، فيا أهل القرآن لستم على شيء حتى تقيموا القرآن، الصحابة رضي الله عنهم حين عملوا بالقرآن وتجاوبوا مع أخبار وأوامر القرآن وانتهوا عن نواهيه فتحوا البلاد شرقًا وغربًا ولم يكن بكثرةِ عدد ولا بِعُدَد، كان هذا بإيمانهم وصلاحهم وحسن سياستهم وإقامة العدل على نفوسهم قبل إقامة العدل على الآخرين، فهذا أبو بكر رضي الله عنه يخطب بالناس ويقول إذا اعوججت فقوموني ويقول ذلك صدقًا، قد يقول بعض الناس إذا أخطأت ردُّوا عَلَي وهو يكذب لو يرد عليه شخص لغضب، فأبو بكر يقول ذلك صدقًا ولذلك هذا طبعًا أثر صحيح، رواه محمد بن إسحاق في السيرة، قال حدثنا الزهري، قال حدثنا أنس، هذا إسناده صحيح، وجاء في البخاري أيضًا من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة حين جاءت فاطمة والعباس وجماعة يطلبون ميراث النبي صلى الله عليه وسلم من أبي بكر، قال أبو بكر رضي الله عنه: إنِّي أخشى إن تركتُ شيئًا من أمري من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أن يزيغ قلبي، وكان يقرأ في صلاة المغرب في الركعة الثالثة بعد الفاتحة {رَبَنَا لَا تُزِغْ قُلُوْبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكّ رَحْمَة} هذا رواه الإمام مالك رحمه الله تعالى في الموطأ بسند صحيح قال المتنبي
عَجِبْتُ لِمَنْ لَهُ قَدٌّ وَحَدُّ ... وَيَنْبُوْ نَبْوَةَ القَضِمِ الكَهَامِ
وَمَنْ يَجِدِ الطَرِيْقَ إِلَى المَعَالِي ... فَلَا يَذَرُ المُطِيَّ بِلَا سَنَامِ
وَلَمْ أَرَ فِيْ عُيُوْبِ النَّاسِ شَيْئًا ... كَنَقْصِ القَادِرِيْنَ عَلَى التَمَامِ